بعد 13 عاما من المناورة و18 شهرا من المفاوضات المتصلة، أعلنت أوروبا وإيران الاتفاق، وابتهج الرئيس أوباما، ونزل المتظاهرون الفرحون إلى شوارع طهران: لا عقوبات بعد اليوم. عندما عقد ريتشارد نيكسون المصالحة مع الصين الشعبية عام 1972 قيل إن رجلا يمينيا مثله يمكنه فقط عقد اتفاق مع أكبر الدول الشيوعية.
فقط أعداء «الشيطان الأكبر» يستطيعون مصافحته وإعلان مرحلة جديدة من العلاقات الثنائية الخالية من العقوبات، والتي ستفتح أبواب إيران أمام شركات أوروبا وأميركا، وربما أمام انفتاح لا يسر المتشددين كثيرا. ومن رأى صور المتظاهرين في شوارع طهران أمس، لاحظ أنهم جميعا من الشبان المتضايقين من آثار العقوبات التي حرمتهم التمتع بحياة عادية مثل جيلهم في كل مكان.
المشكلة في النوافذ المفتوحة. إنها قد تتوسع إلى أبواب. بعد زيارة نيكسون إلى الصين، خرجت بكين من عالم الشيوعية المنغلق لتصبح إحدى أكبر الدول الصناعية في العالم. وبعد «البريسترويكا»، سقط جدار برلين و50 عاما من «الستار الحديدي». وقد قامت «الجمهورية الإسلامية» على تعبئة الإيرانيين ضد «الشيطان الأكبر». وفي بدايتها، احتل الإيرانيون السفارة الأميركية في طهران متجاهلين كل المواثيق الدبلوماسية.
مهدت إيران للاتفاق بمجيء الشيخ حسن روحاني، فيما اختفى عن الأنظار والأسماع الصاخب محمود أحمدي نجاد ومعالم عهده. وروحاني ليس نجاد، لكنه أيضا ليس محمد خاتمي، الذي يقال إنه الآن في الإقامة الجبرية. ولن تنفتح جميع الأبواب فورا. لكن مرحلة الجزر انتهت، لتبدأ مرحلة المد والجزر والهدنات بينهما. وسوف يحاول كل فريق تصوير تراجعه على أنه انتصار أمام جمهوره. ولا مانع في ذلك لدى أي منهما. كان أحمدي نجاد يكرر أنه سيرمي إسرائيل في البحر. لكن أوباما يقول الآن إن «الاتفاق، إذا طُبّق، يضمن ألا تمتلك إيران القوة النووية أبدا». وهذا يعني، بكلام آخر، أن «القنبلة الإسلامية» الوحيدة ستظل في باكستان، التي دخلت شريكا في «عاصفة الحزم» إلى جانب السعودية ومصر.
لا تغييرات فورية. لقد وقّعت الصفقة بالأحرف الأولى، لكن البحث في الأرباح والتنازلات مستمر. لن يكون في إمكان أميركا التخلي عن أقدم وأهم حلفائها في المنطقة من أجل القادم الجديد. والذين يتساءلون عمن سيدفع ثمن الاتفاق، من بيروت إلى صنعاء، لن يعرفوا ذلك سريعا. الذي نعرفه أن شيئا جوهريا قد تغير في المنطقة قبل إعلان اتفاق لوزان: قامت قوة استراتيجية كبرى تضم للمرة الأولى باكستان. وتضم تركيا، وتعيد، أو تستعيد، دور القوة المصرية. وهذا التحالف يحظى بالدعم الأميركي العلني، وطبعا دعم أوروبا. اليمن دعوة مفتوحة للسلم أو للحرب. الخيار لإيران. أما البيادق، فقد تضيع بين سنابك الخيل.