
إنّ الطوق الذي أقامته إيران حول دول مجلس التعاون الخليجي تهاوى اليوم وسقط بوجه الصّحوة العربيّة في عهد الملك سلمان بن عبد العزيز. من اليمن في الشرق إلى سوريا ولبنان في الغرب وليس انتهاء بالعراق في الشمال والبحر الأحمر في الجنوب، حاولت أن تضبط ايقاع تصدير النفط العربي بتحكّمها بمضيق باب المندب في اليمن ومضيق هرمز في أراضيها. فهل إيران اليوم ستحافظ على نفس القوّة بعد الصحوة العربيّة؟ وهل ستتابع هذه الحملة مسيرتها في سائر الدول التي تعاني من السيطرة الايرانيّة غير المباشرة؟ هل ستنفّذ تهديدها إيران بإصال دخان الحرب في اليمن إلى السعوديّة؟
بلغ عمر المخطّط الايراني للسيطرة على المنطقة العربيّة أكثر من ثلاثة عقود تقريباً، وباتت المنطقة العربيّة اليوم محاصرة، كما أشرنا سابقاً، حتّى صار ذلك من أبرز مكامن القوّة لدى الايرانيين، لإجبار الغرب على فكّ عزلته عنها، أو حتّى لتكون هذه المسألة ورقة ضغط بيدها في المفاوضات الأميركيّة- الايرانية حول الملف النّووي. والأهم لتتحكّم إيران بالسياسة النّفطيّة في العالم فتصبح لاعباً دوليّاً وليس قوّة إقليميّة فحسب. حتّى أنّه بممثليها في لبنان وفلسطين، أعني “حزب الله” و”حماس”، باتت لاعباً مهمّاً في ملف القضيّة الفلسطينيّة.
أمّا بعد هذه الصحوة العربيّة، والتي إن تصفّحنا كيف عنونها فرقاء “8 آذار” في لبنان: “العدوان السّعودي على اليمن”، فلم يحاربها الايرانيّون الا بمزيد ومزيد من بثّ السموم الطائفيّة والمذهبيّة وحتّى الاثنيّة، وباتت أميركا “الشيطان الأكبر”، كما درجت العادة على تسميتها في إعلامهم الأصفر، منقذًا من الضلال. وما موافقة الولايات المتّحدة الأميركيّة والغرب على هذه الحملة العربيّة الا مزيداً من فرص فشل المفاوضات الأميركيّة- الايرانية، والتي لن تكتفي أميركا بفشلها. وفي هذا السياق لم يخطئ من رأى فشل هذه المفاوضات قبل انطلاقها، وكما كتبنا في غير هذا المقال الضربة آتية لا محالة في ذلك. ولعلّ ما حدث في اليمن لهو أبرز مؤشّر.
وهنا يجب الاشارة الى أنّ هذه الضربة ستحمل أبعاداً قد تترجم ارتدادات على الألوية الايرانيّة في المنطقة من “حزب الله” إلى النّظام السوري والعراق والبحرين، وكلّ من دار في هذا الفلك وسوّق لتحوّل أميركا من شيطان أكبر إلى حليفٍ أوّل. لم تكن يوماً حسابات الغرب مطابقة لحسابات الشرق، فما رآه الكل اتّفاقًا حمل في طيّاته خلافاً تحت الرّماد.
أمّا إيران، فلن تستطيع الردّ على هذه الحملة لأنّها ستسرّع عندها وتيرة ضربها وفي هذه المسألة لا فائدة لها في ذلك، إلا إذا مارست فعل الجلد والإنتحار. ودخان الحملة على اليمن لن يطال لا السّعوديّة ولا غيرها من دول مجلس التّعاون الخليجي، فوتيرة الأحداث تتسارع يومًا بعد يوم لدرجة أنّ منظومة الدّولة الايرانيّة القويّة لن تتمكّن من مجاراتها.
وما يطال اليوم المنطقة الشرق- أوسطيّة يثبّت مجدّدًا نظرة العروبة القويّة وليس العروبة الخاضعة، ولعلّ هذه العروبة القويّة ستبدّل أيضاً مسار المفاوضات العربيّة – الاسرائيليّة وهي كفيلة بإنهاء هذا الصّراع الذي استجلب قوى إقليميّة لا تمتّ إلى العرب بصلة. وتجدر الإشارة إلى أنّه وبحسب الحسابات الإيرانيّة أهل البيت هم وحدهم أبناء الوطن الإيراني، وكلّ مَن هو مِن خارج حدود هذا الوطن لن يدرج في سلّم الأهميّات الإيرانيّة.
وتبقى العبرة لمن اعتبر من تاريخ الفرس وصراعهم مع العرب الذي لم ينتهِ حتّى يومنا هذا، والأبعد من ذلك أنّه لن ينتهي أبدًا. فالعرب بعد عاصفة الحزم لن يكونوا كما قبلها، وأحداث المنطقة حتمًا ستتأثّر، وما هو أكيد أنّ نار اليمن ستطال سوريا ولبنان وحتّى فلسطين، وإيران لم تعد إيران ولن تعود.