
على قاعدة “نكون او لا نكون”، واجه القادة العرب المخاطر السياسية والأمنية التي تواجه عالمهم العربي، من اليمن أولا الذي تجاوزت أزمته الخطوط الحمر، الى سوريا والعراق وليبيا وفلسطين. فكانت قمة شرم الشيخ العادية من حيث المبدأ، استثنائية من حيث توقيت انعقادها غداة اطلاق السعودية عملية “عاصفة الحزم”، ومن حيث مقرراتها التي عكست قراراً عربياً موحدا بالمواجهة على قاعدة الفعل وليس رد الفعل، بما جعلها تستحق ان تسمى قمة يقظة عربية، وإن لم تكتمل فصولها بعد، بما ان قراراتها تبقى رهن القدرة على المتابعة والتنفيذ.
لا يكفي ان يقر الزعماء العرب دعم اليمن ضمن إطار عملية ” عاصفة الحزم”، او التوافق على قوة عربية للتدخل حيث تحتاج أي دولة، بل المهم ان ينجح هؤلاء في تحويل الحبر عن الورق الى آليات وإجراءات تعزز التضامن العربي في وجه التحديات الوجودية التي يتعرض لها العالم العربي أمام المد الإيراني، الذي بلغ عقر الدار العربية.
هذا المشهد، عكسه البيان الختامي للقمة و”إعلان شرم الشيخ” الذي حضّ على مواجهة الارهاب وضرورة تعزيز التضامن العربي والعمل العربي المشترك. لكن القرار المتعلق بإنشاء القوة العربية عكس نوعاً من التردد حيال إمكان دخوله سريعا حيز التنفيذ بما يترك المجال واسعاً أمام دول التحالف المشترك في ” عاصفة الحزم” لتنجز مهمتها قبل أن تبصر القوة العربية النور. ذلك ان آلية تشكيل القوة يستغرق بحسب القرار، نحو ٥ أشهر على اقل تقدير، شهر لتشكيل اللجان من رؤساء أركان جيوش الدول الراغبة في المشاركة في هذه القوة، و٤ أشهر لإنجاز العملية.
لكن أبرز ما يمكن استخلاصه من نتائج القمة، نقاشاً ولقاءات ثنائية وتبادل رسائل، وبياناً ختامياً، أنها كانت قمة تثبيت المواقع والمواقف سعودياً، وعراقياً وفلسطينيا، وقطرياً ومصرياً، فيما غاب الشأن اللبناني بشكل كامل لولا تثبيت رئيس الحكومة تمام سلام موقف لبنان الرسمي من الهم العربي بشكل عام واليمني والسوري بشكل خاص لما لهما من ارتباط مباشر او غير مباشر مع الأزمة اللبنانية.
سعودياً، أعطى حضور الملك سلمان ثقلاً كبيرا للقمة ونجح في انتزاع الغطاء العربي بالكامل لتحركه الأخير ضد الحوثيين. كما ان وزير الخارجية السعودي رد مباشرة على رسالة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عندما نبه روسيا الى انه لا يمكن التأسف على أحداث المنطقة، وكأن لا يد لها فيها، او بالنسبة الى الحديث عن حل سلمي في سوريا، فيما تعمد الى مد النظام بالسلاح.
عراقيا، أكد الرئيس العراقي أن الكلمة له وليس لتنظيم ” داعش” الذي يحتل جزءا واسعا من العراق.
قطرياً، لم يفت أمير قطر أن يجهر بتأييد بلاده لجماعة “الإخوان المسلمين”، رغم المصالحة التي جمعته مع الرئيس المصري، وما يمكن ان يثيره مثل هذا الموقف من حساسية مصرية.
أما مصرياً، فإن السيسي نجح في إعادة الزخم والموقع التاريخي لبلاده على خريطة القرار العربي.
لبنانيا، وعلى رغم غياب لبنان عن المشهد العربي، وعدم وجود رئيس للجمهورية، فقد استمد حضوره الفاعل من موقف الرئيس تمام سلام في القمة، والذي قطع فيه الطريق على الالتباس الذي آثاره موقف وزير الخارجية في الاجتماع الوزاري التمهيدي.
فسلام نجح في تفسير التمايز بين تحييد لبنان عن الصراعات الاقليمية ولا سيما ما يتعلق باليمن، اما سياسة النأي بالنفس فتنطبق حصراً على الملف السوري.
وقد ترك موقف سلام ارتياحا وترحيبا في الوسط الخليجي الذي كان أبدى امتعاضه من مسألة النأي بالنفس.
وكان لافتاً ان هذا الامتعاض اقتصر على موقف وزير الخارجية اللبناني، فيما لم يعر القادة العرب كلام الأمين العام لـ”حزب الله” السيد نصرالله ضد السعودية وفي الموضوع اليمني أي اهتمام.
وعزت مصادر في الوفد اللبناني الرسمي هذا الامر الى ان هاجس القادة العرب في مكان آخر، وتحديدا عند المدّ الايراني.
ورأت المصادر ان كلام نصرالله قد وفّر فرصة لرئيس الحكومة لإخراج موقف لبناني واضح لا لبس فيه، في حين ان لبنان لم يكن في وارد تبني مثل هذا الوضوح في الموقف لولا النبرة العالية لنصرالله.
ولكن هل الوضوح اللبناني في شرم الشيخ يمكن ان يكبّد الحكومة ورئيسها تحديدا تبعة مثل هذا الموقف، مما يعطل العمل الحكومي مجدداً؟
لا يجد سلام ما يبرر ردة الفعل هذه. فلبنان الرسمي تعامل في رأيه، مع الموضوع اليمني، بما ينسجم مع الإجماع العربي في الدرجة الأولى، ومع المملكة العربية السعودية التي لم تقصر يوما في احتضان لبنان ومساعدته، ولا بد للبنان ان يكون موجودا وداعما للمملكة عندما يتطلب الامر ذلك. ويرى في معرض تقويمه للقمة ونتائجها ومشاركة لبنان فيها، أنها ساهمت في بث الروح في الجسم العربي، حضوراً ودوراً في مواجهة الاخطار المحدقة.
ورداً على أسئلة ” النهار”، رأى سلام في “تزامن القمة مع التطور اليمني منفعة لأنه أعطاها خصوصية ورمزية معينة، إذ استنفر القادة العرب من اجل التصدي لأزماتهم”. وإذ وصفها بالمميزة والاستثنائية، عزا ذلك الى ان حصولها تزامن مع انفتاح عربي – عربي وتقارب مصري – خليجي.
لكنه لم يخف الحاجة القصوى لـ”جهد كبير لاستكمال ما شهدته القمة من تضامن وتصدٍ للأزمات والأخطار المحيطة، ولا سيما في شأن القوة العربية المطلوب تأليفها والتي تتطلب الكثير من التشاور والتنسيق لتحديد آليات عملها ومهماتها”.
لم يفت سلام التنويه بنجاح الرئيس المصري في إدارة أعمال القمة، مستعيدا الدور القيادي لمصر.
أما في الشأن اللبناني، فلا يخفي سلام انزعاجه من عدم وجود رئيس للجمهورية، مشيرا الى انه “لم يقصر في إثارة ملف لبنان خلال لقاءاته الجانبية كما في كلمته الرئيسية في القمة”. ولكنه لا يغفل القول بأن “لبنان لم يكن حاضرا على الطاولة او في القرارات الرسمية بإستثناء النص الأساسي الذي تبنته الجامعة العربية وورد في البيان السابق للقمة لجهة العناوين العريضة المتعلقة بإبداء الدعم والتضامن واحترام سياسة النأي في الشأن السوري”.
لم يلمس سلام تركيزاً على مسألة الاستحقاق الرئاسي “إلا من باب الحرص العربي على استقرار لبنان واحتمال عقد مؤسساته الدستورية”. وقال: “لم نلمس رغبة عند أحد في التدخل، باعتبار ان هذا شأن داخلي ومتروك للبنانيين”.
أما عن تأثير كلام نصرالله وردود الفعل العربية عليه، فقال سلام: “لم نُسأل عن هذا الموضوع ولم يتم التطرق اليه”.