#adsense

كلمة كرم في حفل توقيع “كتاب سمير جعجع حياة وتحديات”

حجم الخط

كلمة عضو كتلة “القوات” النائب فادي كرم في حفل توقيع كتاب “سمير جعجع حياة وتحديات” في ابو ظبي:

في الوقتِ الذي تمرّْ بهِ المنطقةْ العربيةْ بحَقَبةٍ صعبةْ، فوضويةْ، عنيفةْ وتشرذُميّةْ، وفي الوقتِ الذي تتصارَعْ فيه مشاريعَ إقليميةٍ، على الأرضِ العربيةِ وبالأجسادِ العربيةْ، فتزهَقْ الدماءْ الذكيةْ، وتُدمَّر وتُمحى الحضاراتِ القديمةِ والجديدةْ، وفي الوقتِ الذي تَصُبُّ فيهِ الأنظمةَ القمعيّةَ زُيوتَ مُؤامَراتِها ومُخطّطاتِها، على نارِ الحقدِ والجريمةْ، المدعومةَ بالغرائزيّةِ والتّطرُّفِ، والناتجةَ عنِ الظلمِ والإستبدادْ. في خضَمِ هذا الواقعَ الأليمَ والمُدمّرْ، والفاقِدَ لِكُلِّ القيمِ الإنسانيةْ، وللواقعيّةْ وللمسؤوليّةْ، يترتّبْ علينا كَلُبنانيينَ أن نعِيَ مَسؤوليّاتِنا التّاريخيّةْ، ليسَ فقطْ أمامَ مَصالحَنا ووجودَنا ومستقبلَنا، بلْ أيضاً أمام قضايا الشعوب العربية وهواجسها. القمعيّةَ ليستْ إلاّ سبباً للتّطرفِ، والإرهابْ ليسَ إلاّ حجةً للقمعيةْ.

حضراتِ السّادةْ، أيّها الحفلُ الكريمْ، منذُ نشأتْ لبنانْ “الدولة” الديمقراطيةْ ذاتَ السيادةْ، إتّفقتِ الطوائفَ المُكوّنةَ لهذا الوطنِ على أزليّتِهِ وعلى صيغتِهِ التّعدديّةِ وعلى ثقافتِهِ التّعايشيّةْ، فنشأَ وطنَ الأرزِ فريداً مِن نوعِه، مُميّزاً بإيجابيّتِه، غنيّاً بتنوّعِه، قويّاً بوجودِهْ. هذا الواقعْ، أزعجَ أعداءَ هذا الوطن وما زال يزعجهم، فثقافتهِم الإلغائيّةْ، ضدَّ صيغتِه التّنوعيّةْ. فالتقَتْ مَساعي المُعادينَ والمتضرّرينَ من الوجود اللبنانيّ، لإستغلالِ التّناقضاتِ في التّركيبةِ اللبنانيةْ، لتحويلِ وطنَ الأرزْ، ساحةً للمواجهاتِ وللرسائلِ المتبادَلةْ. في ذلك الوقتْ، أُعتُقِد أنَّ لبنانَ هُوَ الحلقةَ الأضعفَ في المنطقةِ، فلمْ يكُنْ يُدرِكْ المنظّرينَ، أنَّ هذا البلدَ الصغيرَ بمَساحتِه، وهذا الشعبَ الصغيرَ بعددِهِ، يملُكْ ليسَ فقطْ تاريخاً وإرثاً كبيراً، بل أيضاً مناعةً، ستُبعدْه لاحقاً، عندَ سقوطَ الأنظمةَ القمعيّةَ الكرتونيّةَ، عنِ الإنفجاراتِ الإقليميةْ، وستحميهِ صيغتَهُ التّعايشيّةْ من آثارِ أحداثِ المنطقةْ. فتبيّنَ أنَّ التّركيبةَ اللبنانيةَ المليئةَ بالتّبايُناتِ والتّناقضاتْ، حَمَتْ الحريّاتْ فيهِ، فأصبحَ ملجأً للهاربينَ منْ بطشِ المجرمينَ والمرتزقةَ البعيدينَ كُلَّ البُعدِ عنِ المفاهيم الإنسانية.

وتبيّنَ أنَّ الأنظمةَ النّقيضة للبنانْ كانتْ تُدرِكْ خُطورةَ هذا الوطن عليها، بسببِ إنفتاحِهِ وصيغتِه، فتجربتهُ الإنسانيةَ التّعايشيّةَ الرائدةْ، بوجهِ تجربتِهم الظالمةْ، أثبتَتْ أنّها هيَ الأسلمْ والأقوى وليسَ حديدهِم ونارهِم وأجهزتِهِم القمعيّةَ المخيفةْ.

إنّ هذه المِيَزْ التي تمتَّعَ بِها لبنانْ شكّلتْ خطّ دفاعٍ عنهُ، ولكنْ هذا الخطّ يبقى مُعرَّضْ للسقوطْ إن لمْ يُحسِنْ اللبنانيينَ الإستفادةَ من هذه الميزةَ، والحفاظْ عليها، وأكثرْ ما يفقدْ اللبنانيينَ هذه الميزةْ، هوَ سياسةَ الدخولِ بالمحاورْ والمواجهاتْ والحروبْ، والمشاريعَ التمدّديةَ والتّسلطيّةْ. إنَّ مناعةَ وطنَ الأرزِ، ستتأكّدْ منْ خلالِ البعدِ الوطنيِ وليسَ الطائفيّْ، وإنَّ السلامَ في لبنانْ سيستمرّ منْ خلالِ الإنتماءِ للهويةِ اللبنانيةِ وليسَ الهويةَ الدينيةَ أو المذهبيةْ، وأيُّ خطأٍ في هذا المجالْ، سيُعرّضْ لبنانْ للإنفجارْ،تماماً كما تفجّرتْ الكثيرَ من الأوطانْ العربيةْ، فنُصبحْ مُجدّداً سلعةً بيدِ المشاريعِ الإقليميةِ المتصارعةِ والمتهادنةِ والمتجالسةِ على طاولاتِ مفاوضاتٍ “نوويّةْ كانتْ أوْ مُحاصصاتيّةْ”.

لا مِنعةً لِلُبنانْ، أكثرَ مِن حِفاظِ اللبنانيينَ على السيادةِ الوطنيةْ، فهيَ الثابتةَ التي لا يجبْ أنْ نفرِّطْ بِها،  فسيادةَ الوطنِ، أَساسَ وُجودِهِ، وأحدَ أركانَ هذه السيادةِ، حِمايةَ الحدودْ، والوحيدَ المخوّلَ لحمايةِ الحدودْ، هوَ الجيشْ الوطنيْ اللبنانيْ.

إنَّ إحترامَنا لحرّياتِنا ولسيادتِنا، يفرِض علينا إحترامَ سياداتِ الآخرينْ، مِن دُولٍ مجاورةٍ، لا يحقّْ لنا الدخولَ إليها للمشاركةِ في صراعاتِها، والدولَ التي نعيشُ بها، ونرتزِقُ منْ خيراتِها ونقدّمُ لها خُبُراتِنا وعلمِنا.

حضراتِ السادةْ، إكتسبَ اللبنانيْ يوماً إحترامَ سلطاتَ وشعوبَ دولَ العالمِ أجمعْ، فكانتْ سِمَةَ الدخولِ مُشرَّعةً لهُ لكلِّ بلدانِ العالمِ الحرّْ، فجوازَ السفرِ اللبنانيَ كانَ مِنْ أكثرَ الجوازاتِ إحتراماً في العالم، ولكنّنا خسرْنا هذا الواقعْ، بِفعلِ مُغامراتِ البعضِ منَ الأفرقاءِ اللبنانيينْ، وبسببِ تدخّلِ هذا البعضَ في السياساتِ الداخليةِ لبعضِ البلدانِ الصديقةْ، وتجاوُزِهم سياداتَ هذه الدولْ.

حضراتِ السادةْ، إنَّ العودةَ للواقعِ الحقيقيِ والسليمْ، يستدعي منّا إحترامَ الأصولِ وإحترامَ قوانينَ الدولِ التي نعيشُ فيها، فلا شيءَ أفضلَ من علاقاتِ الصداقةِ مع كافة الدولْ. إنّ أساسَ وجودَ لبنانْ، إحترامَ الشرعيّتينِ الدوليةَ والعربيةْ، فلبنانيّتَنا تستدعي ذلك، ولبنانيّتِنا هيَ أولويّتَنا، ولا مصلحةً للبنانيينَ إلاّ في ” لبنان أوّلاً وأخيراً ” .

ومنْ هُنا، فإنّني أنقُل لكم تحيّةَ رئيسَ حزبِ القواتِ اللبنانيةِ الدكتور سمير جعجع كما أُوجّه التّحيّة لِدولةَ الإماراتِ العربيةِ الصديقةِ ولصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، وصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة ورئس مجلس الوزراء،وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد إمارة أبو ظبي، ولسلطاتِها الكريمةْ، شاكرينَ لهمْ حُسنَ ضيافتِهم لكافّةَ اللبنانيينَ المقيمينَ على أراضيها، ومقدّرينَ ما قدّمتْهُ دولةَ الإماراتِ للبنانيينَ مِنْ ملاذٍّ آمنٍ ومنزلٍ مريحٍ وإقامةٍ مفيدةْ، ومجالاً للخبرةِ والتّطوّرْ.

حضراتِ السادةْ، أيّها الحفل الكريم، للبنانيينَ في الصراعاتِ القائمةِ في المنطقةْ، دورٌ، وللبنانَ كدولةٍ، في هذا الزمنَ الإجراميّْ، مهمّةٌ، يجب أن نعودَ لإرثِنا ،فنكونَ جسراً وطريقاً لخروجِ شعوبَ المنطقةِ ودُوَلِها من الكوارثْ، ولقيادتِها نحوَ الإزدهارِ والسلامْ.

على لبنانَ أنْ يعودَ لِأخذِ دورهِ القياديّْ والرياديّْ، فكما حقّقَ سابقاً النهضةَ العربيةَ الأولى، يستطيعْ الآنْ أنْ يحقّقَ النّهضةَ العربيةَ الثانيةْ، فبمقدارِ تمسّكِ اللبنانيينَ بحريّتهِم، وبوطنيّتهِم ورسالتهِم الإنسانيةْ، بمقدارِ ما يستطيعونَ مساعدةَ إخوانِهمِ العربْ، بالتّخلّصِ منَ القمعيّاتْ، وهجرَ العنفِ والتّطرّفِ، والذهابَ إلى التّحرّرِ والمدنيةِ والحضارةْ.

وبمقدارِ ما يحافظْ اللبنانيونَ على ديمقراطيّتهمْ المترافقةَ بالقيمِ، كي لا تتحوّلَ الديمقراطيةَ إلى سلطةٍ تعسّفيةٍ وتسلّطٍ للأكبرِ على الأصغرْ، بمقدارِ ما نستطيعْ أن ننشرَ هذه الديمقراطيةَ في الجوارْ.

حضراتِ السادةْ، إنّ الديمقراطيةَ منحى تدرّجيّْ مُضادّ للمنحى التّدرجيّْ لأنظمةِ الرأيِ الواحدْ، فعلى المدى الطويلْ لا بقاءَ للبنانَ إلاّ بضمانِ الديمقراطيةِ والحريّاتْ ولذلك فإنّنا نقاوم ونواجه كلّ من يريد تغيير ثقافة لبنان. ” الديمقراطيةَ هي الحلّْ، فالإستبدادِ ممهّدْ للإنقسامِ، وصانِعٍللتجزئةْ، وللحروبِ الأهليةِ وللفتنِ.

