Site icon Lebanese Forces Official Website

سجون وساحات – رنا إدي أبي اللمع: هكذا كنا نهرّب صور الحكيم وأعلام “القوات”

كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1424: 

تخرجت من الجامعة اليسوعية مع شهادة ماجستير في إدارة الأعمال… وناضلت الى جانب زوجها إدي أبي اللمع بالوسائل التي تجيدها.

في هذا الحديث ستكتشف أجهزة عهد الوصاية الأمنية متأخرة كيف كانت “تخلق” صور الحكيم وأعلام “القوات” لترتفع في قداس الشهداء ترافقها الحناجر تصدح لحرية سمير جعجع وتهتف بحياته. ونعرف تفاصيل أخرى عن زمن الإضطهاد والسجن من رنا “الليدي” اللطيفة ذات الوجه الضاحك دائمًا. كانت تقاوم في الساحات على طريقتها، بداية لأنها أحبت إدي… وفي ما بعد لأنها أحبت سمير جعجع الحرّ في عيني ستريدا.

“تعرفت على إدي في أيار العام 1984” تقول رنا، “كان مصابًا في حرب الجبل، كنا عملنا معًا في الأوليفتي ومن ثم التقينا في الجامعة اليسوعية كلية إدارة الأعمال، وبدل أن يكلمني عن نفسه كما كل اثنين يتقربان من بعضهما البعض كان يحدثني عن الدكتور سمير جعجع”!!

 

تضحك كثيرًا، وتكمل “أنا كنت أعرف بشير الجميل، الى أن تعرفت على الحكيم في عيد الميلاد من العام نفسه، كان في القطارة”.

بالنسبة إليه كان الحكيم شابًا استثنائيًا بتفكيره وتضحياته وطريقة تعامله مع الشباب المقاتلين في “القوات اللبنانية”، غريبًا بتواضعه، وكان هذا الأمر يشكل حساسية لإدي لأنه كان ثائرًا على نفسه. فهو من عائلة أبي اللمع وعلى هويته كتب الامير إيدي ابي اللمع، فوجد في سمير جعجع نموذجًا للشاب المتواضع والعميق بفكره واسع الثقافة، القادر على تحقيق الكثير من دون القاب أو عائلة سياسية.

تنقل في مسؤوليات عدة معه الى أن تسلّم مسؤولية المزرعة او التعاونية الزراعية التي كان انشأها الحكيم ليعمل فيها الشباب في الاوقات التي يكونون خارج الخدمة، وكنا نحن طلاب الجامعة اليسوعية نصعد كل عطلة نهاية الاسبوع لنساعد في العمل فيها. إستمر هذا العمل نحو السنتين ونصف السنة، كنا خلالها نصنّع الالبان والاجبان، واشترينا “كونتينر” وركّزناه في الملعب البلدي لنبيع فيه إنتاج التعاونية”.

كان لقاؤها الأول بالحكيم لتهنئته بعيد الميلاد ولدت بعدها علاقة احترام والتزام بقناعات مشتركة وصديق مشترك صار لاحقًا زوجها وأب لأولادها الثلاثة. إبان حرب الالغاء في العام 1990 ما عاد يمكن ان تسكن في بيتها في منطقة المتن التي كان يسيطر عليها العماد ميشال عون فاضطرت أن تنتقل مع إدي الى منطقة أدونيس، “هناك سكنا في بيت فتحه أصحابه لنا وبدأت بالتقرّب فعلًا من شباب “القوات اللبنانية” وأخذت أتلمّس السرّ الذي يجمعهم والمحبة بينهم والتضامن الذي يميّزهم ويقويهم. كانوا يجمعون ما تيسّر معهم مثلا لمساعدة رفيق مريض او محتاج لمبلغ معيّن، وأي منهم لم تكن حاله المادية أفضل لكن كل كان يدفع ما تيسّر معه. تمامًا كفلس الأرملة.

هذا الجو دفعني لأحترم الشباب أكثر فأكثر لكن لم يكن بمقدوري المساعدة بفاعلية لأن أولادي كانوا صغارًا”.

 

حين اعتقل الحكيم خفت على زوجك ونفسك وعائلتك بالتأكيد؟

قبل ان يتوقف الحكيم كنا في زيارة الى غدراس لتهنئته بعيد الفصح، وكان اللقاء الأخير قبل أن يقتادوه الى وزارة الدفاع. عندما اعتقل كان إدي في الجامعة حيث يدرّس، غادر فورًا وتوجّه الى غدراس لكنه لم يتمكن من الوصول بسبب حواجز الجيش التي كانت تمنع أيًا كان من الدخول الى المقرّ، فعاد الى البيت وهمّه الوحيد كان سلامة الحكيم. لم نخف على أنفسنا خفنا عليه وعلى ستريدا.

في اليوم التالي حاول الوصول الى غدراس، أيضًا لم يسمحوا له. الى أن تركوه يصل في اليوم الثالث حيث وجد البيت مقلوبًا رأسًا على عقب، والمكاتب مبعثرة بطريقة مُفجعة. منذ تلك اللحظة قرّر إيدي أنه لن يترك ستريدا وسيقف معها ويدعمها بكل ما أوتي من قدرات. علمًا أن الحكيم كان قد التقى إيدي قبل يومين من توقيفه وطلب منه أمورًا لا أعرفها وأوكله بمهمات في أثناء غيابه علّ توقيفه طال.

بعدها انتقلت ستريدا الى بيت يسوع الملك صرنا نتردد يوميًا الى حيث أرادت أن يكون بيت الحكيم مفتوحًا لكل محبّيه. وأرادت بالتالي أن يكون بيته مقرًّا لاتخاذ القرارات.

في هذه الأثناء كثر تركوا “القوات” وبقي أولئك الذين شكلوا دائرة من الأصدقاء ومحبي الحكيم الذين قررّوا ألا يتركوا زوجته، فباتت هذه الدائرة كعائلة على رأسها أب كبير للجميع رحمه الله الشيخ فريد حبيب الذي كان أبًا لستريدا ولنا جميعًا.

شخصية ستريدا وتصرّفاتها دفعتني لأحب وأقدّر سمير جعجع أكثر فأكثر. كنت أقول في نفسي إذا كانت هذه المرأة متمسكة الى هذا الحد بزوجها ومستعدة ان تضحي الى هذه الدرجة في سبيل حبها له فهذا يعني انه رجل استثنائي بالتأكيد. مواقف ستريدا تلك منحتني أنا شخصيًا القوة أيضًا من دون أن تدرك ذلك ستريدا بالطبع. فأنا أيضًا لم أكن أرى زوجي على مدى 11 عامًا. طيلة تلك السنوات اولاده كانوا يقبّلونه صباحًا وهم خارجون الى المدرسة وهو نائم. وهو بدوره كان يقبلهم نائمين ليلًا لدى عودته من عمله وإجتماعاته ومهماته. لم نكن نراه سوى يوم الأحد إذا حالفنا الحظ.

في هذه الحقبة من حياتنا الصعبة معًا فكرت هل أتركه وآخذ أولادي وأذهب للعيش مع أهلي؟ أو أبقى معه وأفعل مثله؟ فقرّرت أن أفعل مثله لأن ما كان يفعله هو الخيار الصائب في سبيل هدف سام وقضية مقدّسة.

فهذا الشخص الذي يشاطره تطلعاته يمكن أن يسافر ويتنعّم في الخارج بالعزّ والسلطة، أما هو فقال لا وقرّر أن يحترم ذكرى شهداء القضية ويتساوى بشبابه الذين اعتقلوا للضغط عليه ودفعه لاتخاذ قرارات لا تخدم القضية المسيحية والمقاومة اللبنانية. بوجوده في السجن نمت لدي إرادة ورغبة قوية لأكون الى جانب زوجي. في البداية لم يكن يتسنى لي ذلك على الدوام لأن لدينا أطفال ولا يمكنني أن أتركهم طيلة الوقت. أما عندما كبروا فصرت الى جانبه دائمًا وأشهد بأم العين كيف كانوا يطاردوننا لا سيما ستريدا. فاذا كانت ترغب بالخروج لأي أمر تلحق بنا سيارات من المخابرات. حتى صاروا جزءًا من الرفقة فاذا كنا نتعشى كانت ستريدا تطلب من مسؤول المطعم أن يرى ماذا يريدون أو يطلبون الى حين ننتهي نحن”.

تضحك كثيرًا وهي تتذكر… وتتابع: “إعجابي بموقف ستريدا وصلابتها زادا من التزامي وملازمتي لها مع زوجي، تصوّري أنها كانت تمنع نفسها من البكاء او التأثر لأن أي مسحة حزن على وجهها كان يمكن أن يفسّرها الشباب أن الحكيم مريض مثلًا أو أي شيء يحبط من عزيمتهم. كانت قوية دائمًا وتمنعنا حتى نحن حولها أن نبكي ونتأثر، إلا أنني بكيت مرتين، مرة يوم صدر قرار العفو، تلك اللحظة قلت لها لا يمكنك أن تمنعينا، وكانت دموع الفرح! والمرة الثانية كانت لدى خروجه الى المطار واللقاء الشخصي الأول معه بعد 11 عامًا وأكثر.

 

إقتصر دورك إذًا على دعم ستريدا المعنوي أم توليت مهامًا كغيرك من المحازبين والمؤيدين للدكتور جعجع؟

في الفترة التي بدأت “القوات” تنظّم نفسها وتجمع شتات الشباب تسلّم إيدي مسؤولية منطقة بيروت وكانوا يلتقون في المشتل عندنا كي لا تعرف بهم أجهزة المخابرات التي كانت تحظّر عليهم اللقاءات الحزبية والسياسية كنت دائمًا الى جانب إيدي أساعدهم في كل الأمور، كنا مثلًا نطبع الأعلام سرًا لأنهم كانوا يدخلون الى المطابع يداهمونها ليروا إذا كنا نطبع فيها صور الحكيم والأعلام القواتية.

كنا نهرّب صور الحكيم لنرفعها في قداس الشهداء تحت الشتول التي أحضّرها في المشتل عندي لتزيين المذبح، كنا نخفي الصور والأعلام تحت الشتلة او الباقة ونلفها بقماش الجنفيص. وعندما نصل الى مكان الإحتفال في حريصا نخرجها ونوزعها على الشباب الذين كانوا يتعرّضون لشتى أنواع المضايقات على الطريق الى مكان القداس.

مطاردة المخابرات كانت بالنسبة لنا خبزًا يوميًا، إعتدنا عليهم تحت المنزل يراقبون الداخل والخارج ويلاحقونهم في المصعد… مرّة كان إيدي يتولى التنسيق في منطقتي بيروت والمتن فضاع الشباب جاءت دورية من بيروت لتبلغه أن عليه أن يزورهم على ” فنجان قهوة” في مركزهم في بيروت، ومن ثم جاءت دورية من فرع جبل لبنان للغرض نفسه إنما الدعوة الى مركزهم في الزلقا. ضحكت وقلت لهم “سبقوكن فرع بيروت روحوا اتفقوا ورجعوا بلغونا وين لازم نروح هلق ما رح قول شي لإدي!!” وهكذا حصل إستدعوه الى مركز بيروت فأوصلته أنا صباحًا وبقيت إنتظره في السيارة. الى أن أتى أحد العناصر ليطردني وعندما قلت له أنني لن أذهب لأن زوجي في الداخل بدأت قلّة التهذيب تزيد. حينذاك إتصلت بـ ستريدا وأخبرتها فقالت لي ” إصعدي فورًا الى بكركي وأخبري سيدنا البطريرك” وهكذا كان توجهت الى بكركي وأخبرت سيدنا بالتفاصيل. ما كان يشفع بإدي دائمًا أنه أستاذ جامعي ولا يمكنهم أن يتمادوا معه بسهولة كي لا يقال أنهم إعتدوا على دكتور في الجامعة.

حتى أولادنا تشكلت لديهم عقدة من الأجهزة الأمنية فصاروا إذا كانوا عائدين من المدرسة ولمحوا شرطي بلدية تحت المنزل يهرعون الى البيت يسألون عن والدهم مخافة أن يكون قد أوقف. نمّوا هذا الخوف في قلوب ابنائنا الثلاثة فيما نحن نحاول أن نقنعهم بمشروع الدولة والديمقراطية والحرية فيها.

حاليًا ومنذ ترشّح إيدي الى الانتخابات النيابية عن المتن الشمالي وأنا أساعده في الشق الإجتماعي من نشاطه وأساعد في تحضير نشاطات الحزب والحفلات وقداس الشهداء…

ماذا تغيّر في سمير جعجع برأيك طيلة 11 عامًا؟

بات يعبّر عن مشاعره. في السابق لم يكن كذلك. هذا هو التغيير الأساسي الذي لاحظته  شخصيًا، أما باقي الأمور فما زالت هي هي لم يتغيّر بشيء.

تضحك وتضيف: وإلا ما كان سمير جعجع الذي نحبّه ونحترمه الى هذا الحد!!

*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ 4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية. 

Exit mobile version