إن احتجاج إرهابيي السنة بمشاركة إرهابيي الشيعة في القتال إلى جوار النظام السوري، كحجة للهجرة من بلدانهم باتجاه سورية، نصرة لأبناء مذهبهم السني، قول يمكن الرد عليه، بأن “حزب الله” تحديدا متعلق وجودا، وعدماً على شرط واحد فقط، هو بقاء بشار الأسد في السلطة أولا. أما ثانيا فيتمثل في رفض سنة سورية لأي نصرة ليست لوجستية، مقتصرة على المال والسلاح والعتاد، والموقف السياسي من دعم مطالب ثورتهم، التي تمكن النظام من صبغها بالطائفية والمناطقية. بعدما كانت ثورة لكل السوريين، قبل أن يخلي الأسد سراح الجولاني وصحبته من سجونه، ليرعبوا بوجودهم الإرهابي في المناطق المحررة في الشمال السوري، العواصم الغربية ليكون بمقدور ابن حافظ الأسد، أن يصرف نظر المجتمع الدولي عن محاربته كأولوية الأولويات.
فلو أننا سألنا أغلبية الطبقة الفقيرة والمتوسطة في سورية خلال السنة الأولى والثانية تحديدا، أي صفات تريدونها للحاكم لكم بعد بشار الأسد. ستجد الجواب “بدهم حاكم زي مرسي”، والإجابة لأتباع الطوائف السنية طبعا. أما عن تأييدهم لجبهة النصرة، فحدث ولا حرج في ذلك. إذ قد يصل إلى حد إنهاء صداقتك بهم، حتى دخلت الثورة عامها الثالث، لتتبدل مواصفات الرئيس القادم تدريجيا، لكن بسرعة أكبر، نحو أي كانت مواصفته، حتى قال أحدهم، لا مانع من أن تحكمنا “عاهرة “، بقوله ” ما صارت بدنا نخلص”.
أما عن سبب التبدل، فيمكن استخلاصه من مقولة شاعت بين السوريين، وهي تحول ” الثورة إلى ثروة”. بعد أن رأوا من لم يكن يملك جحشا يركبه، يقود أفخر مركبات الدفع الرباعي، ويكمل بناء منزله، الذي كاد الصدأ يأكل حديده، البارز من خرسانات أعمدته، بسبب تعرضها لعوامل التعرية المناخية طويلا. أما عن جبهة النصرة حبيبة الفؤاد سابقا، لم تعد كذلك. بعدما كشفت عن “داعشيتها”، في تقطيع أعمدة الكهرباء الخشبية، وبيعها إلى أهل درعا، الذين حظر عليهم تقطيعها، وهم الرافضون لتقطيعها لأن الكهرباء، لا تزال تصل إلى بيوتهم، رغم تقطعها اليومي. إلا أن شيئا خير من شيء، ويبقى حال الجبهة الجنوبية السورية أفضل، إذا ما قورنت بانتهاكات العابرين للحدود في شمال سورية.
لقد بات السوريون أكثر تقبلا للحل السياسي، لأن الأسد ود لو حدث فراغ بعده، ويعمل على هذا، تشترك معه قيادات وعناصر الجماعات المتطرفة، لأنها مطلوبة أمنيا من قبل أجهزة عالمية، يتعسر عليها ملاحقتها في ظل صوملة سورية ما بعد الأسد. وكذلك لإدراك الأسد، ان منحه حق اللجوء السياسي في أي دولة بالعالم، لا يعني على الإطلاق، نجاته من المحاكمة الدولية.
فهناك تشكل لمزاج شعبي سوري، بات متقبلا حتى لمحاورة النظام، ولكن على رحيله، فالمحاورة في هذه الحالة، يدرك الأسد أنها ليست مكسبا له، وإن بدت كذلك. إلا أنها له وللعارفين، هي ليست كما تظهر. لأن الانتقال السلمي للسلطة، سوف يقطع الطريق على مسببات الفوضى، التي يريدها رئيس النظام، لعلها تمكنه من الاختباء بين طياتها، ومن ثم الهروب إلى روسيا، أو فنزويلا في ما بعد، لأن إيران سوف تتحول إلى الفيدرالية لاحقا مثل سورية. أو تريد مقولة “أكلنا يوم أكل الثور الأسود وليس الأبيض”، أي الصوملة كمصطلح لصيق بالفوضى. لأن الشرق الأوسط الجديد، يعني الفيدرالية أو الفوضى لكنها الخلاقة.
أي الفوضى الرامية إلى غاية نبيلة، وكأن لسان حال العالم، يردد قول شاعرنا، “إذا لم تكن سوى لأسنة مركبا ما حيلة المضطر إلا الركوب”. فهي ليست خاضعة للمبدأ الميكافيلي، المعروف بالغاية تبرر الوسيلة في مفهومه المغلوط الشائع، بل في مفهومه الصحيح، الذي يرى في حالة شرقنا الأوسط، أن لا سبيل للديمقراطية، كعلاج للإرهاب الإسلامي العالمي، سوى الفوضى حتى تدرك شعوب هذه المنطقة المحتقنة بالبغضاء، أن لا بديل عن السير، بما سار عليه الآخرون من الشعوب، بالاتجاه نحو رأس مال التنمية الذي تمثله الحريات، المحصنة من تقية جماعات الإسلام التجاري للمقاولات السياسية. وهو ما بات الأشقاء السوريون يدركونه، بعدما رأوا ما رأوه من تحالفات شبه يقينية ما بين ظلاميي القومجية والإسلامجية.