.jpg)
جمهوريّة عام 1825 بأعيانها، عسكرها وعلمها، جارة الوادي، عاصمة الكثلكة، اكبر بلدة مسيحيّة في الشرق وحديثا مهد الطوباوي بشارة ابو مراد، مدينة الادب والشعر من المعالفة مرورا بحليم دمّوس وموسى نمّور وصولا لسعيد عقل، عاصمة الخمر من كركة العرق البيتي المنتشرة في احيائها الى نبيذ الاباء اليسوعيين، عروس البقاع ومركز المحافظة.
انها زحلة … او زحل بالاراميةّ ومنها اعلن الجنرال غورو عام 1920 ضمّ الاقضية الاربعة الى متصرفيّة جبل لبنان: القرار الذي مهّد لقيام دولة لبنان الكبير… وقد شاء القدر قيام جمهوريّة البشير والـ10452 كم2 من خلال معركة زحلة 1981. ليست صدفة ان تتعمّد المدينة في ذاك الظرف بالنار، وليس اولّ موسم يتحتّم عليها ان تعتصر ابنائها مع دواليها …
اعتادت زحلة ان تظلمها الجغرافيا لتصنع هي التاريخ، هي التي احتضنت كافة الهجرات المسيحيّة من تركيا العراق وسوريا على مرّ الاجيال لكافة المضطهدين من ارمن، سريان، اشوريين وكلدان كونها مرتع للحريّة كما وموجات نزوح داخلي من رأس بعلبك وبعلبك، بلدات الجبل وغيرها لتصبح فسيفساء قلّ نظيرها، وهي التي احرقت مرّات ومرّات ضريبة لرفضها الخضوع للمحتلّ.
لنعود الى ذلك العام، بدأ المخاض بمعركة الميلاد وتتابع باعمال خطف وبطش وتنكيل حتىّ الانفجار الكبير في 2 نيسان، اذ لم يزهر سهل زحلة اقحواناً ولم تمتلئ تلالها بالبيلسان.
في ذلك الربيع تكللّت المدينة بتيجان الغار، وهذه المرّة استطاعت قافلة يوسف بك كرم الوصول لنجدة زحلة بعد مسير شاق ومثلج، انهم مقاتلي المقاومة اللبنانيّة، لبّوا النداء من كلّ حدب وصوب، وبعد ان حوصرت المدينة وقبل ان تقطع خطوط الامداد نهائياً عنها، نفّذوا وصيّة البشير: الابطال يموتون ولا يستسلمون… فبقيوا لتنظيم المعركة وتوجيه الـ500 مقاتل زحلي مدعومين بمرابض مدفعية “القوات اللبنانية” المنتشرة في جبل صنين في مواجهة الجيش السوري الجرار من الاف عناصر المشاة ووحدات القوات الخاصة واللواء المدرّع.
قرعت الاجراس، واقيمت الصلوات والقداديس في كافة انحاء الوطن، على طريق القصر الجمهوري اعتصم الرهبان والراهبات، امّا البابا فقد استعرض الازمة مع الرئيس الاميركي كارتر لوقف النار وايقاف المجزرة.
سياسيّا استطاعت فاعليات المدينة والمطارنة نقل الاحداث بافضل وجه، فما كان من البشير الاّ ان حولّ معركة زحلة الى ازمة صواريخ سام ومواجهة سوريّة – اسرائيليّة ومن خلفها تشنّج سوفياتي- اميركي.
في ذاك العام دام الحصار ستة اشهر، ثلاثة منها معارك طاحنة وقصف وقنص وتدمير انتهت بدحر المحتلّ وانهزامه على ابوابها تاركاً عشرات الدبابات المعطوبة وخسائر بشريّة بالمئات… هكذا قاومت زحلة ورفضت ان تكون داموراً ثانية، وان غاب قسم من قرميدها وان تقدمّ خيرة شبابها قربانا على مذبح الكرامة وان عانت ونزفت واحترقت اوليست الجروح في تاريخنا قوّة دفع ومدعاة فخر وبطولة؟
في ذلك الربيع صمدت زحلة وقلبت المعادلة وغيّرت الحسابات ومنها انتقلت “القوّات اللبنانيّة” الى مستوى جديد في مقاومة الاحتلال فارضة نفسها على الساحة الاقليميّة فغدت زحلة جسر عبور بشير لقصر بعبدا.
انتهت الازمة باستلام القوى الشرعية اللبنانيّة للسلطة في المدينة، وبقيت زحلة دار السلام… في ذلك الزمان انتصر رهان لبنان الكيان على الاحتلال والتذويب، فهل يشهد زمننا هذا انتصار لبنان الدولة على الدويلات والمحاور؟