افتتاحية المسيرة: 13 نيسان


بعد أربعين عامًا لا يزال الجدال مستمرًا حول ما حصل في 13 نيسان 1975 في عين الرمانة. نحكي عن ذلك اليوم وننسى المسافات الزمنية وكأنه يوم أمس الذي عبر. وكأن الحرب بدأت أو تبدأ في هذه اللحظة. فنحن نعيش كل يوم في 13 نيسان. نحاول أن ننسى ولكن الذاكرة عاصية على النسيان.

ذلك اليوم ليس إلا ابن 7 أيار 1958. 17 عشر عامًا فصلت بين حربين. عندما اغتيل نسيب المتني لم يكن أحد يتوقع أن يكون تاريخ اغتياله بمثابة 13 نيسان أول. كانت الأجواء كلها تشير إلى أن حربًا وشيكة ستحصل. كان السلاح يأتي من سوريا بإشراف عبد الحميد السراج رجل جمال عبد الناصر في دمشق. وكانت التهيئة مستمرة للإنقلاب على الرئيس كميل شمعون وعلى عهد الإستقلال الذي أعطى للبنان وجهًا مشرقاً في العالم العربي.

أحداث 1958 لم تكن إلا وليدة ذلك الإنقسام على الهوية اللبنانية الذي بدأ مع انتهاء الحرب العالمية الأولى وتمثل برفع العلم العربي على سرايا بعبدا ثم إنزاله ورفع علم الإنتداب الفرنسي محله قبل أن يصير العلم اللبناني بديلاً عن العلمين.

هذا العام يكون قد مر مئة عام على حرب الجوع في جبل لبنان. أكثر من ثلث سكان هذا الجبل المحاصر بقوات السلطنة العثمانية وبالمشانق في ساحة الشهداء كان يتعرض لخطر الإبادة. 13 نيسان 1975 لم يكن خارج هذا السياق. ليست المسألة تتعلق بالطريق الذي عبرته البوسطة ولا بالشرطي الذي غيّر مسارها ولا بوجود الشيخ بيار الجميل في كنيسة سيدة الخلاص ولا باستشهاد جوزف أبو عاصي. لو لم تكن البوسطة في ذلك اليوم في عين الرمانة كانت ستبدأ الحرب من مكان آخر لأنها بدأت قبل 13 نيسان وقبل البوسطة. بدأت بالبنادق التي حاربت في العام 1958. كل حرب تسلم السلاح إلى الحرب التالية. كأننا في مشاهد واحدة في حرب طويلة لا تنتهي.

ليست مسألة بسيطة أن تعيش في ظلال 13 نيسان. وأن تعتقد أن كل يوم يمكن أن يكون 13 نيسان وأن قدرك أن تحمل البندقية عندما تدعو الحاجة وأن تخبئها لليوم الأسود.

عندما دخلت البوسطة إلى عين الرمانة كان ذلك اليوم أحد الأيام السود. خرجت البنادق القليلة من مخابئها لأن الكرامة كانت تأبى الذل والإنكسار. قليل من الكرامة كفيل بصناعة حرب. لا خيار لك إلا أن تقاتل. تقاتل حيناً ضد الجوع وأحياناً ضد من يريد أن يقتلك داخل بيتك وأن يدوس على كرامتك ويصادر حريتك وينتزع منك وطنك.

من رحم تلك الأيام السود ولدت روح “القوات اللبنانية” دفاعًا عن شعب وأرض ووطن وهوية وكيان. لم تكن الحرب خيارًا بل كانت قدرًا لا مفر منه. ذهب المسيحيون إلى الحرب وهم يعرفون أنهم إما أن يكونوا شهداء أو أن يكونوا مقتولين. لم يكن أمامهم خيار ثالث. ثمة هواجس تحكم الوجدان لا تكتبها كتب التاريخ بل تسجلها ذاكرات الأجيال وتهمس بها الأيام داخل البيوت الخائفة والهاربة من مصير مجهول.

ذلك ال13 نيسان في عين الرمانة حصل ما يشبهه في أكثر من مكان وامتد على مساحة كل لبنان. كثير من اللبنانيين حاول أن يخرج من الخنادق والمتاريس. كانت الحرب مكلفة على الجميع. تعلموا أن ثمن التسويات أقل كلفة من ثمن الحروب. ولكن ثمة من لا يريد أن يتخلى عن سلاحه وأن يخرج من الخندق. يحمل مشروعًا يشبه مشروع 1975 ويحلم بالسيطرة على كل لبنان ويريد أن يجعله على صورته ومثاله ويهدد اللبنانيين كل يوم بالقتال.

كانت “القوات اللبنانية” بروحيتها نواة المقاومة من أجل لبنان وبقيت خط الدفاع عن وجوده الحر على امتداد 40 عامًا منذ 13 نيسان. كانت في قلوب الشباب الذين أتوا من جامعاتهم ومنازلهم وعائلاتهم ومن كل المناطق. انزرعت شهداء على مساحات لبنان كله. دفعت أثماناً غالية في الحرب وفي السلم ولم تتخل عن المهمة. ولكن في 13 نيسان 2015 لا تريد مع كثير من اللبنانيين العودة إلى 13 نيسان 1975 بعكس من يريد أن يجعل من كل يوم 13 نيسان.

لقد أثبتت التجارب أن لبنان لا يزال أكبر من كل مشاريع السيطرة عليه. كثيرون جربوا وحاولوا وانتهوا وبقي لبنان مشروع وطن لا يتكرر ولا يمكن استبداله أو تزويره. لو كان الجيش اللبناني في العام 1975 يقاتل كما يفعل اليوم ولو لم يتم تحييده وتقاسمه هل كانت حصلت الحرب حتى لو حصل ما حصل في 13 نيسان؟

13 نيسان كان لأن دويلة حاولت أن تحل محل الدولة. و13 نيسان يمكن أن يتكرر طالما هناك دويلة تريد أن تكون هي الدولة. هذا الحلم القاتل لا يمكن أن يتبدد إلا إذا واجه 13 نيسان جديدًا. إلا إذا اختار أن ينزل من البوسطة وأن يلقي سلاحه وأن يفتح الطريق نحو قصر بعبدا وأن يقبل بدور الجيش اللبناني وحده وأن يعود من ساحات المعارك التي يخوضها. وإلا سيستمر 13 نيسان. بعد اتفاق الطائف استمر. في حرب نيسان 1996 وفي حرب تموز 2006 وفي حرب 7 أيار 2008 وفي سلسلة الحروب التي يشارك فيها “حزب الله”. وحده يبقى أسير 13 نيسان ويريد أن يجعل من اللبنانيين أسرى هذا التاريخ.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل