الملك سلمان رفض تدخّل «قوى إقليمية» والسيسي أكد أن «العاصفة» لوقف التمدّد الإيراني «اللامحدود»
قمّة «الحزم»: العرب يستعيدون المبادرة
طوى العرب أمس، مرحلة من التردّد لازمتهم لعقود واستعادوا المبادرة، عاقدين العزم على دعم «عاصفة الحزم»، وعلى تشكيل قوّة عربية عسكرية مشتركة ستعلنها قمّتهم السادسة والعشرون من شرم الشيخ اليوم، في خطوة غير مسبوقة عكست صحوة عربية في وجه خطرَين: الإرهاب وتمدّد إيران وتدخّلها «في الشأن العربي الداخلي».
هذه القمّة «التاريخية»، كما أجمع المشاركون في المؤتمر على وصفها، والتي أعطت بارقة أمل للشعوب العربية في استعادة الدور المفقود، انعقدت بين حدثَين مفصليين في المنطقة: «عاصفة الحزم» التي أطلقتها المملكة العربية السعودية بدعم عربي وإسلامي ودولي من دون إبلاغ أحد قبل انطلاقها، بما في ذلك الولايات المتحدة الأميركية، بحسب تأكيد وزير عربي عائد من واشنطن لـ»المستقبل»، وبين اتفاق نووي محتمل بين الدول الست الكبرى وإيران يفترض ألا تغيب عن لمساته الأخيرة تداعيات «العاصفة» التي أعادت فرض التوازن في المنطقة.
وإذا كانت كلمات الملوك والرؤساء والقادة العرب ركّزت في جلسة القمّة الافتتاحية أمس على «تدخّل قوى اقليمية في الشأن العربي الداخلي«، كما قال خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، أو على «حق» مجلس التعاون الخليجي في «الدفاع عن أمنه القومي» كما قال أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الصباح، فإنّ رئيس القمّة عبدالفتاح السيسي الذي قال أمام المؤتمر ان المنطقة تواجه «تهديداً وجودياً»، أبلغ رؤساء الوفود إلى القمة أثناء استقبالهم على أرض المطار، كما كشف أحدهم لـ»المستقبل»، أنّ عاصفة الحزم جاءت «لتضع حداً للتمدّد الإيراني اللامحدود في المنطقة، وأنها عملية تخضع لمنطق محدودية استعمال القوّة». وأضاف ان العرب باتوا أمام تحديين لم يعد في امكانهم التساهل معهما وهما «الإرهاب والانفلاش الإيراني في المنطقة».
وأكدت مصادر وزارية عربية شاركت في الجلسة المغلقة للقمة لـ»المستقبل»، انّ جميع رؤساء الوفود أكدوا دعمهم لعاصفة الحزم وهو ما سيُبرزه البيان الختامي للقمّة اليوم، وأنّ رئيسَي الوفدين العراقي والجزائري تجنّبا تأييد أو التحفّظ على الأمر. فيما برز في كواليس الجلسة انزعاج سعودي ومصري من موقف «النأي بالنفس» تجاه هذا الموضوع الذي عبّر عنه وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل في اجتماع وزراء الخارجية، قبل أن يتم توضيح الأمر من قِبَل الوفد اللبناني الذي دعا المنزعجين إلى انتظار كلمة رئيس الحكومة تمام سلام والتي عكست بالفعل، مساء، موقفاً واضحاً ومنسجماً مع الإجماع العربي.
ويُنتظر أن يؤكد القادة العرب في بيانهم الختامي اليوم دعمهم الكامل لعاصفة الحزم مع دعوتهم إلى الحوار بين الأطراف اليمنية في الرياض التي أكد الملك سلمان أنّ «أبوابها مفتوحة» لهذا الحوار. كما سيقرّ القادة العرب في البيان الختامي تشكيل قوّة عربية مشتركة بعدما تمّت مناقشة هذا البند في الجلسة المغلقة أمس، وأثيرت ملاحظات من بعض رؤساء الوفود من نوع الاستفهام عن آليات عمل هذه القوّة، وتأكيد الرئيس السيسي أنّ هذه الآليات يمكن تحديدها وتوضيحها خلال فترة ثلاثة شهور.
وبينما أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي لـ»المستقبل» ان قمّة شرم الشيخ ستقرّ اليوم بندَي دعم «عاصفة الحزم» وإنشاء قوّة عربية مشتركة، علمت «المستقبل» أنّ النقاش الذي دار خلال انعقاد الجلسة المغلقة خلص إلى الاتفاق على أن تكون المشاركة في القوّة المشتركة اختيارياً بالنسبة للدول العربية الراغبة في هذه المشاركة، كما جرى التوافق على أن يتم تدخّل القوّة العربية بناءً على طلب الدولة المعنية بهذا الموضوع.
ولم يغب الهمّ السوري عن أعمال القمّة التي سُجّل على هامشها لقاء لافت بين الرئيس المصري وأمير قطر الشيخ تميم بن حمد آل ثاني بحيث حظيت الأزمة السورية بحيّز واسع من الكلمات التي ألقاها القادة ولا سيما منهم أمير قطر الذي أكد ان نظام الأسد ليس جزءاً من أي حل للأزمة، داعياً إلى علاقة «حسن جوار مع إيران تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخّل في شؤونها الداخلية». فيما وصف الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون الأزمة السورية بأنها «أسوأ أزمة إنسانية في العالم».
وبرزت كلمة العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز، الذي قال «إن الواقع المؤلم الذي تعيشه عدد من بلداننا العربية، من إرهاب وصراعات داخلية وسفك للدماء، هو نتيجة حتمية للتحالف بين الإرهاب والطائفية، الذي تقوده قوى إقليمية أدت تدخلاتها السافرة في منطقتنا العربية إلى زعزعة الأمن والاستقرار في بعض دولنا، ففي اليمن الشقيق أدى التدخل الخارجي إلى تمكين الميليشيات الحوثية، وهي فئة محدودة؛ من الانقلاب على السلطة الشرعية، واحتلال العاصمة صنعاء، وتعطيل استكمال تنفيذ المبادرة الخليجية التي تهدف للحفاظ على أمن اليمن ووحدته واستقراره»، مشدداً على أنه لا دور لمن تلطخت يدهم بالدم في إيجاد حل للأزمة السورية، والذي يجب أن يستند إلى مخرجات مؤتمر «جنيف 1«.
ودعا رئيس الدورة السابقة، أمير الكويت، الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، إلى ضرورة التنفيذ الفوري للمبادرة الخليجية وآلياتها التنفيذية والالتزام بنتائج الحوار الوطني الكامل، مؤكداً «أهمية استجابة كافة الأطياف إلى الدعوة التي رحب بها خادم الحرمين الشرفين لعقد مؤتمر خاص تحت مظلة دول الخليج العربي لصون اليمن وتجنيبه مخاطر الانزلاق في حرب أهلية يكون الخاسر الأكبر فيها الشعب اليمني وأمن واستقرار دولنا ومنطقتنا«.
وشدد رئيس الدورة الحالية، الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، على أن الأمة العربية تواجه تحديات كبيرة، معتبراً أن الأوضاع في اليمن هي الـ»أكثر إلحاحاً وأشد تجسيداً للمدى الذي بلغته تلك التحديات، حيث وصلت إلى حد النيل من أمننا المشترك وليس المساس به فحسب«.
وتحدث الرئيس اليمني، عبد ربه منصور هادي، عن تطورات الأوضاع في بلاده منذ بدء الحوار بين القوى السياسية المختلفة في آذار 2013 حتى التوصل إلى توافقٍ على مخرجات مؤتمر الحوار الوطني الشامل في كانون الثاني 2014.
وحذر الرئيس الفلسطيني محمود عباس، من أن «القدس الشرقية تعيش ربع الساعة الأخير قبل أن يكتمل مخطط تهويدها»، مناشداً الدول العربية بتكثيف العمل من أجل حماية القدس، ومشيراً إلى أن «قضية القدس هي قضية الأمة بأجمعها وليس أهل فلسطين وحدهم». وأعلن تأييده الكامل لعملية «عاصفة الحزم»، للحفاظ على وحدة اليمن.
وبعد الجلسة الافتتاحية العلنية، عقدت جلسة مغلقة ناقش فيها القادة العرب جدول أعمال القمة ومشاريع القرارات المرفوعة إليهم من جانب وزراء الخارجية، ثم تلتها جلسة علنية ثالثة برئاسة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي.
سلام: الخطر حدا بالمملكة إلى قيادة التحالف للحؤول دون تفاقمه ولتثبيت الشرعية في اليمن
أكد رئيس الحكومة اللبنانية تمام سلام «أن لبنان، وانطلاقاً من حرصه على دعم الشرعية الدستورية في اليمن، وعلى الإجماع العربي ووحدة جميع البلدان العربية واستقرارها، يعلن تأييده أي موقفٍ عربيٍ يحفظ سيادة اليمن ووحدة أراضيه وتماسك نسيجه الاجتماعي». وقال في كلمة له في الجلسة الافتتاحية للدورة 26 للقمة العربية في شرم الشيخ: «يسرنا أن ينعقد هذا اللقاء العربي الشامل اليوم على أرض مصر، التي تخوض تحدياتٍ صعبةً، من أجل إكمال متطلبات التحول الديموقراطي الذي أراده الشعب المصري، ورفع مستوى الاقتصاد الوطني، وجبه الأخطار الأمنية التي تتعرض لها البلاد على أيدي قوى التطرف والظلام». وتوجه «بتحية تقديرٍ إلى الرئيس عبد الفتاح السيسي، الذي يتولى دفة القيادة في واحدةٍ من أدق المراحل في تاريخ مصر»، متمنياً له «التوفيق في المهمات الجليلة التي يتولاها باقتدارٍ وحكمة، معتمداً على إرادة الشعب المصري وتصميمه، وعلى كبارٍ من العرب حسموا خيارهم بالوقوف إلى جانب مصر، ومساعدتها على تخطي عثرات المرحلة الانتقالية، التي أعقبت ثورة 25 يناير (كانون الثاني)».
اضاف: «بمقدار ما يشرفني أن أجلس خلف علم بلادي لأخاطبكم باسم لبنان وشعبه، يحزنني ألا أكون هنا بمعية رئيس الجمهورية اللبنانية، الذي مازال مقعده شاغراً منذ قرابة عشرة أشهرٍ، بسبب خلافات القوى السياسية»، لافتا إلى أن «التأخير المتمادي في انتخاب رئيسٍ، أدى إلى تعثر عمل مؤسساتنا السياسية، وانعكس سلباً على دورتنا الاقتصادية. ونحن نتطلع إلى نجاح الحوار القائم بين الأطراف السياسية، الذي أشاع أجواء إيجابيةً في البلاد، في خلق المناخ المؤاتي لإنجاز هذا الاستحقاق الدستوري البالغ الأهمية، ليكون في مقعد لبنان في القمة العربية المقبلة رئيس الجمهورية اللبنانية، رأس دولتنا ورمز وحدة وطننا».
وتابع: «يترافق مؤتمرنا هذا مع أحداثٍ بالغة الأهمية يشهدها اليمن الشقيق، حيث أدت الصراعات السياسية، مدفوعةً بتدخلاتٍ خارجية، إلى نشوء حالةٍ من الفوضى الأمنية والسياسية، باتت تهدد ليس فقط وحدة اليمن كوطن والدولة اليمنية ككيانٍ سياسي، بل باتت تشكل خطراً فعلياً على الأمن في هذه المنطقة العربية الاستراتيجية»، مشيرا إلى أن «هذا الواقع حدا بالمملكة العربية السعودية، تلبيةً لنداء الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي، إلى قيادة تحالفٍ عسكري عربي وإسلامي للحؤول دون تفاقم هذا الخطر، ولتثبيت الشرعية وإعادة الأوضاع إلى طبيعتها».
وإذ أكد «إيماننا بأهمية اعتماد الحلول السياسية للأزمات الداخلية بعيداً من أي تدخل خارجي في شؤون الدول العربية»، أمل أن «يعود الأمن سريعاً إلى ربوع اليمن حفظاً لأرواح أشقائنا اليمنيين وصوناً لمقدرات بلدهم، تمهيداً لاستئناف الحوار في إطار عمليةٍ سياسيةٍ تستوعب الخلافات، وترمم العلاقات بين مختلف الأطراف، وتضع خريطة طريق للمستقبل»، مؤكداً «حرصنا الدائم على المصلحة العربية العليا وتضامننا مع أشقائنا العرب في كل قضاياهم المحقة»، وداعيا إلى «تحييد لبنان عن كل الصراعات الإقليمية التي قد تنعكس سلباً على الوضع اللبناني».
ورأى سلام أن «ما يحصل في اليمن هو واحدٌ من المشاهد التي تدمي القلب، الجارية في أرجاء مختلفةٍ من عالمنا العربي، ففي سورية حربٌ بلا أفق تقضي على ثروات البلاد البشرية والمادية، وفي العراق مواجهاتٌ ضارية مع الإرهاب ومصادمات تهدد وحدة المجتمع العراقي، وفي ليبيا اقتتالٌ عبثي تغذيه الأنانيات والمصالح والأطماع».
أضاف: «لكن أخطر ما أنتجته هذه الأحداث، هو ضرب مقومات العيش المشترك بين أبناء البلد الواحد، وتحويل التعدد القومي والديني والمذهبي والثقافي، الذي هو مصدر غنىً للأوطان، إلى هوياتٍ متقاتلة تتمترس خلف أسوارٍ من الخوف المتبادل». ولفت إلى أن «هذا الواقع الأليم، الذي تغذيه مصالح وطموحاتٌ خارجية، بات يشكل تهديداً حقيقياً لتماسك المجتمعات ووحدة الكيانات»، مؤكداً أن «السبيل لكبح هذا المسار الخطير، هو وقف دوامة العنف في مناطق الأزمات والتوجه نحو تسويات داخلية، تغلب المصالح الوطنية على أي مصالح فئوية ودخيلة، وتلبي طموحات الشعوب في العيش بحريةٍ وكرامة، في فضاء إقليمي تحترم فيه الخصوصيات وتلتزم قواعد حسن الجوار وعدم التدخل في شؤون الدول الأخرى».
تدخلات خارجية متمادية
ورأى سلام أن «حالة عدم الاستقرار التي تعصف بمنطقتنا العربية أدت إلى بروز وتضخم ظاهرة الإرهاب، الذي يزرع العنف في بلداننا باسم الإسلام، والإسلام منه براء» . وقال: «لقد تسلل هذا الإرهاب الأسود إلى منطقتنا من ثقوب الجهل، من وعيٍ زائفٍ للدين… وجاءنا من غرف التآمر ومعامل توليد الفتن، فعمم الفوضى وسمح بتدخلاتٍ خارجيةٍ متمادية في العديد من الدول العربية».أضاف: «إننا مدعوون، نحن الذين نتشارك الماضي والحاضر والهوية، ونتشاطر الهم ونتلقى الأذى، إلى إقامة سد دفاعي أمني وسياسي وفكري في وجه هذه الحالة الشاذة. وهذا يتطلب قراراتٍ حاسمةً تجند لها كل الإمكانات، ويستدعي استنفار كل القوى التنويرية في مجتمعاتنا. ومن هذا المنطلق، فإننا نساند أي خطوةٍ تتخذها قمتنا في هذا الاتجاه، ونؤكد تأييدنا إنشاء قوة عربية مشتركة لمكافحة الإرهاب وصون الأمن القومي العربي».
ولفت إلى أن «لبنان عانى، ولا يزال، من الإرهاب العابر للحدود. ولقد دفعنا ثمناً بشرياً ومادياً باهظاً قبل أن نتمكن من وضع حد لهذه الموجة بفضل قرارنا السياسي الحاسم الذي التف حوله اللبنانيون، وبفضل صلابة ويقظة جيشنا وقواتنا الأمنية». وقال: «لا بد لي في هذا المجال من أن أتوجه، باسم اللبنانيين جميعاً، بالشكر والعرفان إلى المملكة العربية السعودية التي قدمت هبةً ماليةً غير مسبوقةٍ لتسليح قوانا المسلحة. ونحن نؤكد أن لبنان لن ينسى هذه الوقفة الأخوية الصادقة التي سبقتها وقفاتٌ كثيرة محفورة في ذاكرتنا الوطنية».
وإذ أشار إلى أن «العامل الأساس في تمكيننا من التصدي للموجة الإرهابية، هو المجتمع اللبناني الذي لفظ الإرهاب وأثبت بالملموس أنه لا يشكل بيئةً حاضنةً له»، قال: «لا مكان في بلادنا وفي صفوف شعبنا لهؤلاء الظلاميين. نحن في لبنان متشبثون بنموذج العيش المشترك بين أبناء الطوائف المختلفة، الذي يتسع للحوار والتسامح وقبول الآخر، ونعتبره تجربةً مضيئة مناقضة لنموذج التطرف والإقصاء والإلغاء الذي تقدمه لنا منظمات الإرهاب، ولنموذج الصلف والعنصرية الذي تمثله إسرائيل».
وأكد أن «حكومتنا التزمت، ولا تزال، مبدأ النأي بالنفس عن الحريق السوري المستعر في جوارنا. وسعينا، ولا نزال، لكي يكون الالتزام بهذا المبدأ كاملاً، بحيث نجنب بلادنا تبعات هذه المأساة التي تعصف بسورية الشقيقة، والتي نرى أن لا خلاص لها إلا بحل سياسي يتوافق عليه السوريون». وقال: «لقد لفحنا الحريق السوري بقوة، وألقى في حضن لبنان أكثر من مليون ونصف مليون نازح سوري، مع ما يعنيه ذلك من تبعات وأعباء على كل المستويات، في بلد يعيش وضعاً اقتصادياً صعباً، ويعاني أساساً من ضعفٍ في بناه التحتية»، مشيراً إلى أن «الحكومة اللبنانية سوف تتقدم بخطة مفصلة لحاجات لبنان، في القمة الثالثة للدول المانحة للنازحين السوريين، التي ستتكرم الكويت مشكورةً باستضافتها بعد يومين. ونأمل أن تلقى هذه الخطة كل اهتمام ودعمٍ من جانبكم».
وتطرق إلى القضية الفلسطينية ورأى أن «كل الجهود الديبلوماسية التي بذلت على مدى سنوات، أخفقت في فرض حل عادل لها. وها هو المجتمع الإسرائيلي يكشف، كما بينت نتائج الانتخابات الأخيرة، عن تجذر مشاعر التطرف والعنصرية في داخله، ويبلغ العالم أنه لا يريد التفاوض مع الفلسطينيين ولا الاتفاق معهم، وأن سياسات الاستيطان وتغيير الديموغرافيا مستمرةٌ، وأن الاحتلال الإسرائيلي للأرض الفلسطينية باقٍ إلى الأبد». واعتبر إن «الرد العربي، وعلى رغم كل الهموم والانشغالات، يجب أن يكون واضحاً لإسرائيل وللعالم، وهو أن الشعب الفلسطيني ليس متروكاً»، داعياً «الفلسطينيين إلى تزخيم خطوات المصالحة، ووضع خطة موحدة للتعاطي مع المرحلة المقبلة. ونعلن وقوفنا إلى جانب السلطة الفلسطينية، في أي مساعٍ تبذلها في المحافل الدولية لتوسيع الاعتراف بدولة فلسطين».
وأكد انه «على رغم كل المآسي المحيطة بنا. وكل الضيم والوجع والأسى نقول: العيش في الظلام ليس قدر العرب. والعجز ليس سمةً موروثةً فيهم. هذه الغمة المديدة ستنقشع، وسنخرج مما نحن فيه من ضيق، بوعينا لذاتنا وبإدراكنا مكامن قوتنا وبإيماننا بما في هذه الأمة من قدرات». وقال: «نعم نحن قادرون. وعلينا أن نثبت ذلك لكي نتمكن من النظر في عيون أطفالنا ونقول لهم: لن تكونوا على قارعة العصر… نحن العرب، لنا تحت شمس هذا العالم، مكانٌ ثابتٌ وراسخٌ وفسيح».
وكان في استقبال سلام لدى وصوله الى شرم الشيخ رئيس وزراء مصر ابراهيم محلب، ورئيس الجامعة العربية نبيل العربي، وفي صالون الشرف استقبله الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، في حضور محلب والعربي، وعقد مع السيسي خلوة قصيرة.
والتقى سلام على هامش القمة العربية، كلاً من أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، والرئيس العراقي فؤاد المعصوم، وكان عرض للأوضاع والتطورات. ثم التقى الرئيس الفلسطيني محمود عباس، في حضور الوزراء: نهاد المشنوق، جبران باسيل وسجعان قزي. كما التقى وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل. وشارك في مأدبة الغداء التي أقامها الرئيس المصري على شرف الرؤساء والملوك العرب المشاركين في القمة العربية.
موسى:تصريحات إيران تتطلّب وقفة عربيّة
الى ذلك، رأى أمين عام جامعة الدول العربية السابق عمرو موسى، أن «للأحداث التي تجري في اليمن تأثيراً مباشراً في لبنان»، معتبراً أن «ما يجري في اليمن يهدّد المنطقة ككلّ، وبالتالي يستحق التدخل العربي لوقف تمدّده الى بقية الدول العربية». وأشار في حديث لـ «صوت لبنان»، الى أن «الرسالة وصلت، ومصر لن تقف مكتوفة اليدين إزاء ما يحصل في اليمن»، لافتاً الى أن «هناك سياسات تجتاح الاستقرار في اليمن وتهدف الى إشعال نار حرب أهلية هناك، وهذا الوضع لا يهدد فقط السعودية بل مختلف الدول العربية»، مضيفاً: «يجب أن نرتقي الى مستوى المسؤولية، ووقف هذا التدهور الخطير في اليمن».
وأكد أننا «فوجئنا بالتصريحات الإيرانية عن أن بغداد عاصمة غير عربية، ما يهدّد طبيعة العراق ودوره، وهو أمر مهين للعرب ويتطلّب وقفة عربية»، مشيراً الى أنه «بات لدى الكثيرين شعور بضرورة تعديل نظام العرب وتشكيل قوة عسكرية، وعلى الدول العربية أن تقف كلّها وقفة واحدة»، وقال: «تأخرنا كعرب في التدخل، ولكن أن تجيء متأخراً أفضل من ألا تأتي».
عاصفة انتقادات في لبنان ردًا على نصر الله لكن الحوار بين «حزب الله» و«المستقبل» مستمر
أثارت المواقف الأخيرة التي أطلقها أمين عام «حزب الله» حسن نصر الله التي هاجم فيها المملكة العربية السعودية ودول الخليج على خلفية المستجدات اليمنية، استياء عارما في صفوف الوسطيين وقوى 14 آذار، التي وضعتها بإطار «الغضب والإحباط والتوتر». إلا أن عودة السجال بين طرفي «حزب الله» وتيار المستقبل، لم تنسف الحوار القائم بينهما، وهو ما أصر على تأكيده نصر الله، وكذلك رئيس الحكومة الأسبق سعد الحريري. الحريري رد على الكلمة التي ألقاها نصر الله، مساء يوم الجمعة، مشيرا إلى أن «اللبنانيين استمعوا لعاصفة من الكراهيات ضد المملكة العربية السعودية ودول الخليج ردا على (عاصفة الحزم) ضد التغلغل الإيراني في اليمن»، مضيفا أن «عاصفة الكراهية لا تستحق سوى الإهمال، لأنها وليدة الغضب والإحباط والتوتر».
ورأى الحريري في بيان أن «الإصرار على وضع مصالح إيران فوق مصلحة لبنان، أمر قائم منذ سنوات. لن نعترف بجدواه ولن يدفعنا اليوم إلى مجاراته بردود متسرعة»، وأشار إلى أن «العلاقة مع السعودية ودول الخليج، كانت وستبقى أكبر من أن تهزها الإساءات والحملات المغرضة». وكذلك ذكر الحريري بأن «السعودية قدمت للبنان والدول العربية الخير والسلام والدعم الأخوي الصادق، وسواها قدم ويقدم مشاريع متطورة للحروب والنزاعات والهيمنة»، إلا أنه أكد الاستمرار بالحوار بين تيار «المستقبل» و«حزب الله»، قائلا: «لأن مصلحة بلدنا تعلو فوق كل اعتبار، فإننا نؤكد على ضرورة مواصلة الحوار لحماية لبنان».
ومن جهة ثانية، قال النائب نعمة طعمة، عضو اللقاء الديمقراطي الذي يرأسه النائب وليد جنبلاط، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إن ما تقوم به المملكة العربية السعودية من خلال «عاصفة الحزم» لا يطاول دولة أو طائفة أو مذهبا، وهو ليس اعتداء على دولة اليمن الشقيق، وإنما أتى من أجل استقرار أمن اليمن والمملكة ودول مجلس التعاون الخليجي والأمة العربية جمعاء. وجراء هذه العملية، فإن السعودية صانت كرامة العرب أمام هذا التوسع الممنهج من قبل إيران؛ إذ إن المملكة لا تضمر أي ضغينة لأي دولة ولشعوبها، وسمتها الاعتدال والتسامح والسلام، إنما بلغ السيل الزبى جراء هذا الانقلاب على الاتفاقات اليمنية، ناهيك عن التمدد من العراق إلى سوريا.
وأعرب طعمة عن «تقدير وامتنان كل العرب لقيادة المملكة العربية السعودية لهذا التحالف الواسع بعد القرار التاريخي لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وهو قرار حكيم ورأي سديد، مثمنا دور القوات السعودية المسلحة والقوى الخليجية والعربية المشاركة في هذا التحالف». ولفت إلى أن لبنان، وفي هذا الظرف بالذات، لا يمكنه إلا أن يكون إلى جانب المملكة التي كانت ولا تزال إلى جانبه في السراء والضراء ومدت له يد العون في كل المحن والحروب التي مر بها، وبالأمس القريب، كانت المكرمة السعودية السخية للجيش اللبناني، مدينا كل الحملات التي تطاول المملكة لأحقاد سياسية وعقائدية في آن، إلا أن اللبنانيين يبادلون السعودية الوفاء وعرفان الجميل، متوقعا أن تسفر عملية «عاصفة الحزم» عن نتائج كبيرة ستغير الواقع السياسي والعسكري الذي كان سائدا قبل هذه العملية، قائلا: يمكنني القول إن ما بعد هذه العملية ليس كما قبلها.
وشن محمد كبارة، النائب في كتلة تيار المستقبل البرلمانية، هجوما عنيفا على نصر الله، متوجها إليه بالقول: «نحن لا نصدق كلامك يا سيد حسن، ولكن، بالله عليك، أتصدق أنت ما قلته؟ أما المملكة العربية السعودية، فما قلته عنها يا سيد حسن لا قيمة له ولا يستحق ردا ولا تعليقا، إذ بدا واضحا أنه أولى نتائج الحزم مع من لا يفقه الحكمة القائلة: (احذروا غضب الحليم)». وأضاف كبارة في بيان: «معك حق يا سيد حسن، إيران لم تضطهد الشعب العراقي، بل قتلته يا سيد حسن. وإيران لم تضطهد الشعب السوري، بل قتلته يا سيد حسن. إيران، يا سيد حسن، لم تضطهد الشعب اللبناني بل قتلته وأنت معها في بيروت وعبرا وطرابلس والبقاع وعرسال وفي كل مكان. إيران لا تحتل لبنان ولا سوريا ولا العراق، بل اللبنانيون والسوريون والعراقيون يحبون إيران ويحترمون إيران، بحسب زعمك. بربك، هل تصدق كلامك هذا يا سيد حسن؟»
أما رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي فلاحظ أنه على الرغم من الانقسامات الحادة في المواقف بين الأفرقاء اللبنانيين والتصعيد الكلامي، فإن هناك «حرصا» لدى نصر الله بداية والحريري ثانيا على «ضرورة استمرار الحوار الذي لا يجب في أي حال من الأحوال أن يتوقف بما يبعد عن لبنان المخاطر المحدقة والداهمة التي تلف المنطقة برمتها».