#adsense

أيها الناصري ماذا تريد بعد منا؟

حجم الخط

يا مسيحنا الغالي، أما وقد قررتَ أن لا تعود إلينا إلا بمجدٍ عظيم، إسمح لنا أن نُناجِيكَ ونُنادِيكَ ونَستصرِخكَ.

ليس عدلاً أن تَترُكَنا على صليبِنا الى يومَ تأتي وتَدِينَ الأحياءَ والأمواتْ.

أنت لساعاتٍ بَقَيتَ على الصليب ونحن على صليبِنا الدَّهري، لا نَجدُ مَنْ يُنزِلنا عنه ولا مَنْ يَلُفّنا بكَفَنٍ ولا مَنْ يَتَبَرَّع بمَدْفَنْ.

محظوظٌ أنت المصلوبُ ووجهُك للعالم وظَهرُك الى الصليب. نحن صليبُنا ليس من خشب، وليس ظَهْرُنا مَسنودًا على شيء. نحن المسيحيين في لبنان، جبلُنا هو صليبُنا. نَنْصَلِبُ عليه وجهاً لوجه الصخر ونُدِيرُ ظَهراً للعالم.

نحن لم نلجأ الى الجبال، نحن جئنا نُعانقُها ونَحفرُ ُبأظفارِنا البساتين، ونكتب بالأصابع كلمات تَذوبُ لها القلوبُ والمَشاعر.

ماذا تريد بعدُ مِنّا أيها الناصري؟ ألف وخمسمئة سنة ونحن صامدون على اسمك. لم نَتَلَوّنْ بالأسماء والأوصاف، لم نُغَيّرْ في العقيدة. غيرُنا، حتى من المسيحيين، نَظَرَ الى مَحاسن من استعبدوه، ونحن مسيحيو هذه الجبال، كلما جاءنا محتلٌ جَلَدْنا أنفُسَنا لهذا الكمِّ من السيئات التي فينا، والتي تَحولُ دون أن نَصرخَ كل يوم وأن نَثورَ كل ساعة وأن نَستشهِدَ كل دقيقة.

بعد ألف وخمسمئة سنة من الصراع مع الذات وضد الذات، وضد من لا يحبنا لأننا لسنا مثله، ألا يحق لنا بعشر سنوات من الراحة والاستقرار والرخاء؟ إمْنَحْنا على الأقل الأيام الثلاثة التي أمضيتَها في القبر قبل أن تُدَحرِجَ الحجر. دعنا نأخذ نفَساً عميقاً، ونَضحَكُ ولا تقولُ عجائزُنا “الله ينجينا من ضحكة هالليلة”. هذا التضرع، هذا الطلب، ليس يأساً وهو حتماً ليس توسلاً!

 فقط نريد أن يَفهَمَ من لا يُحِبنا، أننا نعرفُ كيف نَبتسمُ وكيف نَنامُ بلا إصبع على الزناد.

ليس عدلًا أننا ومنذ ألف وخمسمئة سنة ننامُ بعينٍ مُغضمةٍ وعينٍ مفتوحة.

أنت صُلِبتَ عنّا، ولكن نحن عمّن نُصلَبْ؟ نحن مَنْ نَفتَدي؟ من سيحيا عندما نموت، ما دمنا لا نذوق الميتة الهانئة؟ ومع ذلك لا نتبرّم ولا نشكو. فقط امنحنا استراحة. إمنحنا وقتا مُستَقْطَعاً بين معركتَين ومَجزرتَين واضطهادَين ونُزوحَين واحتلالَين! إمنحنا هناءة العيش لجيل واحد، حتى لا يتوهم كارهونا أنك أوجدتنا هنا عِقاباً وليس رسالة أو لحكمة إلهية.

أيها المصلوب يوم الجمعة والقائم يوم الأحد، أنزلنا عن صليبنا الصخري الى مجاري المياه والمراعي الخصيبة. لفترة من الزمن، اتركنا هناك نصغي الى الهدوء والسكينة.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل