كنا هناك: ناصيف نخول… مهمة مستحيلة في القريّة ـ قبّيع

 

كتبت جنى جبور في “المسيرة” – العدد 1425:

في الجبل حاربنا، ورسمنا بدمائنا عدد من الانتصارات، دفاعاً عن مجتمعنا الممتد على طول الـ 10452 كلم ٢، بوجه كل من حاول الغائنا أو تقليص عددنا، أو إجتياح قريتنا وبيوتنا، وسفك دماء اهالينا.

يعيدنا ناصيف  نخول، آمر فصيلة  في المغاوير في القوات اللبنانية  بذكرياته إلى العام 1982 ليشاركنا أصعب أحداث معركة القريّة – قبّيع.

في 26 حزيران 1982  عند الظهيرة سمعت قصفاً مدفعيّاً من ناحية الجبل، وذلك بعد حوالي أسبوعين ساد فيهما هدوء حذر على المحاور والجبهات كافة.

توجهت فوراً الى ثكنة المغاوير الكائنة إلى جانب المجلس الحربي في الكرنتينا، ولاحظت أن الشباب بدأوا بالتوافد الى الثكنة من دون أي اتصال أو دعوة، حيث علمنا حينها أن وحدات بيروت بقيادة مسعود الاشقر وصلت الى منطقة القريّة – قبّيع، وتعرّضت لمكمن من قبل الاشتراكيين أوقع في صفوفهم عددًا من الجرحى والشهداء، من بينهم  الشهيد مانويل الجميّل الذي تمكّن الاشتراكيون من سحب جثّته لناحيتهم.

عند المساء طلب منّا تجميع الشباب والاستعداد للانتقال الى المعركة.

كانت فرقة المغاويرمؤلّفة من سرية أولى مكتملة، وسرية ثانية قيد الإنشاء.

السرية الأولى كانت بإمرة بوب حداد ومعاونه ريمون رزق. كانت السرية مؤلفة من ثلاث فصائل مكتملة؛  آمر الفصيلة الأولى كان يوسف بعقليني، آمرالفصيلة الثانية كنت أنا، أما آمر الفصيلة الثالثة جوزف حداد.

اكتمل ليلاً عديد السرية الأولى، تذخّرنا، وجهّزنا الأسلحة المتوسطة حيث زوّدت كل فصيلة اضافة الى السلاح الفردي ثلاث قاذفات صواريخ  ب 7 وثلاث مدافع رشاشة متوسطة وهاون 60 ملم بالإضافة الى الأجهزة اللاسلكية والإسعافات الأولية.

صباح 27 حزيران 1982 ركبنا الشاحنات والجيبات، وتوجّهنا نحو منطقة بحمدون ونزلنا من بحمدون نحو القريّة، تمركزنا أوّلاً في موقع الدير على الطريق العام أوّل قرية قبّيع، وبدّلنا المواقع مع وحدات بيروت.

اجتمعنا كآمري الفصائل مع آمر السريّة ومعاونه، وفتحنا الخرائط ووضعنا خطيطة دفاعيّة لإعادة تمركز في المنطقة.

كان نصيب الفصيلة الأولى بإمرة يوسف بعقليني التمركز على الكتف الأيمن من الدير بين بساتين اللوز، ونصيب الفصيلة الثانية بإمرتي كان التمركز في الدير وحوله، ونصيب الفصيلة الثالثة بإمرة جوزف حداد التمركز على الطريق ويسار الدير. كان الوضع هادئاً نسبيّاً، علماً أن المسؤولين السياسيين كانوا يجرون اتصالات للتهدئة و لإعادة جثمان الشهيد مانويل لكنّنا لم نكن نعرف أي شيء عن تلك المفاوضات.

صباح اليوم التالي تم تبديل الفصائل، فتبدّلت الفصيلة الثانية مع الفصيلة الأولى وتمركزت على هضبة فوق الدير تحديداً بين رويسات صوفر وقبّيع، أكملنا اعمال التحصين الميداني بالوسائل المتوفّرة من حجارة وحفر فرديّة…

شعرنا ليلاً بتحركات بسيطة، مع سماع أصوات خافتة تكسر هدوءاً مرعباً تتخلله من حين لآخر رشقات تمشيط من قبلنا.

 

 

عند الفجر لاحظنا العشب أمامنا مقطوعًا ومبعثرًا، عندها وسّعنا انتشارنا كفصيلة، توجّهت حضيرة بيتر جريش الى هضبة صغيرة على يميننا، حتى نتمكّن من السيطرة على الحركة، وبتلك الخطوة فاجأنا الطرف الآخر بوصولنا قبله الى تلك الهضبة التي كان ينوي احتلالها وتطويقنا فدارت اشتباكات عنيفة بين حضيرة بيتر جريش والاشتراكيين أدّت الى تراجعهم. واستمرّت الاشتباكات على هذا النحو من السابعة صباحاً لغاية الظهر.

ظهراً تكثّفت أعمال القنص والرشقات والقصف من جميع المحاور،  حيث أصيب بيتر جريش ووقع أرضاً، تقدّم الرهط الأوّل من الحضيرة لإنقاذه فأصيب سمير أسود واستشهد فوراً وبقيت الحضيرة مع الشهيد والجريح على التلّة.

عند الواحدة لاحظنا أن غزارة النيران على الفصيلة أصبحت غير طبيعية، فالإسرائيلي المتمركز في الرويسات صوفر أطلق النار باتجاهنا، كذلك فعلت مضادات الجيش السوري برأس المتن  وبدأت قذائف الهاون 60 و 52 ملم تتساقط بكثافة.

عندها اتصلت بآمر السرية لاسلكيّاً وأعلمته بالوضع الذي لم يكن أفضل حالاً عند باقي الفصائل، فأجابني فوراً “أنا متوجّه صوبك” وخلال دقائق قليلة وصل  فشعرت بالارتياح.

تقدمت أنا وبوب الى موقع متقدّم تحت زخّات الرصاص الكثيف وانخفضنا بظل حفّة صخريّة لا تعلو أكثر من 70سم، وأخذنا نخطّط لسحب الجريح جريش والشهيد سمير أسود إضافة الى إمكانية إعادة التمركز للاحتماء من غزارة النيران المباشرة الآتية من كل صوب. وبعد التداول قررنا التقدم نحو تلّة أمامنا اعتقدنا أن الاشتراكي وصل إليها وتمكّن منها ممارسة كل هذا الضغط.

فجأة انبطح بوب حداد أرضاً بعد أن اخترقت رصاصة جسده فدخلت عنقه وخرجت من ظهره، وفوراً تلاشت قوته وأصبح عاجزاً عن الحراك، نزعت عنه جعبته وبندقيته م16 لانشر وناديت الشباب وسحبناه خارج أرض المعركة، عندها توجّه نحوي ريمون رزق لكنه لم يتمكّن من الوصول إليّ لأنه أصيب قبل أن يلقاني بحوالي مئة متر بشظايا هاون 60ملم.

قررت حينها أن أنفذ خطة بوب التي تداولنا بها (أفضل خطة دفاع هي الهجوم).

تقدّمت الحضيرة الثانية تحت غطاء نيراننا نحو التلّة أمامنا وقبل الوصول إليها أصيب نسيب سرحال في يده، كما أصيب أيضاً بول خازن.

أمرت المجموعة بالتراجع الى مواقعها، تمكّن نسيب من العودة دون إسعاف أما بول فعجز عن ذلك وكان والرصاص يحيط به وكنا نبحث عن طريقة لسحبه دون تعريض الشباب للقتل. عندها طلبت من بشارة عضيمي وكان متعافياً وجريئاً أن يتقدم بمفرده ويحمل بول ويسحبه من أرض المعركة. وهنا رأينا مشهداً قلّما يحصل معنا في المعارك. ركض بشارة نحو بول مسرعاً وحمله على كتفه وعاد به و إذ بالرصاص يصيب بول مرة ثانية وهو محمول فوقع أرضاً، ليعود بشارة ويحمله وينقله الى مكان آمن.

قررت إعادة التمركز، في حين كان  بيتر ينزف ولم نتمكن من الوصول إليه، سمير أسود قتل وهو في أرض المعركة، بوب مصاب، وريمون رزق وبول خازن ونسيب سرحال نقلوا الى المستشفى.

باشرنا إعادة التمركز، بعض المواقع باتت مكشوفةً فقررت إخلاءها والتمركز في أمكنة أخرى. سحبنا الفصيلة تحت وابل من الرصاص أصيب خلالها العاقوري في يده، وبقيت أنا وسعيد داغر. وبينما كان سعيد يطلق رشقات النيران ليغطّي تحرّكي، انطلقت مسرعاً باتّجاه الفصيلة، وإذ برصاصة تخرق رجلي اليمنى وتوقعني أرضاً، وانهمر علي الرصاص من كل حدب وصوب فأصبت مرة ثانية في يدي اليسرى، ركض نحوي سعيد وسحبني وتمكّنا من النجاة.

كانت الإصابة في رجلي تنزف نزفاً شديداً فحملني الرفاق نحو الطريق واستقلّينا سيارة مدنية توجّهت بي نحو مستشفى سان شارل الحازمية. في الطوارئ أجريت لي الاسعافات الأولية ثم نقلت الى الغرفة حيث كان هناك بوب حداد ممدّداً في السرير وهو يعاني من شلل نصفي، تأثرت جداً بحالته، وشعرت أن كل جروحي البليغة ليست شيئاً تجاه ما حصل مع من كنت أحب وأحترم وأقدّر.

بعد ساعتين صعد الى الغرفة نفسها بول خازن بعد أن أجرى عمليّتين جراحيّتين.

سألنا عن أحوال المعركة، فأفادونا بأن فصيلة بعقليني تمكّنت من الوصول الى بيتر وسمير لكن بيتر كان قد فارق الحياة وتمّت السيطرة مجدّداً على هذا المحور الذي شهد أشرس معركة خضتها في حياتي وذلك في 29 حزيران 1982 عيد مار بطرس وبولس.

 

 

 * لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل