“كنا هناك”: مدفعية الميدان في معركة زحلة.. عادل وهيبي: كنا نتدفأ على أسطون المدفع

كتبت جنى جبور في “المسيرة” – العدد 1426:

يعود عادل وهيبي أحد عناصر سلاح المدفعية بذكرياته إلى 1981 ليخبرنا مسيرته في حرب زحلة.

“معركة الحرية والكرامة، معركة زحلة الأبية”. هكذا سماها الشيخ بشير، معركة زحلة التي حارب فيها رفاقنا في “القوات اللبنانية”، وبالرغم من صعوبة المعركة و عدم توازي القوى أمام  جيش العدو السوري.

يقول عادل: علمنا أن  الجيش السوري قد طوق زحلة، إثر ذلك طلبت القيادة، وتحديداً الشيخ بشير، التوجه إلى زحلة وفك الحصار عنها مهما كان الثمن، ومنع سقوطها بيد السوريين الذين كانوا يصبون صواريخهم وقذائف مدفعيتهم على الزحلاويين الأبرياء.

انطلقنا من أدونيس، بمدفعيتنا التي كانت متوفرة حينها وكانت عبارة  عن مدافع ميدان من عياري 122  ملم و 155 ملم.

النقطة الأقرب إلى زحلة لربض مدافعنا كانت كسروان -عيون السيمان، فسلكنا هذه الطريق بواسطة شاحنات محملة ذخائر المدفعية، وتجر وراءها المدافع، وبمواكبة سيارات جيب عسكرية، ويقودها شباب سلاح المدفعية.

طريق الجرد لم يكن سهلاً اكتشافها. فأذكر حنا سابيوس الذي كان دليل الطرقات، هو الذي كان يوجه وحدات المشاة على الطرقات المتوجب سلوكها. وقد التقينا به ليدلنا على الطريق في الجرود.

عملية الإنتقال إلى جرد عيون السيمان كانت صعبة جداً، بسبب قساوة الطقس حينها، والثلوج التي كانت تملأ المكان، بالإضافة إلى آلياتنا غير المجهزة، وأسلحتنا التقليدية. حتى أننا كنا نحفر بالرفش للتخلص من الثلوج، والوصول إلى التراب، لنتمكن من تثبيت المدفع واستعماله.

كانت الظروف قاهرة، وكانت ثيابنا تتبلل بالمياه ليلاً نهاراً بسبب الثلوج، وكان يتوجب علينا القصف بشكل مستمر بسبب قوة الهجوم .

بسبب قسوة البرد وتساقط الثلوج، وصلنا إلى مرحلة لم يعد بإمكاننا التحرك، فكانت القذائف تتجمد وكنا نعاني لحملها. وكنا عندما نقصف نقترب من أسطون المدفع الحامي لنتدفأ عليه.

كان قصفنا يستهدف أطراف زحلة حيث كانت تتمركز المدفعية السورية، وكنا نرد بالقصف على المناطق التي كان السوريون يقصفون منها.

كان ثقل المعركة كبيرًا علينا، لأن المدفعية هي عصب القتال وتلعب دوراً أساسياً. ذخيرتنا كانت ضئيلة فكان يتوجب علينا تحديد الهدف بدقة لإصابته وتدميره.

كنا نتلقى الأوامر والإحداثيات من غرفة العمليات (غاما)، وأغلب اصاباتنا كانت في تجمعات الدبابات والمراكز المدفعية والراجمات السورية.

كنا عندما نصيب مربض مدفعية، تنفجر الذخيرة التي فيه وتشتعل وتعلو النيران، نبتهج ونفرح وننسى معاناتنا .

كان عددنا ضئيلاً، فكنا عندما نؤمّن البدل نترك موقع المدفعية، ونتوجه إلى بيوتنا لتبديل ملابسنا، ونعود إلى المربض في عيون السيمان فوراً .

عندما كنا هناك، أتذكر كتيبة من المشاة من ثكنة القطارة عبرت الجرود ووصلت إلى زحلة للمشاركة في المعركة وكانت قيادة الدكتور سمير جعجع.

كانت تدور معارك شرسة، وقد تمكنت المقاومة اللبنانية من صد الهجوم ، فكل الرفاق كانوا يقاتلون بكل إندفاع،

كما أن الشيخ بشير توجه  إلى عيون السيمان، وأشرف على كل المرابض المتواجدة هناك، وحيا كل الرفاق وزودنا بالمعنويات، وأذكر حينها أن الشيخ بشير أطلق على هذه المعركة تسمية “معركة الحرية والكرامة، معركة زحلة الأبية”.

كل الرفاق من المناطق كافة شاركوا في الحرب فكانوا يتوافدون من كسروان والشمال والمتن، دفاعاً عن زحلة.

معركة زحلة كانت صعبة جداً، ولم تكن القوة متوازية. فالعدو السوري كان كناية عن جحافل مزودة بالسلاح والمدرعات، أما نحن فكانت أسلحتنا تقليدية وعددنا ضئيلأً. رغم ذلك تمكنا بالمساعدة الإلهية من الصمود. ولم تبعدنا الأعمال العسكرية عن الله، فكنا كل أحد نصلي في موقع المدفعية .

معركة زحلة كانت “قصة كبيرة”، أبعد من الماديات التي لم نسأل عنها يوماً بل كنا مؤمنين بقضية الدفاع عن أرضنا عن ترابنا عن كرامتنا عن صليبنا وعن أهلنا.

بعد انتهاء المعركة، بقينا لشهرين متواجدين في المرابض، للتأكد من عدم تكرار الهجوم السوري، وعندما تأكدنا من ذلك، عدنا إلى ثكتنا سالمين.

 * لأن القضية على مساحة الـ10452، تنقّل أبناؤها من جبهة الى أخرى مرة لصد عدوان ومرّة لتأخير إنهيار ومرة لتسجيل بطولات وطرد غزاة. فكان الرفاق يزرعون البطولة والعنفوان في كل شبر تطأه أقدامهم، وإمتزج عرق المناضلين ودماء الشهداء من الشمال الى الجنوب والجبل والبقاع وبيروت. وكتحية وفاء لهم، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “كنا هناك” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل