
ندخل أسبوع الألام لتخشع نفوسنا في قدس معاناتك يا ربّنا وإلهنا! ندخل هذا الأسبوع وقد إستذكرنا كل جراحنا وكل مأسينا، وتذكَّرنا كلّ من فقدنا، وكلّ من فُجِعنا بغيابهم عنّا!
ندخل أسبوع ألامك يا ربّنا ويطيبُ لنا أن نضع كل الحروب والنكبات الإنسانية تحت صليبك، ويَلَّذُّ لنا يا فادينا أن نقارن فشلنا بألامك! يَلَذُّ لنا أن نرمي عاطفتنا الهوجاء على خشبِ صليبِكَ! نعم يا ربّ يطيبُ لنا أن نُشوِّه خلاصَكَ!
يحلو لنا أن نرى في أمِّك أمًّا ثكلى مفجوعة متوَّجعة، يلذُّ لنا أن نسمعها تلعن صالبيك! ونفرح إذ نتصوّرك تعاتب من جلدوك! نفرح أيضًا عندما نتخيَّلك تلقي بالملامة على خطايانا وأثامنا، نفرحُ أيضاً وأيضاً متى جعلنا منكَ على صورتنا ومثالنا، متى جعلنا من صليبك حتميّةً أُجبِرتَ على حَملها! نعم نفرحُ متى شاهدناك مكسوراً مُجبَراً على الموت!
نتعزَّى بِكَ خائفاً! نتَبَرَّرُ بِكَ ضعيفاً! ونتصالَحُ مع جبانتنا متى أقنعنا أنفسنا بأنّكَ كنت ترتجف خوفاً على طريق ألامِك وموتِك! وننتصر لضعفنا يا ربّ عندما نتيَقَّن بأنك على درب موتك حُرِمتَ من الحولِ والقوَّة، وبأن سلطان العالم الذي ينتصر علينا قد انتصر عليك!
نتساوى مَعَكَ بالهزيمة! فننتصر!
ننتصِّر فنبكي! إذ أنّ البكاء قد أصبح علامة انتصارنا في هذا الشرق! نبكيك شهيدًا مظلومًا! نبكيك شاباً مغبوناً حُرِم من زهرة شبابه ومن حلاوة الحياة وفرحها ومرحها! نبكي والدتك كمن فَقدَت معيلها وإستمرارية نسلها فإنهَدَّت وعجزت أمام موتك!
ولكن! ولكن لا يزال صوتك على طريق الصليب يلاحقنا يطاردنا ويفضحنا حتى يومنا هذا!
لا تبكوا عليَّ يا أبناء الشرق بل ابكوا على انفسكم!
لنبكيَنَّ على نفوسنا فإن والدته تفضحنا، إن ليلته في بستان الزيتون تفضحنا، إن دخوله أورشليم يفضحنا! إن خيانة يهوذا تفضحنا! إن تشتُّت التلاميذ ونكران بطرس يفضحاننا، محاكمة يسوع تفضحنا! طريق ألامه تفضحنا! وموته يعرّينا، يُجرِّدنا، يصفعنا، ويفضحنا!
والدته المتأمِّلة الواقفة تحت الصليب تَفضحُ أنانيَّتنا التي ترغب بإمتلاك أهلنا وأحبَّتنا، وهي التي قدَّمته إلى العالم! لا عذر لنا!
ليلته في بستان الزيتون تفضح شوقنا إلى تتميم مشيئتنا التي تقود إلى موت لا قيامة بعده، لا عذر لنا!
دخوله أورشليم على جحش ابن أتان يفضح مواكب أساقفتنا وترف كهنتنا ورهباننا وإستهلاكيّة وماديّة سلطاتنا! لا عذر لهم!
غوغاء الجماهير التي صرخت “هوشعنا” ثم هتفت “اصلبه” تفضح تقلُّبَنا وانجرافنا وراء كلّ موجة من موجات الباطل العاطل! لا عذر لنا!
خيانة يهوذا تفضح نفوسنا العطشى إلى المال، الربّ الذي قال لنا ربّنا أن لا نعبده! لا عذر لنا!
تشتُّت التلاميذ ونكران بطرس صخرة كنيستنا يفضحان خوفنا وتوقنا إلى إلهٍ قائدٍ يرفع المسؤوليّة عن أكتافنا، وينتصر لنا على أعدائنا، ويستعبدنا! نعم يستعبدنا فنستريح من همّ الحريّة ومن تبعاتها! لا عذر لنا!
محاكمة يسوع تفضحنا إذ نرى فيه مظلومًا حُكِمَ عليه بالظلم! فنرفع عن أكتافنا همّ محاربة الظلم ونرضخ للوجع ونقنع بالإستسلام أمام البؤس والظلم والألام على أنواعها، وهو القاتل الذي قتل إله الضغينة والبؤس والإستعباد وأنهى جريمته بقتله للموت على خشب الصليب! لا عذر لنا!
طريق ألامه الضيّقة التي سار عليها بإرادةٍ وثبات وبحبٍّ للحياة تفضحُ طرقاتنا الواسعة والملتوية، وتفضح هروبنا الدائم من إعلان الحقّ، تفضح تساعيّاتنا وصلواتنا ونذورنا التي بها نحاولُ عبثًا أن نلغي ألامنا التي تُطهّرنا! طريق ألامه تفضح تمسُّكَنا بالعيش الذليل المهان في ذميَّةِ الخوفِ الأمِنِ! لا عذر لنا!
موتك يا ربّ يُعرّينا من أوراقِ تينٍ أمضينا عمرَنا ننسجها على عارنا! موتك يُجرِّدنا من عروشنا وصروحنا وتيجاننا وصولجانات مجدنا المستعار من ذلِّنا! لا عذر لنا!
موتك يا ربّ يصفعنا نحن الذين نتوَّسل الإنتصار من سيف بطرس، ولا انتصار إلا بصليبك! موتك يصفعنا نحن الذين نرتجي الحقيقة من فم بيلاطس ولا حقيقة سواك مسمَّرًا على صليبٍ من اختيارك! موتك يفضحنا نحن الذين انتصرنا بصليبك فشوَّهنا الإنتصار وجعلنا منه إنكساراً يعطينا شرعية الحزن والندب في عرس الحياة، وفي فرح السماء النازل إلى أرضنا! لا! لا! لا!
لا عذر لنا!