
قد يكون من المبكر معرفة التأثيرات العملية للاتفاق النووي الموقّت على الداخل الإيراني. لكن هذا الاتفاق في ذاته هو مؤشّر على “الصفحة الجديدة” التي يأمل الرئيس حسن روحاني فتحها مع العالم الخارجي.. وعلى هذا العالم.
ليس جديداً القول، إنّ النُخَب الإيرانية وضعت حساسياتها جانباً وتوحّدت حول المشروع النووي، وصولاً إلى جعله أيقونة الجمهورية وأكثر الدلالات “المشعّة” على روحها القومية.. لكن الجديد هو الافتراض بأنّ انتهاء ذلك المشروع على ضفاف بحيرة ليمان السويسرية وبالطريقة التي تجعل منه صالحاً لكل شيء إلاّ لإنتاج أسلحة الدمار الشامل، قد يعني يقظة لتلك الاصطفافات التي نامت تحت غطائه طويلاً، بل حتى تفرّعها وتمدّدها إلى داخل صفوف المحورَين الأساسيين وليس بينهما فقط.
ومؤشّرات ذلك التشظّي لم تتأخّر في الظهور. بحيث أنّ مستشاراً لـ”المرشد الأعلى”، الذي يُفترَض أنّه رعى وتابع وأمَرَ كل حركة خاصة بالتفاوض ومن ثم بالاتفاق الذي تمّ، لم يتردّد في وصفه بأنّه وُلِدَ ميتاً.. وبأنّ “إيران استسلمت لمطالب الغرب”. ومثله، خرجت أخبار كثيرة من طهران تقول إنّ إصلاحيين ومحافظين على السواء، أجمعوا على انتقاد ذلك الاتفاق بعنف، مثلما كانوا أجمعوا سابقاً على رفع المشروع النووي ذاته إلى مصاف الرمز الذي لا يُمسّ.
مبكر ربما استنتاج أيّ تأثيرات كبيرة لتلك المواقف على مجمل الوضع الداخلي، لكن المفهوم والمتعارَف عليه والطبيعي، هو وضع المثال الإيراني في خانة النظرية العامة القائلة بأنّ للانتصار ألف أب لكن الهزيمة يتيمة.. وبأنّ طمس تحدّيات الداخل المتعلّقة بالحرّيات والتنمية من خلال افتعال معارك مع الخارج وشدّ العصب القومي، لعبة شديد الخطورة خصوصاً إذا كانت النتيجة مماثِلة لاتفاق جنيف، أي على ذلك القدر من “السوء”: زادت الأزمات الداخلية وتراكمت ولم يُؤتِ الرجاء النووي أكلُهُ! مثلما لم تعوّض “أوراق النفوذ” المدّعاة في الخارج عن فقدان بعض المواد الغذائية الضرورية من الأسواق. أو عن تراجع القدرة الشرائية لعموم الإيرانيين أو عن ألف ألف قضية تنموية عُلِّقت على الرفّ بانتظار تحقيق معجزة “الامبراطورية” الموعودة.
ومع ذلك، فإنّ الواضح راهناً ولا يحتاج إلى انتظار هو أنّ الاتفاق الموقت يُعدّ أهم وأبرز جملة كُتبت في “الصفحة الجديدة”.. بل هو التعبير الوحيد حالياً عن تلك الصفحة، وعن دخول إيران بعد 37 عاماً على انتهاء عهد الشاه الراحل، في حقبة معاكِسة لتلك التي سادت فيها لغة العداء المفتوح والمؤدلج مع ثلاثة أرباع الكرة الأرضية.
ولسائل أن يسأل عمّا إذا كان التغيير في السلوك النووي سيعني تغييراً في السلوك الخارجي العام.. والسؤال في مكانه، والجواب كذلك: إيران ليست الصين. ولكن مع ذلك، فإنّ الصين «الدولية» اليوم هي غير الصين أيام “الرفيق ماو”.. الانفتاح على الخارج له أحكامه الصارمة والناشفة مثل الفيزياء والرياضيات: رأس المال لا يتحرّك في ساحات المعارك بل في الأسواق النقدية والتجارية. وهذه لا تتحرّك في ساحات قتال بل هي بيئة سلمية لا تخدش سلميّتها أي ضوضاء حتى لو أتت من خراطيش الصيد!
بهذا المعنى يصحّ الافتراض، وإن كنّا لا نزال في بداية الطريق، بأنّ إيران الداخل “قد” تبقى على حالها، لكن إيران الخارج ستتغيّر.. و”عاصفة الحزم” “ستساعدها” على ذلك، مثلما فعلت “عاصفة” الاتفاق النووي الموقّت!