#adsense

مناضلات القوات – الملازم تامي رحمه: “بعد خروجي من الأسر قال لي الحكيم: تعيشي وتاكلي غيرا”

حجم الخط

فيما يتجاوب القرّاء الكرام مع هذه السلسلة عن “مناضلات القوات” ومقالات أخرى تروي عن زمن الحرب، يتساءل البعض عن الجدوى من فتح تلك الصفحة من جديد، وإذ أعترف بمشروعية الطرح أجد لزاماً عليّ أن أشير إلى أنّ الهدف ليس نكء الجراح بل الإضاءة على تاريخ مشرّف من المقاومة اللبنانية في أثناء حروب فُرِضت عليها، نحن في “القوات اللبنانية” كنّا أول من خرج من منطقها، خرجنا من حرب دفعنا ثمنها غالياً ودخلنا في سلم كانت كلفته علينا أغلى وأظلم، تعرّضنا لحملات تزوير واتُهِمنا جوراً بفظائع الأمور وصمتنا لأننا ضنينون بالوطن والمجتمع، وما زلنا في الصمت، وما نكتبه هو للعبرة وليس للذكرى، فالذاكرة في استراحة من دون نكران، والعبرة هي في التضحيات حرباً وسلماً وسجناً من أجل لبنان.

لم نكن هواة حرب، بل احترفناها لدرجة تفاديها مهما كانت التضحيات الشخصية ما لم تهدّد الكيان، ما لم تمسّ الحريّة…

لكل ذلك أكتب عن تامي رحمه، التي لم تمنعها أنوثتها من خوض تجربة نضال برتبة ملازم في “القوات اللبنانية” لتبقى ونبقى، وتستمرّ اليوم في أمانة سرّ الكشافة ليستمر نضالها، تحتفظ تامي بأخبار ترويها لأولادها اليوم وأحفادها غداً بكل شرف الإنتماء “للقوات اللبنانية” والوفاء للبنان.

 

“إسمي تامي وهيب رحمة كيوان، من بشري، إنتسبت للقوات أواخر العام 1989 دون سابق تصميم، بل فرصة سنحت وتبعتها، لم أكن أفكّر بالموضوع قبل أن أسمع أحدهم يتكلّم عن دورة ضباط جديدة في “القوات” وهي أول دورة مشاة مختلطة حيث كان الغالب إستئثار الشباب بالمهام العسكرية وتتولى الفتيات المهمات الإدارية”.

“في طبعي أميل إلى حبّ المغامرة، فما يُمكن أنّ يكون أجمل وأصفى وأنبل وأطهر وأسمى من مغامرة حمل السلاح دفاعاً عن قضيّة وطن يواجه كل التحديات التي عاشها واجتازها بتضحيات أبنائه، وعلى الرغم من الطابع القواتي للعائلة لم ألمس سوى تشجيع خجول لهذه الخطوة، ولكن ما اختلج في قلبي كان قد تفاعل مع شخصيتي، ولم ألبث إلّا أن وجدتُ نفسي أتقدّم بطلب الإنتساب إلى “معهد بشير الجميل” تدفعني رغبة النجاح في تثبيت أنّ الأنوثة لا تتعارض مع القدرة على إقتحام ميادين كانت تقتصر على الرجال”.

 

“خضعتُ لجميع الإمتحانات الخطّية والطبّية والنفسية والرياضية ونجحت في جميعها، والتحقنا سبع فتيات وسبعة عشر شاباً في معهد غسطا في الدورة التاسعة تحت شعار “تا يضلّ بهالشرق في جراس عم تدقّ”، وتشاركنا في جميع التدريبات والنشاطات معاً باستثناء المنامة حيث كان قد تمّ تجهيز مبنى خاص للفتيات. وهناك تعرفت إلى رفيقي ونشأت بيننا علاقة حبّ تتوجّت بالزواج بعد فترة ورُزِقنا بثلاثة أولاد، عائلة مسيحية ملتزمة وقواتية صافية بامتياز”.

 

“أقسى مرحلة بالتدريب كانت في بداية الدورة تسمّى “مرحلة الجحيم” واستمرّت أربعين يوماً من التدريب المتواصل والمستمر والمكثف، لا زيارات ولا إتصالات، ورغم أنني كنتُ مشاغبة، كنت أستمتع باجتياز التدريب بنجاح، حتى وصلنا إلى تعلّم المسؤولية وأهمية الإنضباط وإتخاذ القرارات لأننا بعد تخرّجنا سوف نكون أمام مسؤولية جبهات ومقاتلين ومجتمع يعتمد علينا لحمايته، حتى العقوبات ساهمت في صقل شخصيتنا”.

“أكثر ما أزعجني هو رؤية خصلات شعري الطويل تهوي أرضاً بعد إجبارنا على قصّ الشعر حتى لم أتمكّن من معرفة رفيقاتي بسبب تشابه رؤوسنا بالشعر القصير، وأكثر ما أفرحني هم الرفاق حيث ما زلنا على إتصال حتى اليوم نلتقي بهم زوجي وأنا ونستعيد ذكريات تلك الأيام بآمالها وآلامها، وكنا نفرح كثيراً بزيارة الحكيم إلى المعهد حيث كان يوليه أهمية كبيرة، ومن ذكريات التدريب كان التمويه، حيث كنا نستعمل الفحم والوحل والزيت المحروق حتى تمويه الأسنان، وأحياناً كنتُ أستعمل الشوكولا بدل الوحل عندما كانت تسنح لي الفرصة، وللأنني كنت مشاغبة تم تعييني ضابط إنضباط في دورة لاحقة كوني ملمّة بجميع المخالفات والعقوبات”.

 

“دون الدخول في التفاصيل العامة التي تنكأ الجراح، أرغب أنّ أروي عن تجربتي الفردية حيث كنتُ قد اعتُقلت أثناء “حرب الإلغاء” عند سقوط موقعنا في القليعات غدراً بعد قرار لوقف إطلاق النار، وأوقفت في المعتقل في وزارة الدفاع مدّة خمسة وعشرين يوماً، تمّ بعدها مبادلتي بثلاثة أسرى بسعي من الحكيم بعدما أجبروني على التوقيع على تعهّد بعدم ممارسة أي عمل حزبي، طبعاً سقط التعهّد لأنّه تمّ تحت الإكراه، وفور وصولي إلى المنطقة القواتية توجّهت على الفور إلى المجلس الحربي حيث تمّ نقلي بواسطة طرّاد إلى جونية ومن هناك وقبل توجهّي إلى المنزل ذهبتُ إلى “الأوبرلي” حيث قابلت الحكيم الذي استقبلني بعبارة “تعيشي وتاكلي غيرا” فضحكت ورويت له ما حدث معي، ثمّ توجهت إلى المنزل لطمأنة أهلي وعدتُ في اليوم التالي لممارسة مهامي”.

 

“قبل حلّ حزب “القوات اللبنانية” إلتحقت بمقر الدكتور جعجع في غدراس وتعرّضت للإعتقال مرّة جديدة بعد حلّ الحزب واعتقال الحكيم وبعد سقوط التهم ومنها التعامل مع إسرائيل لعدم ثبوتها أُطلِق سراحي دون أن تنقطع زيارات الجهاز الأمني لمنزلي لفترة طويلة حيث صادروا كل ما له علاقة بالقوات ومنها صوري باللباس الزيتي، وفي إحدى المرّات أخطأوا بالإسم وسألوني عن طوني رحمة فأجبتهم بأنّه غير موجود ووفّرت على نفسي جولة تحقيق. كان لحلّ الحزب طعم أمرّ من طعم الدماء في فمي أثناء إعتقالي الأول”.

 

“أريد أن أختم لأقول للجيل الجديد عن تجربتي الشخصية، وأختصر بالحديث عن قناعتي آنذاك التي لا تزال راسخة اليوم لدرجة أنّه لو عاد الزمن إلى الوراء لفعلت الشيء نفسه الذي فعلته أواخر الثمانينات ولو كنتُ أعلم أنني سأتعرّض لما تعرّضتُ له لما تردّدت، القضيّة مسؤوليتنا، القوات اللبنانية سبيلنا، لبنان هدفنا”.

إلى الرفيقات اللواتي كانت لهنّ مساهمة في النضال في زمن الحرب ويرغبن في مشاركة التجربة، أرجو مراسلتي على صفحتي على الفيسبوك “Liban Saliba”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل