على عكسِ ما يَراهُ كُثُـرٌ، فإن الحملةَ العسكرية التي شنَّتْها مجموعةٌ من الدولِ العربية بقيادةِ المملكةِ العربيةِ السعودية تحتَ إسمِ “عاصفةِ الحزم” لم تكنْ مُفاجِئَة، ولم تولدْ بين ليلةٍ وضُحاها. وإنما هي كانت مُتوَقَّعة للأسبابِ المُوجِبَةِ الاتية:
أولاً: التورُّط الإيرانيُّ المكشوف في الحربِ السورية انتصاراً لحُكم “الأسد” وإمعاناً في قهرِ الشعبِ السوريّ، وتدخلُ إيران في الشؤونِ العراقيَّة نصرةً للشيعة، وتدخلُها في لبنانَ عبرَ “حزبِ الله” وفي اليَمَن عبرَ الحوثيّين سعياً لفرضِ واقعٍ أمنيٍّ سياسيّ يخدمُ مصالحَها، هي تصرفاتٌ جعلتِ الشعوبَ العربية تحسُّ بالغبنِ وتستشعرُ الخطرَ الفارسيَّ الآتي.
ثانياً: تمادي إيران في تحدِّي مشاعرِ العرب، عبرَ تصريحاتِ أكثرَ من مسؤولٍ أمنيّ ومستشارٍ رئاسيّ أنَّ إيران باتت تسيطرُ على العراق وسوريا ولبنان واليمن، وأنَّ نُفوذَها باتَ يمتدُّ من خليجِ العرب حتى البحرِ الأبيض المتوسط غرباً والبحرِ الأحمر جنوباً. مما أجَّجَ مشاعرَ الخوفِ والارتيابِ العربيَّين من الحُلُمِ التوسعيِّ الفارسيّ في المنطقة وعلى حسابِ شعوبِها.
ثالثاً: عدمُ قدرةِ مصر ولا الدول العربية البترولية ولا الملاحة الدولية تحمُّلُ وصولِ ميليشياتِ الحوثيّينَ التي تُحركُها مصالحُ إيران الى “بابِ المندَب” في اليَمَن والسيطرةِ على ممرٍّ بحريٍّ يتحكَّمُ بسبعةٍ في المئة من حركةِ الملاحةِ الدولية ويُمسِكُ بحركةِ السفن في البحرِ الأحمر التي تشكِّلُ شرياناً اقتصادياً رئيسياً للاقتصادِ المصريّ.
رابعاً: ترافَقَ ذلكَ كلُّهُ مع مُتغَـيِّرٍ أساسيّ في تركيبةِ السلطة في العالم العربي مع وصولِ زعيمَين جديدَين الى رأسِ الهرم في الدولتَين المؤثِّرتَين عربياً، سلمان بن عبد العزيز ملكاً على السعودية العاصمة المالية والدينية للعالمِ العربيّ، وعبد الفتاح السيسي رئيساً على مصر العاصمة العسكرية والسياسية للعالم العربي.
وفي المحصِّلة لا بد من القول إن “عاصفة الحزم”، أياً كانت دوافعُها ومسبباتُها، تشكِّلُ دخولاً سياسياً ميموناً للعالم العربيّ الى رحاب القرن الحادي والعشرين، كما تُعلنُ موقفاً واضحاً من التحديات الكبرى التي تواجه العالم العربي راهناً ومستقبلاً، على ألا تكون حازمة في الأمور العسكرية وحسب بل تتعداها الى النواحي السياسية والاقتصادية والعلمية وغيرها.