
كان لبنان السبّاق حين تحول الاطفال فجأة الى كبار مسنين تلبسهم الهموم، هي همجية الحرب. لم يتغير المشهد انما تطور ليصبح أكثر شمولية وأشد عنفاً ووحشية. هذه حكاية ناصعة من قلب وكر يجتاحه واحد من برابرة العصر الحديث، وهم كثر كثر..
هجم البرابرة على قراقوش، المنطقة المسيحية في العراق، نزحت مريم الى إربيل، ولجأت صديقتها ساندرا مع عائلتها الى لبنان، وافترقت الصديقتان طفلتي السنوات العشر. دخل تلفزيون “Sat 7” الى المخيم حيث صارت تعيش مريم وقابلها بالصدفة، تلك الطفلة الشقراء الشابة التي تنضح براءة ونضوجاً وايماناً “كنا هناك ومتونسين لكن الحمدلله ربنا سترنا هنا حتى لو كنا متبهدلين، مرات أبكي على بيتنا، أبكي على قراقوش بس ما ازعل من الله واشكروه لان سترنا… الله ما يحب الشيطان ويسوع ما رح يسيبنا، اقول الله يسامحهن وانا اسامحهن ليش اقتلهن بس زعلانة لان طلّعونا من بيتنا”. يسألها المذيع بتأثر واضح بشخصية الطفلة التي أسرته، وتجيبه بلكنتها العراقية الجميلة وترفض أن تتكلم بالسوء عن أحد حتى عن “داعش” حين هاجموا قريتها وقتلوا وذبحوا، لكنها تعرب عن خوفها الشديد منهم، ولما سألها عن أصدقائها في “قراقوش” أجابت بأسى واضح “أصحابي ما إعرف وينهن، كان عندي صديقة اسمها ساندرا وكنا كل اليوم مع بعضنا ونحب بعضنا كتير ونسامح بعضنا اذا غلطنا بس يا ريت اشوفها شوف شي يوم”… ورتّلت له مريم بصوتها الرائع ترنيمة من كلمات والحان والدتها ولا زالت الترنيمة تتردد في أرجاء المخيم…
مرت أسابيع قليلة، وفي لقاء اعلامي آخر مع الاعلامي طوني خليفة، أرسلت مريم من اربيل رسالة ثانية لصديقتها ساندرا، وعدها خليفة بالسعي لمعرفة مكانها، وبعد اسبوع كانت ساندرا في الاستوديو في الـmtv في مواجهة مباشرة مع صديقتها من اربيل. بكت ساندرا تأثراً وحاولت مريم أن تهدئ من روع صديقتها، ودار الحوار بين الصديقتين اللاجئتين كل في جهة من هذا الشرق المريع، “انت بالمدرسة؟” تسأل مريم “اي نعم ومدرسة رسمية كمان” تجيب ساندرا، “حلوة كتير لبنان تعالي هنا” تطلب ساندرا من صديقتها. وتضحك مريم “خلينا نخلص من يللي عندنا بالاول” ولا توضح لطوني ما الذي عندها، طفلة في غاية الذكاء واخرى بغاية الرقة والتأثر. وقبل الختام تستوقف ساندرا طوني لتطلب منه مساعدة للعراقيين اللاجئين في لبنان “نحنا بحاجة للمساعدة لان ما بقا معانا مصاري” وبصوت يغالب الدمع “بطلب تساعدونا تساعدوا العراقيين”…
هكذا يتحوّل الاطفال بالقوة كبارا، يحملون هموم العالم فوق أكتافهم الطرية الناعمة، هكذا تحوِّل الحروب البراعم الناعمة فجأة وبهبّة حقد، الى أشجار مسنّة تتهالك فوقها الاغصان القديمة التي تحتاج التشذيب وأحيانا القطع، هذه هي حرب الكبار وهم الصغار الصغار في انسانيتهم وضمائرهم، هذه هي ضريبة الدكتاتوريين والمتطرفين والمتجبّرين بالسلاح والمتخلّفين، أن تصبح الرياح المتشردة بيوت الاطفال، والبرد يأويهم بدل أن يحضنهم دفء المنزل، وأن يلجأوا الى الاوطان الغريبة بدل أن يكونوا زهرة أوطانهم ومستقبل أيامها.
كنا مرّة مثلهم، تشرّدنا في غير قرانا والى غير أرضنا، لكننا عدنا لان الامل لم يهجرنا يوما، ولان الايمان بالمسيح، مثل مريم وساندرا، لم يتركنا لحظة واحدة، ولأن ثمّة مقاومين أبطال حافظوا علينا ودافعوا عنا واستشهدوا لأجلنا، أطفال الشرق ما زالوا على حالهم، فلسطين من قبل، والان أطفال سوريا والعراق، هذا هو الشرق المريع، هذه هي ايران وبشار الاسد و”حزب الله” واسرائيل و”داعش”… كلهم واحد، وكل الاطفال مريم وساندرا…
ما أبهج اليوم الذي آمنت فيه بالمسيح أضحى سروري كاملا، حبي لفادي المجيد يوما فيوما يزيد، عمر جديد يوم سعيد يوم اتحادي بالحبيب… هذه ترنيمة مريم وهذه حكاية عمر بين ساندرا ومريم، وهذه كانت بعض من حكاياتنا…