إنَّ التّعاونَ بين الأحرار، لِنشرِ ثقافةَ الإحترامِ للآخرْ، والإعترافَ بالآخرْ، والإبتعادَ عنِ المفاهيمَ الإلغائيةَ هيَ الضمانةَ للشعوبِ العربيةِ ولسلامِها. فإنِّ هذه الشعوبَ تزخرُ بالأحرارِ والمفكّرينَ والمثقّفينَ والمؤمنينَ، بسياسةِ المحبةِ والإصلاحِ والتّفاهمْ. إنّها السياسةَ الوحيدةَ التي تحمينا من أن نصبحَ ذخيرةً للمشاريعِ الغريبةِ . وأفضلَ أُسُسَ سياسة الإعترافَ بالآخرْ وبالحرياتْ، هوَ الحوارْ. فالحوارْ ، ليسَ مسألةً بسيطةً، كَما يتراءى للبعضِ، أو كما يتمنّاه البعضْ، ” حِوارَ المُحاصصةِ “، فالحوارِ فلسفةْ، فهوَ مبادلةً ومسؤوليةً وإتّفاقْ، وما يجري الآنَ من حوارات بين الأفرقاء اللّبنانيين ،هوَ “حوارْ”، ذو أُسُسَ وثوابتَ، إنّه حوارْ “سياسيْ”، غيرَ محصورٍ بملفٍ واحدْ، والمنتصرْ بهذا الحوارْ، هوَ المجتمعْ والشعبْ، والخاسِرْ من استمرارِه، هوَ عدوَّ المصلحةِ العامةْ. وقف الحوارات خسارةً للجميعْ، وليسَ لِطرفٍ واحدْ، ولذلكَ فإنّنا نُعطي هذا الحوارَ الجدّيةَ الكاملةَ، والأهميّةَ القُصوى والوقتَ اللاّزمْ. لقدْ أنجزْنا الكثيرَ، فأبعدْنا عن أنفسِنا الأخطارَ الناتجةَ منَ المُصادماتِ والمواجهاتِ على مدى السنواتِ طويلةً، فعسى أنْ نبعدَ الوطنَ من خلالِ هذه الحوارات،عنِ المُواجهاتِ الإقليميةِ والحروبِ المدمّرةِ والمشاريعِ الغريبةِ والقاتلةِ لوطنِنا الحبيبْ. هدفَ القوات اللبنانية منَ الحوار، دعمَ الدولةِ، وتفعيلَ المؤسساتِ، وإعتمادَ العدالةِ وعدمَ الإكتفاءَ فقط بإزالةِ التوتّرْ. هدفَنا، أن يعودَ لبنانَ مِحوراً فاعلاً إيحابيّاً في مجتمعِه، متفاعلاً مع حركةِ الشعوبِ الحرّةْ، وحافظاً للحضاراتِ، لا لِلُبنانَ ذي الإتّجاهَ الواحدْ، المُنغلقْ على نفسهِ، والمرتبطْ بأنظمةْ. نهدف لِلبنانْ، بلدَ التّوازناتِ الإيجابيةْ، وليسَ لبنان الجسرَ” لأحدٍ ضدَّ أحدْ”، ونهدف لحمايةِ تعدُّدِ الثّقافاتِ وللإندماجْ، وليسَ للذّوبانْ. هدف القوات اللبنانية أن يبقى لبنانْ فريداً في تعايُشِه، فما إستطاعَ عليهِ اللبنانيينَ منْ خلالِ هذا التّعايشْ لمْ يستطِعْ أحداً غيرِهمْ عليه، ولذلك أدعو كلّ القوى السياسية في لبنان، كما أضعهم أمام مسؤوليّاتهم التّاريخية أمام الله والوطن والتّاريخ، الإسراع إلى إنتخاب رئيس للجمهورية، بأسرع وقت ممكن.

نعم أيّها السّادة، لبنانْ مُخوّلْ أكثرَ منْ غيرهِ من دولِ العالمْ، بأنْ يكونَ مِثالاً للتّعايشْ، حيثْ لا تشعرْ فيهِ فئةً بالظّلمْ، فَدَعونا لا نُفوِّتْ هذه الميزةَ، ولْنُحافِظْ على لبنانْ، الذي أوجدَه الله، وأعطاهُ هذه الرسالةْ”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل