#adsense

بالإذن.. استنتاجات العارف

حجم الخط

ما تفعله الميليشيات الطائفية المدعومة إيرانياً في العراق، في كل منطقة «تحررّها» من «داعش»، يجعل من أي قراءة تفاؤلية لمستقبل الوضع العراقي، ضَرباً من البلاهة، مثلما يقدِّم في الإجمال، مادَّة حيوية مباشرة لتوقعات الجنرال ديفيد بترايوس القائد السابق للقوّات الأميركية في العراق.

الجنرال الأميركي الأكثر معرفة بتضاريس الجغرافيا السياسية والعشائرية والطائفية والمذهبية العراقية، رأى مثلما يرى كثيرون، أنّ الخطر الأكبر على العراق ليس من «داعش» وإنّما من إيران وامتداداتها الميليشيوية.. وأهمية استنتاجاته تكمن أولاً في ابتعادها الشجاع عن النهج الرسمي الراهن لإدارة أوباما التي تضع بين عينيها جرس الاتفاق مع طهران ولا تسمع إلا رنينه! وثانياً في صدورها عن صاحب أنجح تجربة ميدانية في التصدِّي لشراذم «القاعدة» ومتفرّعاتها في العراق نفسه.

بترايوس، واكَب وعاصَر ورعَى تجربة «الصحوات» التي لعبت الدور الأبرز في التصدِّي الناجح للإرهاب القاعدي في الأعوام التي تلت التفجير المزدوج لمرقدَي سامراء في العام 2006. وأمكنه بذلك بناء أساس ميداني لمصالحة سياسية طائفية اجتماعية فعلية في العراق، قبل أن يتعمّد نوري المالكي نسف ذلك الأساس وإعادة الأمور إلى أسوأ ممّا كانت عليه.

وبترايوس العارف، وضع ممارسات المالكي آنذاك، مثلما يضع اليوم، ممارسات الميليشيات الطائفية، في سياقها الإيراني المناسب. أي أنّها ليست، في مرحلتَيها السابقة والراهنة، مدفوعة بهدف الإمساك بالسلطة وبالعامل الثأري السياسي والمذهبي فقط، وإنّما بالاستراتيجية التي اعتمدها ويعتمدها صانع القرار الإيراني من أجل ضبّ بلاد الرافدين تحت خيمة مشروعه الامبراطوري!

وما حذّر منه بالأمس، يكرِّره اليوم. ولا يمكن افتراض شيء أكثر دقّة من ذلك: ضرب الزرقاوي والاستطرادات القاعدية سابقاً من دون ترجمة مفاعيل ذلك في تركيبة الحكم المركزي في بغداد، لن يؤدِّي ولم يؤدِّ إلى ضرب الإرهاب بل سيُنتج ظواهر أخطر من تلك البائدة.. (وأنتج!) وتلزيم الميليشيات المذهبية راهناً مواجهة «داعش»، وفي ظلّ النفوذ الإيراني الجامح، سيؤدِّي إلى النتيجة ذاتها. بل ربّما إلى توليد ما هو أسوأ من «داعش».

ولا يخطئ الجنرال الأميركي السابق في تشخيص الواقع على حقيقته، مثلما يُفترض بأي عسكري حصيف: «داعش» ظاهرة إرهابية عابرة وستمضي.. إيران «ظاهرة» قائمة وتتطوَّر. ومِثال العراق ليس يتيماً، إنّما هو جزء من سياق لن يؤدِّي فقط إلى فشل ما يُسمَّى «الحرب على الإرهاب»، وإنّما إلى إشعال المزيد من الحرائق والكوارث، وتهديد كل ما تدَّعي واشنطن الحرص عليه.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل