
سمير جعجع رجل المؤسسات من دون منازع ولست هنا بصدد الدعاية له، فتاريخه يشهد على ذلك وهذا المقال يوضّح ما ارمي اليه. و”معهد بشير الجميل” للضباط في “القوات اللبنانية” هو خير شاهد على انجازات هذا الرجل. وما ضرب “القوات اللبنانية” في العام 1994 في أحد جوانبه إلا خوفاً من التنظيم الذي قام به هذا الرجل…
عقب انتفاضة 12 آذار 1985، تم تعيين سمير جعجع رئيساً للأركان في “القوات اللبنانية”، فأنشأ المدرسة الحربية لتخريج ضباط “القوات” تحت اسم “معهد بشير الجميل” في غوسطا . اذ لا بد من احتراف العمل العسكري المنظم وان يكون على مستوى الجيوش العصرية. فالمواجهات كانت مع ميليشيات وجيوش نظامية ولا بدّ من رفع المستوى العسكري لتقوية ميزان القوى على هذا المستوى القيادي. وفي هذا الاطار كان التنسيق مع الجيش اللبناني وعبر السلطات السياسية والامنية، فتم ارسال بعض الضباط من الجيش وتولوا اعداد مناهج التدريب وهي ذاتها مناهج التدريب المعتمدة في المدرسة الحربية للجيش اللبناني. كما تم دمج خبرات القوات القتالية مع مناهج الجيش اللبناني لناحية الإمرة والانضباط وتنظيم المعلومات العسكرية ، فكانت النتيجة باهرة و بشهادة هؤلاء الضباط انفسهم ولاحقاً على ارض الواقع.

(الصور من أرشيف المسيرة)
للحقيقة وللتاريخ، إن الضباط المتخرجين من “معهد بشير الجميل” هم الذين حفظوا “القوات” وساهموا لاحقاً بالحفاظ عليها عند حلّ الميليشيات وخلال قمع النظام الامني، فكان “معهد بشير الجميل” هو حبة الحنطة التي زرعت في الارض الطيبة واثمرت سيوفاً للحق ضد الباطل.
لكن ايضًا لو لم يكن هناك ابطالاً من غير الضباط كانوا اليد الطولى المساعدة لهؤلاء الضباط، لما استطاعت هذه المؤسسة الفتية في ذلك الوقت وخلال اعتقال الحكيم من النجاح، وصدق المثل “يدٌ واحدة لا تصفق”. القوات اللبنانية هي واحدة في مختلف شرائحها ونجاح أي مجموعة منها هو نجاحها كلها.

لقد ساهم الضباط المتخرجين من ” معهد بشير الجميل” في فرض الانضباط على المقاتلين، وبالتالي على مجتمع المقاومة اللبنانية، حيث لم تعد ترى في المنطقة الشرقية اي تجاوزات تذكر من المقاتلين. و هنا كان التحدي الاكبر أن تفرض السلطة على المقاتلين.

عيّن الرائد المتقاعد في الجيش اللبناني اسعد ابو جودة قائداً “لمعهد بشير الجميل” عام 1985، وبدأ العمل في تنظيم دورات للضباط وبشكل مكثف اذ كان هناك وضع مختلف عن باقي معاهد الضباط في العالم كون المرشحين لمتابعة دورات الضباط هم مسؤولون على الجبهات القتالية يخدمون عليها وتركهم لمراكزهم مؤثر على الاداء العسكري على تلك الجبهات، وهنا كانت الصعوبة. لكن بالعمل الجاد والتضحية تخطت “القوات اللبنانية” هذه المشكلة.

قسمت الدورات بين الكادرات الذين يأتون من المدارس بعد نيلهم البكالوريا القسم الثاني او حملة الاجازات الجامعية وهؤلاء كانوا يخضعون لدورات كما المدرسة الحربية في الجيش اللبناني، والآخرون الذين كانوا مسؤولين في “القوات” عسكر على الجبهات كانوا يخضعون لدورات اعادة التأهيل مع الاخذ بعين الاعتبار خبراتهم القتالية.

وهكذا بدأت دورة الكادرات الاولى في 1 تموز 1985 واصبحت تتوالى الدورات من كادرات واعادة تأهيل مشاة وآمر سرية الى دورة قوات خاصة، الى دورات الدعم والادارة العسكرية والهندسة العسكرية والمدنية ودورات لضباط الدفاع الشعبي.
وبعد التخرّج كان الضباط الجدد يتوجهون الى مدارس الاختصاصات من المدفعية والبحرية والطيران ومضاد الدروع ومضاد الطائرات والهندسة العسكرية والامن القومي والعسكري والاستطلاع الميداني والاشارة والمدرعات والادارة العامة والقوات الخاصة و”الصدم” حيث يتابعون اختصاصاتهم.

تزامناً مع “معهد بشير الجميل”، تم انشاء مدرسة الرتباء في الضبية تحت إسم “معهد التعليم” ومنها تخرّج خيرة رتباء “القوات اللبنانية”.
وهكذا انشأ سمير جعجع جيشاً نظامياً يحاكي الجيوش العصرية، لا بل يضاهيها في خبراته القتالية.
خرّج معهد بشير الجميل ما يقارب الالف ضابط موزعين بين كادرات وإعادة تأهيل بين ذكور وإناث ومن مختلف الاختصاصات وذلك في فترة قياسية امتدت من 1985 وحتى عام 1990 ، كانت هناك خطط طموحة لرفع هذا العدد ومضاعفته.

إستشهد 41 ضابطًا على مختلف الجبهات بعد تخرجهم وذلك منذ العام 1985 وحتى العام 1990، وكان هؤلاء الضباط قدوة في المناقبية العسكرية والشجاعة واغلبيتهم استشهدوا على رأس عسكرهم.
توالى على قيادة “معهد بشير الجميل” :
الرائد المتقاعد في الجيش اللبناني اسعد ابو جودة 1985 -1987
النقيب في الجيش اللبناني آنذاك سامي ابي نادر 1987 – 1988
النقيب في الجيش اللبناني آنذاك سليم الخرياطي 1988 – 1989
النقيب في “القوات اللبنانية” ريمون ناضر 1989 – 1990
النقيب في “القوات اللبنانية” حبيب نمّور 1990 – 1 أيار 1991 تاريخ حلّ الميليشيات
“القوات اللبنانية” تنظيمياً وبالقدرات تفوقت على جميع اقرانها في الساحة اللبنانية ولذلك عندما تسنّى للنظام السوري وسمح الظرف الدولي وبعد تسليم سلاحها، انقضَّ عليها لمعرفته انها الوحيدة التي تضرب مشروعه الاحتلالي للبنان.