#adsense

“بيوت القديسين والأبرار الموارنة” لجورج حايك… رحلة في عالم عشّاق الله طفولة وشبابًا

حجم الخط

 

في زمن امتلأ فيه قلب الإنسان بالحسد والكبرياء والمنافسة فضاق إلى حدّ انه لم يبق يتسع للحب، وفي زمن لم يعد يعرف فيه الإنسان كيف يحبّ ولماذا يحبّ، أطلّ علينا الكاتب جورج حايك بكتابه “بيوت القديسين والأبرار الموارنة: طريق إلى السماء”.

لدى قراءة هذا الكتاب تنتابنا حيرة: أنقرأ هذا الكتاب في زمن كهذا وفي ناموس هذه الأرض وشريعتها؟ أم نقرأ كتابًا خُطّ في اللازمنيّة، في سماء صافية، رائعة، جذابة، أمطرت حبًا على ريشة الكاتب وأوراقه. أمام قدسيّة كلماته لا نستطيع إلا أن نعيش حالة حبّ كوني لا محدود. يخرجنا كتابه من محدوديتنا، يرفعنا عن أرض اللاجمال والحب الزائف والمصالح الشخصية الرخيصة العابرة ليطير بنا إلى حيث عاش القديسون والطوباويون والمكرّمون الموارنة في طفولتهم وشبابهم، إلى بيوت جوهرها روحانيّة “اعمل وصلّ”.

ماذا رأى جورج حايك؟

تخطى الزمان ليتدثر بتلك الأماكن جائلًا في القرى وبيوت القديسين: بقاعكفرا- شربل مخلوف، حملايا- رفقا، حردين- نعمة الله كسّاب الحرديني، غزير- يعقوب الكبوشي، اهدن-اسطفان الدويهي، تنورين- أنطونيوس طربيه وحلتا- الياس الحويك…

إنها قرى تنتصب بإباء فوق جبال أو في أودية، كأنها أياد تمتد لتتصافح في ما بينها. إنها ينابيع تتدفق منها الخيرات والبركات السماويّة على أراضي النفوس، فتمرع وتخصب كأنها ملاجئ يلجأ إليها المؤمنون عند كل ضيق، وكلّما رأى المرء ذاته يائسًا أو تعبًا يسارع إلى حماها املًا في راحة النفس والجسد.

جولة حايك إلى تلك الأماكن لم تكن جولة استكشافيّة سياحيّة بل هي رحلة حجّ ايمانيّة، لذلك حمل هذا الكتاب عنوان “بيوت القديسين والأبرار الموارنة: طريق إلى السماء”. والحجّ شكل آخر من أشكال العبادة والتقوى الشعبيّة، فحرص على وضع كلّ ما شاهده بعين الايمان من صور وانطباعات ومعلومات، في متناول القارئ المؤمن أو حتى السيّاح، والهدف إعادة اكتشاف أهميّة القديسين وتراثهم وجذورهم وعلاقاتهم بعائلاتهم وقراهم وبيئاتهم، وما لها من تأثيرات تاريخيّة وروحيّة على حياتهم ونضوجهم واستمراريتهم. فكان من المفيد أن يكشف الكاتب الغطاء عن الممتلكات الثقافيّة والتراثيّة المتعلّقة بهم، لاسيما حيث نشأوا وترعرعوا، وما لها من قيمة حضاريّة.

ومن شأن ذلك، لفت الناس الى العناية الدائمة بتلك البيوت التي رمّمتها المؤسسات الرهبانيّة التي ينتمي اليها بعض القديسين من جهة، وإلى ما لا يزال مهملًا منها من جهة أخرى. وذلك لإظهار معالمها والإعتناء بها وتقويمها كمن يحافظ على تراث الأجداد ليكسب إيمان الأحفاد.

في داخل تلك البيوت المقدّسة وجد جورج حايك السلام والصفاء والتأمل ولحظات الخشوع للصلاة في سكونها، وشعر بالآمان في الكنائس التي تعمّد فيها هؤلاء القديسون والأبرار، وغمرته السكينة في المغاور التي كانوا ينسحبون اليها في طفولتهم ومطلع شبابهم.

انها عمارات طبيعيّة من حجر صخريّ أو رملي، كأنها كتب من الحجر، تقرأ على صفحاتها حركة التاريخ في مدّه وجزره، تحميها حرارة الايمان وقوّة المعتقد وصلابة العقيدة. يكفي انها أماكن ألهمت القديسين، فبات عبير القداسة يضوع في زواياها، وفي كافة أنحاء قراهم وما يحيطها: على ذرى القمم، في تدفق الشلالات، في خير البساتين، في أزهار الحدائق، على انسكاب المنحدرات، فكأن نورًا بهيًّا يسطع منها مباشرة نحو القلوب، وكأن نعمة الله تغمر احجارها والدروب التي مشى عليها رجال الله.

صرخة احتفالية أطلقها حايك بهذه البيوت والقرى وكشف الخفاء عنها بكتاب تعابيره رقيقة، شفافة، واضحة، قبل أن يدخل بعدسته ارجاء البيوت التي تحوّل العديد منها كنائس وأديرة، ليلتقط عشرات الصور المعبّرة.

وكم تعبق تلك البيوت بروحانية القديسين الذي نشأوا فيها، حكايات عن ذويهم وأشقائهم وتفاصيل جديدة عن نمط حياتهم البسيطة… كم نحن بحاجة في عصرنا هذا، للعودة إلى الجذور.

يعيدنا حايك في احتفاليته الكتابيّة من عصر الصليب الذهب إلى صليب السنديان، ومن رسم شارة الصليب بيد الكترونية إلى رسمها بيد روحانيّة، ومن تربيع الجرس على الكهرباء إلى تربيعه بالجهد والتعب.

لا يوضع وهج تحت مكيال، ولا يجوز أن يتحوّل الزهد الأبيض إلى ايماءات راقصة، وأن يصبح التعبد لله رقصة صاخبة. لنستمر على خطى القديسين الموارنة، في بيوتهم وقراهم، طريق إلى السماء، أنه ما أراد قوله جورج حايك.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل