#adsense

… والوجه الآخر للعرب

حجم الخط

حين حمل المقال السابق عنوان “الوجه الآخر للنووي” عن الأثمان غير المنظورة التي ستدفعها إيران من نظامها ونفوذها الإقليمي، لم تكن “عاصفة الحزم” التي تقودها السعوديّة في اليمن قد بدأت، بل لم يكن هناك ما يوحي بهذه العمليّة العسكريّة النوعيّة والجريئة.

فمنطق التاريخ والجغرافيا لا يُخطىء، وما تقوم به الرياض عبر قيادتها تحالفاً عربيّاً إسلاميّاً، بموافقة دوليّة ولو اضطراريّة، هو سلوك حتمي تُمليه مصالح السيادة والأمن والسياسة والهويّة والمصير، بعدما “بلغ السيلُ الزُبى” و “نفد الصبر” و”طفح الكيل”، كما في الأمثال العربيّة المعروفة.

بَدءاً من 26 آذار 2015، يُمكن تأريخ مرحلة عربيّة جديدة، أو رسم ملامح الوجه العربي الجديد.

ويُصادف الارتسام الواضح لهذا الوجه الملفّ النووي نفسه، وكأنّ التوقيع الموعود على هذا الملفّ يشكّل نقطة الارتكاز لليقظة العربيّة، تماماً كما يشكّل نقطة التحوّل أو الانتكاس في المسار “الاستكباري الإيراني”.

فبمقدار ما يختبىء من أثمان ستدفعها إيران، يظهر ما يشي بوعي عربي أو نهضة عربيّة: وجهان لعملة واحدة في ملفّ واحد. إيران تتعثّر في اليمن والعراق وسوريّا، والعرب يتقدّمون في حسم قرارهم واستعادة وحدتهم.

ونموذج هذه الثنائيّة هو الآن في اليمن، عبر اختبار قوّة لا يمكن أن يكون مآله إلاّ لأهل الأرض والحقّ التاريخي على امتداد الجزيرة العربيّة.

وقد كان لبنان نموذجاً أوّل، ولو لم يحظَ بعمليّة نوعيّة تُنقذه كما هو حاصل الآن في اليمن. ففي استعادة بسيطة لما حصل في 7 أيّار 2008 وكانون الثاني 2011 (إنقلاب القمصان)، نجد أنّ التمدّد الإيراني عبر “حزب الله” لم يحقّق آنذاك أهدافه الكاملة، فبقيت أرض بيروت والجبل لأهلهما، وفرضت الإرادة السلميّة اللبنانيّة نفسها في مجالات عدّة ليس أقلّها الحكومة والحوار وارتباك المتورّطين في حروب الخارج.

كلّ المؤشّرات العربيّة تدلّ إلى حالة صعود، مقابل بلوغ حالة الصلف الإيراني والهيمنة بالقوّة العسكريّة والتباهي الإمبراطوري باكتساح أربع عواصم عربيّة حائط الحرَج.

قاسم سليماني فقد وهجه على أعتاب تكريت واستنجد بالطيران الأميركي، المعارضة السوريّة تقدّمت في درعا وبصرى الشام وإدلب ولو سعى النظام إلى تغطية سموات هذه الانتكاسات بقبوات جرود فليطا والقلمون، “حزب الله” يُعيد بالتأكيد حساباته بعد التطوّر اليمني والعراقي والسوري ولو رفع حسن نصرالله سبّابته في خطابه الجديد لرفع معنويّات “الممانعين”، وتابع فنّ الهروب إلى الأمام.

أمّا التجربة اليمنيّة المتّجهة بوضوح إلى تحجيم الانفلاش الايراني الحوثي وتقليم أظافر الاستباحة الفارسيّة في أرض العرب، فستكون مثالاً له نماذجه اللاحقة في أكثر من ساحة عربيّة ضربتها الفتنة الإيرانيّة.

ولعلّ أهمّ عبرة تقدّمها عمليّة التحالف الإقليمي في الأرض اليمنيّة هي نجاح العرب في تكوين مفهوم جديد وناجح لمحاربة الارهاب: وجوب تزامن ضرب جناحَيْه المتطرّفَيْن لدى الشيعة والسنّة. فلا فرق عمليّاً في خطورتهما وتكاملهما الواقعي الموضوعي، سواء كانت التسميات “داعش” أو “أنصار الله” أو “حرس ثوري” أو فيلق قدس” أو “حشد شعبي” أو “حزب الله” أو “بشّار الأسد”..

وهذه العبرة هي الآن برسم التحالف العربي الدولي الأكبر، وتحديداً الولايات المتّحدة الأميركيّة، فلا تتورّط في مساندة ميليشيات مذهبيّة و”حرس ثوري” في تكريت، وتُنعش آمال الأسد عبر الإيحاء بالتحاور معه، لأنّ المنطق يفرض وضع الإرهاب في سلّة واحدة، وهذا ما تفعله السعوديّة والإمارات مثلاً في محاربة “داعش” و”أنصار الله” في الوقت نفسه.

ولا يعني “الوجه العربي الآخر” فرض حالة صفاء مذهبي في العالم العربي، بل إنقاذ الأقليّات العربيّة من الاستخدام الإيراني، وإعادة حبك النسيج العربي في إطار التنوّع والحريّات.

والواضح أنّ “عاصفة الحسم” لا تتّجه إلى استئصال الحوثيّين كحالة عربيّة أصيلة في اليمن، بل إلى فكّ ارتباطهم بالمشروع الإيراني المدمّر، تماماً كما يجب أن يحصل مع شيعة العراق ولبنان وعلويّي سوريّا والمسيحيّين وسائر الأقليّات.

المطلوب تخليصها من وهم “تحالف الأقليّات” التي زرعته سياسة “الوليّ الفقيه”، سواء كان إيرانيّاً أو إسرائيليّاً، في المنطقة، واستعادتها إلى كنف العيش المشترك الخلاّق، والضروري لتطوير المجتمعات العربيّة.

وهنا تكمن حقيقة الوجه الآخر للعرب، في يقظتهم المباركة، بعد سُبات طويل.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل