
كتب أمجد اسكندر في “المسيرة”:
في ذكرى الأربعين سنة على 13 نيسان ماذا تنتظرون من كلماتي الآتية؟ تمجيدٌ بصمودِ المقاومة اللبنانية؟ لقد كَتبتُ الكثيرَ وقرأتم أكثر. هل تريدون أن أقولَ إن كل من بدأ تلك الحربَ علينا، من لبنانيين وفلسطينيين ويساريين عاد واعترف بأنه أخطأ بحق نفسه وبحقنا وبحق دولة ذلك “اللبنان الذي كان”؟
هل تريدون أن تُشْبِعوا غَليلُكم وتَتَلَذَّذوا باعترافاتهم المُتكررة بأنهم خاضوا ضدنا الحرب الخاطئة بالشعارات الزائفة؟ لا تكونوا مثل غيركم واغفِروا لكل من تلا فعلَ ندامة.
أيها الفَرِحون من جمهور “القوات اللبنانية”، المعركة الأصعب والأهم لم تكن الصمود على جبهات عين الرمانة والأشرفية وبكفيا وزغرتا وعيون السيمان وشكا. المعركة الأصعب كانت معركة الداخل. معركة إسقاط الفكر التقليدي بين المسيحيين.
قبل أن تقوم “القوات اللبنانية” مع بشير الجميل ثم تخبو، ثم تقوم مع سمير جعجع، كان يُسيطِرُ على المسيحيين، سياسيون تقليديون يُحالفون الآخرين ثم يُعادونَهم بحسب مصلحتهم الانتخابية لا بحسب المبادئ فقط. نهجٌ تقليدي نفعي يتباهى بأنه واقعي وبراغماتي إذا سيطر الخصم عليه، ويتبجح بالبطولات والمراجل إذا حالفه الحظ وربح معركة ضد أحد. من حسنات 13 نيسان علينا أنها سمحت لبشير أن ينتفض ضد التقليديين على الساحة المسيحية، وبخاصة الأحزاب المسيحية بمن فيها حزبه! ومن حسنات تلك الساعة أنها سمحت لسمير جعجع أن يُكمِلَ الانتفاضة بتكريس “نهج جديد” ويضعه موضع التنفيذ في معاركه ضد الداخل المهترئ والخارج المتربص شراً بالمقاومة المسيحية.
نهج الجميل- جعجع قائم على معادلة بسيطة: إذا كانت قضيتنا محقة فنحن لا نملك الحق في المساومة عليها. وإذا كانت قضيتنا محقة فهذا يعني أن الشعارات الفارغة والحماسة الغرائزية والفوضى كلها أمور تضر بالقضية. القضية تتطلب عِلماً وإرادةً وأخلاقاً رفيعة وما عدا ذلك فمن الشيطان.
ذلك هو: نهج “ج -ج”! هذا النهج الجديد استطاع جعجع أكثر من الجميل أن يمارسه بفعل استشهاد القائد المؤسس. وهذا النهج تحديدًا هو الذي ترك للإثنين هذا الكم من الأخصام عند المسيحيين بخاصة.
لا تصدقوا أن المسيحيين أحبوا بشير الجميل في حياته مثلما أحبوه بعد مماته! بعضهم أحب فيه أنه مات! لا تصدقوا أن المسيحيين أحبوا سمير جعجع في حريته مثلما أحبوه عندما اعتقل. بعضهم أحبه بعد الإعتقال وهذا صحيح، ولكن والى اليوم هناك من يتمنى لو يعودون ويعتقلونه. ويغتالونه!
عندما قال بشير أنه دفن صيغة الـ 43، كان كلامه موجهاً للفكر المسيحي التقليدي أكثر منه للمسلمين الذين لم يكونوا يمانعون في قتل تلك الصيغة وإن لأسباب مختلفة. وعندما وقف سمير جعجع دعماً للطائف كان كلامه موجهاً لمسيحيين كانوا يريدون أن تعود صيغة الـ 43 المدفونة!
المزاج المسيحي قبل وبعد العام 1975، كان مزاجاً عاطفياً منعدم الصبر، مؤمناً بالخرافات السياسية، متكلاً على قراءة زجلية لتاريخ لبنان. جاء بشير وسمير ونسفا هذا المزاج.
بدأ بشير بالعمليات الجراحية في جسد المقاومة والمجتمع، وحصد النقمة التي لم ترحم أيضًا سمير. بشير لم يساوم لا حليف ولا عدو، واندفع في قرارات لا يحبها التقليد المسيحي القائم على المساومات وتبويس اللحى. لم يكن بشير محبوباً في كل ما قام به. مجموع الداعمين اقتصر على عائلات رفاقه ومجموعة متنورين في الثقافة والاقتصاد والأديار. الدليل على أنهم لم يحبوا بشيرًا هذه الموجة العارمة من الحب الذي غمره عندما انتصر وأصبح رئيساً للجمهورية. أحبوه لأنه انتصر لا لأنه كان على حق. وأحبوه لأنهم باستشهاده أصابوا عصفورين. ربحوا أيقونة وتخلصوا من قائد ثائر دائم التطلب من مجتمعه!
الضغينة التي حملها المزاج المسيحي التقليدي على بشير الجميل، وجدت متنفسها بوريثه الشرعي سمير جعجع. في صخرة الأفكار اليابسة أخذ سمير جعجع يحفر ويحفر. لسان حاله كان يقول: يا رب نجني من أصدقائي وأنا الكفيل بأعدائي!
عند التقليديين المسيحيين سياسيين ومواطنين، سمير جعجع بطل طالما هو المُصاب في المعارك وليسوا هم. طالما هو المُعتقل وهم الطُلقاء. طالما يستهدفه الإغتيال وحده دون غيره. و”القوات اللبنانية” درع القضية طالما من يلبس الأسود هنَّ أمهات شهدائها.
في اللحظة التي تطلب فيها “القوات اللبنانية” دعماً بكلمة، بموقف، بليرة، تتحول ميليشيا تفرض الخوات وتخنق الحريات. في اللحظة التي يقول فيها سمير جعجع إن قضيتنا تحتاج الى سنوات وسنوات من التضحيات، يتجه المجتمع الى الواعدين بالانتصارات الوهمية في غضون أيام! التقليديون المسيحيون يرون القشة في عين “القوات” ولا يرون الجسر في عيونهم.
في 13 نيسان لم نكن أبطالاً لأننا واجهنا يساريين وفلسطينيين وسوريين وليبيين وإيرانيين وأميركيين وفرنسيين وفاتيكانيين. كنا شجعاناً لأننا قلنا “لا” ووقفنا ضد فكر مسيحي تقليدي كاد يجعل مصيرنا مثل مصير مسيحيي العراق وسوريا اليوم!