معركة زغرتا وسقوط لواء اليرموك

خاضت المقاومة اللبنانية على مختلف فئاتها معركة الدفاع عن الشرف والارض وسجّلت البطولات، وحققت النصر رغم التفاوت العددي والامكانيات اللوجستية والخبرة العسكرية، فشجاعة الابطال وايمانهم العميق المستمد من اسلافهم المقاومين كان حافزًا لهم للنصر.

كان السوريون كعادتهم يفاوضون وتزامنًا يشنون عمليات عسكرية على المناطق اللبنانية الحرة لتركيعها. وهكذا فيما كان وفد سوري يجول على القيادات اللبنانية برئاسة عبد الحليم خدام ومنهم الرئيس سليمان فرنجية كان هجوم لواء اليرموك على منطقة زغرتا في شتاء 1976، واغلب الظن أن الرئيس فرنجية الوطني لم يكن متساهلاً مع اسد الشام الذي اراد ان يفرض هيمنته على لبنان بالسياسة في بادئ الامر واذا لم تحل سياسياً، فالحل العسكري دائمًا جاهز لديهم.

 

 

الهيكلية العسكرية الزغرتاوية عشية هجوم لواء اليرموك على منطقة زغرتا:

على غرار المناطق المسيحية آنذاك التي شكلت احزابها وعائلاتها السياسية قوى عسكرية بعد تقاعس السلطات الامنية عن حماية اللبنانيين بوجه السلاح الفلسطيني وملحقاته اللبنانية اضف الى المرتزقة وبوجه جيش حافظ الاسد وميلشياته، انشئ لواء المردة و الذي كان يتألف من عائلات زغرتا السياسية الخمس والاكثر حضوراً وعدداً في المجتمع الزغرتاوي.

– كتيبة آل فرنجية سميت “وطني دائمًا على حق”.

– كتيبة آل الدويهي سميّت ” مجد لبنان”.

– كتيبة آل معوض سميّت ” أرز لبنان”.

– كتيبة آل كرم سميّت “لبيك لبنان”.

– كتيبة آل مكاري سميّت “أرزك يا لبنان”.

بالأضافة الى الضباط و الجنود الزغرتاويين من الجيش اللبناني يتوزعون على مختلف الكتائب الزغرتاوية التي شكلت “لواء المردة”.

 

التحصينات الدفاعية عشية العملية :

كانت التحصينات في قرية أرده تتألف من 12 متراساً بدءاً من محطة “مرّون” حتى بيت “يرق” (الشارع الموازي للطريق التي تربط طرابلس بالضنية في منطقة زغرتا الزاوية).

المتاريس المحصنة بالباطون المسلح كان عددها اربعة وهي على مستوى الارض، اما المتاريس الاخرى فهي كناية عن منازل متقدمة على خط الجبهة حصنت جدرانها المواجهة لخطوط التماس ولكنها كانت ضعيفة إذ لم تسمح الظروف الميدانية بتحصينها كما يجب.

كان يتناوب على حراسة كل متراس إحدى العائلات من البلدة مع عناصر من الكتيبة التي يناصرون في زغرتا. مثلاً : “متراس آل يرق كان اسمه ايضًا متراس الفرن. و متراس آل عبيد يساندهم آل الدويهي”.

كانت رشعين الخط الدفاعي الاول، متاريس “بيت رستم” التي تقع في الحي الذي يحمل اسمهم والتي شكل منزل (ابو رامز) أحد ابناء العائلة نقطة متداخلة مع (صنعّلة و كعبوش ومرياطة) أي الجهة المقابلة من الجبهة. وكانت التحصينات هناك عبارة عن متاريس على علو مستوى الارض و بعض المنازل المحصنة.

– خط الدفاع الاول يمتد من القبة مروراً بمجدليا، الكرملية، علما، أرده، فرشعين تعرض صباح 21 كانون الثاني 1976 بأغلبيته للهجوم ( بأستثناء خط القبة زغرتا الذي كانت عليه مناوشات وذلك للتمويه عن محاور الهجوم الرئيسة عكس خط أرده رشعين).

عديد المدافعين كان بحدود الـ250 مقاتلاً يوم الهجوم وهوعدد مخالف للتكتيكات العسكرية المعتمدة، ولكن تسلّح المدافعين بأيمان قوي للدفاع عن الارض ضرب مقولة التكتيكات العسكرية.

 

الهجوم 

سقوط الدامور في العشرين من كانون الثاني 1976 أعطى الفلسطينيون الذين يأتمرون بالسوريين شعورًا بفائض القوة مما دفعهم الى تحقيق امنية النظام السوري وخلافاً لاعتقاد المقاتلين الموجودين على الجبهة أن المناوشات الحاصلة ليست سوى رمايات روتينية على خط الجبهة التقليدي، وعليه كانت الجهوزية العسكرية في حدّها الادنى.

في صباح الاربعاء 21 كانون الثاني 1976 وفي تمام الساعة السادسة و ستة عشرة دقيقة بدأ الهجوم من قبل لواء اليرموك الذي يأتمر كلياً بالسوريين ( حيث كان في هذا الوقت يتم فيه التناوب على المواقع العسكرية ( البدل) و كان سبق الهجوم تسلل بدأ منذ حوالى الثانية فجراً خصوصاً في مقابر السيدة (أرده) وما يعرف “بجنينة بيت لطوف” ووصل عدد من هؤلاء إلى مشارف تلة “أرده” وقسم من بلدة “رشعين” و فور سماع الاشتباك بدأ الهجوم والتقدم من قبل العدو.

 

 

وخلال التقدم وبشكل مكشوف، تقدمت سيارتان عسكريتان تحملان شعار “جيش التحرير الفلسطيني – لواء اليرموك” عابرة المتراس الاول الدفاعي من جهة مرياطة سالكة الطريق العام الفاصل بين الفريقين حيث قام الزغرتاويون الابطال بالقضاء عليهم (أغلب الظن أن هناك خطأ في التنسيق بين عناصر لواء اليرموك) وهنا اندلعت المعركة على كامل بلدة ارده تزامنًا ظهر عدد من المسلحين بلباس الجيش اللبناني عند مشارف تلة “أرده”( تلة استرتيجية تقع وسط البلدة وفيها بنيَّ اول متراس باطون مسلح والذي كان يغطي أرده ورشعين) والذي كان المهاجمون يرتدونه للتمويه.

سلك المهاجمون ثلاثة محاور اساسية حيث كان الجهد الرئيسي للهجوم:

– محور: مرياطة – المرج – مقابر السيدة نحو تلة أرده .

– محور: بلاط مرياطة – بيت عبيد – السهل نحو “الرميلة أرده”.

– محور : صنعل و كعبوش – بيت رستم – كنيسة مار يوحنا نحو رشعين.

 

رافق الهجوم قصف بمدافع الهاون ومدفعية الميدان ومدافع مضاد الطائرات حيث ظهر لأول مرة مدفع المضاد للطائرات عيار 23 ملم الروسي الصنع والذي استعمل للرمايات على المنازل. كان القصف المدفعي في قسمه الاكبر مركّزًا على الطرقات الاساسية التي تربط زغرتا بأرده و رشعين لمنع وصول الامدادات من زغرتا. ولوحظ عدم تعرض الطرقات الداخلية للقصف وذلك لأعتقادهم انهم باتوا يسيطرون على المنطقة.

اختلط المقاتلون في خط دفاع بلدة أرده بسرعة كبيرة وتوغل المسلحون في أغلب الاحياء داخل أرده و على تخوم تلة أرده. فأصبح العدو على دفعتين في الامام والخلف حيث كان المدافعون عن الجبهة يلبسون الكوفيات وهذا ما اجبر المهاجمين ان يسألوا المدافعين عن كلمة السر للتأكد،  بينما المقاتلون في جبهة زغرتا لم يكونوا بحاجة الى كلمة سرّ لأنهم يعرفون بعضهم البعض وهذا عامل ساعدهم كثيرًا وقضى على الكثيرين من المهاجمين. بعد هذه المعركة لم يعد أحد يلبس الكوفية.

– عاملان محوريان قلبا المقاييس وغيّرا واقع المعركة:

مقتل ” أحد القياديين اللبنانيين المهاجمين الذي كان يعرف المنطقة جيدًا، خصوصاً ان مجموعته انسحبت من المعركة مما جعلهم من دون اشخاص يعرفون المنطقة. جراء هذا الضياع أبلغ المهاجمون قيادتهم عن سقوط ارده و رشعين و بدء دخولهم زغرتا المدينة القلعة العاصية، في حين كان المهاجمون حقيقةً في أرده ومحيط سيدة أرده.

نتج عن ذلك قصف المهاجمين أرده لتأمين خلفية مقاتليها خوفا من وصول امدادات في حين قصفت مدفعية “المردة” أرده لأعتبارها سقطت في يد لواء اليرموك. تسبب القصف العنيف والكثيف بضرر كبير للمهاجمين الذين حاولوا الإختباء والإحتماء داخل الازقة وبين المنازل حيث تعرضوا للقتل من قبل ابناء المنطقة الذين قاتلوا بضرواة وشراسة كبيرتين ساهمت بشكل اساسي بحسم المعركة لمصلحة منطقة زغرتا الزاوية، إذ ان الابطال المدافعين هم من الاهالي وقدرتهم في التخطيط العسكري والاستراتيجية لدحر جيش مدرب ومجهز ومعد لمحاربة اسرائيل ضعيفة. لقد قاتل ابناء المنطقة دفاعاً عن عرضهم وشرفهم وكرامة ارضهم. قاتلوا بين المنازل وما أن دخل المهاجمين البلدات حتى هاجموهم وفتكوا بهم كما أن قوى الدعم الآتية من زغرتا ساهمت في حسم المعركة.

سقط للمهاجمين ما يقارب الـ 450 قتيلاً في ارده و ما يناهز الـ 200 قتيل في رشعين، ورغم وصول بعض المهاجمين إلى محيط كنيسة مار يوحنا، لم يتمكنوا من خرق دفاعات بيت رستم.

أحصى ابناء المنطقة مئات الجثث وصولاً إلى أهدن، فيما عمل الجيش اللبناني على سحب العدد الاكبر من الجثث وارسالها الى مخيم “نهر البارد”.

 

سقط في هذه المعركة الاسطورية شهيدين وهما أنور مرّون من ارده من جراء قذيفة “ب7″ دخلت متراسه الضعيف التحصين الكائن في منزله المتقدم على خط الجبهة، وميشال أشمر من رشعين من جراء رصاصة في الصدر وعشرة جرحى.

يذكر أن عدداً من المسلحين كان يحمل معه امتعة وطعام يكفي لعدة ايام وذلك لاعتبارات عسكرية تنم عن تخطيط مسبق لطول مدة العملية. لكن الارض كانت لمصلحة المدافعين الملمين بطبيعة المنطقة الجغرافية وهذا كان عامل تفوق لـ”المردة”.

 

بعض الاحاديث التي سيقت عن المعركة، وقد تكون ايمانية اكثر مما هي واقعية، تنم عن ايمان المدافعين عن ارضهم وربط الناحية الدينية بالزمنية:

– تعرضت احدى اقدم شجرة سنديان في محيط تلة “أرده” لقذيفة هاون فسقطت وقتلت ما لا يقل عن ثلاثة عناصر من المهاجمين الذين كانوا يحتمون تحتها، وهذه الواقعة صحيحة. ولكن نسبها الاهالي إلى القدرة الالهية .

– اطلاق نيران من الرشاش الثقيل الذي كان في مار جرجس “تلة اردة” من دون وجود اي مقاتل عليه. بقيت اسطورة، ولكن الصحيح هو وصول المهاجمين واطلاق  النار منه.

– مشاهدة وشاح مريم العذراء الازرق يلف المنطقة ومصرع مسلح من المهاجمين في باحة كنيسة مار يوحنا رشعين دون ان يطلق احد النيران عليه …

شرف المقاومة هو وسام يوضع على صدر كل من يقدم بشجاعة على الدفاع عن ارض الاجداد  إيماناً منه بقضية وطنية محورها وعمادها لبنان السيد الحر المستقل.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل