
كتبت تيري رومانوس في “الجمهورية”: شعرتُ أنني أحيا من جديد وفي أفضل حال كانت الجملة الأولى التي تلفَّظ بها مريضٌ فرنسي في الـ 69 من العمر، وهو أب لولدين وجدّ لأربعة أحفاد، فور استعادة وعيه إثر خضوعه لزراعة قلب إصطناعي. بتنا نعلم، انه عندما تُزرع كلية لمريض توقفت كليتاه عن العمل كلياً، يتوقّع الأطباء أن يحيا حياة طبيعية فترة 20 عاماً، فما هي نوعية الحياة التي سيحياها متلقّو زراعة القلوب الإصطناعية؟ التفاصيل مع الدكتور ربيع عازار الإختصاصي بأمراض القلب ورئيس قسم القلب في مستشفى أوتيل ديو وأستاذ محاضر في جامعة القديس يوسف.
غادر فرنسي في الـ 69 من عمره، مستشفى نانت في غرب فرنسا، بعد خضوعه لزراعة قلب إصطناعي في شهر كانون الثاني المنصرم، بحال صحية ممتازة. وصرّح في مقابلة أجريت معه، يوم الأحد الفائت، انه تعافى كلياً وبوسعه المشي والنهوض وأن ينحني من 10 الى 15 مرة في اليوم دون أيّ صعوبة. وأضاف انه بعد الزراعة، لم يشعر قط بهذه الحيوية والنشاط من قبل، ولكنه ناشد الأطباء بعدم البوح باسمه لوسائل الإعلام.
من جهته، ذكر الصحافي الذي أجرى التحقيق أنّ الرجل، لم يشعر بأيّ صعوبة في التنفس خلال المقابلة التي استمرت ساعتين والمذهل أنه كان يقوم بإصلاحات في منزله ويزاول التمرينات الرياضية فضلاً عن أنه يمارس هواياته المفضلة وهي الرماية وركوب الدراجات.
تعديلات إيجابية
وتعتزم الشركة المنتِجة، تركيب قلوب إصطناعية لأربعة مرضى في المرحلة التجريبية الحالية وكانت قد أعلنت العام الماضي أنها أجرت بعض التعديلات في اعقاب وفاة أوّل مريض بسبب حدوث تماسٍ كهربائي في القلب الإصطناعي.
ويزن القلب الإصطناعي الجديد نحو 900 غرام أيْ نحو ثلاثة أضعاف وزن القلب البشري الطبيعي السليم. ويضاهي القلب الإصطناعي مثيله الطبيعي في عملية انقباض عضلة القلب ويحتوي على اجهزة أستشعار تتحكَّم في تدفق الدم حسب حركة المريض.
بطاريات ليثيوم- إيون
يستمدّ القلب الإصطناعي طاقته من بطاريات ليثيوم-ايون يتمّ تركيبها خارج الجسم يثبتها المريض على الحزام. أمّا اسطح الجدران الداخلية للقلب الإصطناعي فتدخل في تركيبتها أنسجة مأخوذة من الأبقار بدلاً من المواد التخليقية كاللدائن التي تتسبب في حدوث الجلطات.
وبعد مرور نحو ثمانية أشهر على زراعة القلب التي تلقاها الرجل المذكور آنفاً، والتي جرت في الخامس من شهر آب 2014 في مستشفى نانت الجامعي، عاد الى منزله في الثاني من كانون الثاني الماضي ويحيا حياة طبيعية الى جانب أفراد أسرته.
مئة سنة وما يزيد
ويصف متلقي القلب الإصطناعي الجديد، لصحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الفرنسية، بفرح نمط حياته الجديدة قائلاً: «أمشي، أنحني، ولا أفقد توازني ولا أشعر بأيّ انزعاج لدرجة أنني نسيتُ زراعة القلب كلياً. في الواقع منذ اليوم الأول، شعرتُ بتحسّن مذهل وبتُّ أصفى فكرياً وأكثر تركيزاً».
ويضيف موضحاً: «يعمل القلب على البطارية بشكل مثالي لدرجة أنني أنسى وجودها وهذا خطأ لأنها تفرغ ويجب تشريجها. لكنّ الأمر سهل ولا تشوبه تعقيدات. علماً أنني تحت المراقبة الطبية المنتظمة وأراجع أطبائي أسبوعياً. ولكن الحقُ يُقال، منذ اللحظة الأولى لم أشعر أنّ هناك جسماً غريباً بين ضلوعي.
هذا القلب هو أنا، لقد اتحدنا معاً». وحين سُئل «كم تتوقّع أن تعيش؟» نظر الى الأفق، مبتسماً، وأجاب: «عشرون عاماً؟ إذا كان هناك من أمل ووسيلة تمكّنني من العيش مئة سنة، لمَ لا؟»
والشركة المصنِّعة تُجري حالياً، تجاربَ على القلب الإصطناعي الجديد والذي يضاهي الوظيفة الطبيعية للقلب البشري بالإستعانة بمواد بيولوجية وأجهزة استشعار، وهو غير مصمَّم كي يكون مرحلة انتقالية لعملية زرع قلب لكنه جهاز مستديم يساهم في محاولة إطالة أجل المرضى الميئوس من شفائهم ممّن فقدوا الأمل في زراعة قلب طبيعي إما لتقدّمهم في السن وإما لندرة المتبرّعين.
د. عازار
ماذا عن زراعة القلب؟ وما هو مستوى جودة زراعة القلب الإصطناعي في لبنان وكم سنة يخوِّل المرضى العيش بشكل طبيعي؟ هنا، يشرح الدكتور ربيع عازار الإختصاصي بأمراض القلب ورئيس قسم القلب في مستشفى أوتيل ديو وأستاذ محاضر في جامعة القديس يوسف.
• دكتور ربيع، في تصريح لمريض آثر إغفال اسمه في الوقت الحاضر، لصحيفة «لو جورنال دو ديمانش» الفرنسية، أكَّد أنه يعيش حياة طبيعية لكأنه وُلد من جديد. ما هو رأيك في زراعة القلوب الإصطناعية؟
إنها الحلّ الأنسب في انتظار زراعة القلب المناسب. ولقد أجرينا في مستشفى أوتيل ديو دي فرانس، حتى الآن 11 جراحة، زرعنا خلالها قلوب «شبه» إصطناعية لمرضى يعيشون حالياً حياة طبيعية. ولكنّ، القلب الإصطناعي الذي نزرعه في أوتيل ديو غير الذي زُرع في شهر آب من السنة الماضية في فرنسا والذي أنتجته شركة «كارما».
نحن نزرع الـ LVAD وهي كناية عن مضخَّة توضع داخل القلب موصولة ببطارية موضوعة خارج الجسم مهمتها تغذية القلب وتزويده بالكهرباء. من الجهة التقنية نستطيع أن نُطلق عليها تسمية «قلب إصطناعي» وهي معتمَدة حالياً في أميركا وأوروبا.
• ما هي المدة الأقصى التي يستطيع المريض خلالها الإعتماد على القلب الإصطناعي الذي يُزرع في لبنان؟
سنتان، وهي مدة لا بأس بها في انتظار رزاعة قلب من واهب. ونحن في مستشفى أوتيل ديو دي فرانس، نستقبل جميع المرضى الراغبين بإجراء زراعة قلب إصطناعي، في قسم القلب. قد تبدو فترة سنتين قصيرة لكن من دونها، لفارق المرضى الحياة.
• علمنا أنّ المريض الفرنسي الذي تلقى قلباً اصطناعياً، يمارس رياضة ركوب الدراجة والرماية ويحيا حياة أفضل من السابق، فما هو رأيك؟
من الأفضل تجنّب التمارين القاسية ويمكنه مزاولة الأعمال الخفيفة وممارسة الأعمال المكتبية. ففي النهاية يجب ألّا ينسى أنّ هناك بطارية مثبتة على حزام يحيط بخصره ويجب «تشريجها» بانتظام.
• إجمالاً إلامَ تهدف زراعة القلب؟
تهدف زراعة القلب الى تزويد المريض بقلب يكون أداؤه سليماً، إثر فقدان قلبه القدرة على القيام بوظائفه بشكل طبيعي نتيجة لكثير من الأسباب والعوامل التي تؤدي في نهاية المطاف لفشل القلب النهائي end-stage cardiac disease، وفشل قلبي حاد أو مزمن، أو إثر الإصابة بنوبة قلبية اقفارية Ischemic Heart diseases، أو بسبب أضرار في أقسام القلب، واعتلال عضلة القلب Cardiomyopathy، فضلاً عن عيوب خلقية في القلب وغيرها من الإعتلالات.
• ومتى ينصح الأطباء بالزراعة لإنقاذ حياة المريض؟
طبعاً في حال فشل القلب النهائي والذي يستدعي إجراء عملية زراعة القلب لأنه من غير المتوقَّع أن يتحسَّن وضع المريض بالوسائل العلاجية والأدوية المتوافرة الدوائية أو الوسائل العلاجية الجراحية الأخرى، وحيث يكون متوسط العمر المتوقَّع الاقصى، في حال عدم إجراء عملية زراعة القلب، من سنة الى سنتين.
• ما هي الإجراءت الواجب اعتمادها اثناء الزراعة؟
اثناء زراعة القلب، يُدعم جسم المريض بواسطة جهاز قلب-رئة، والذي يعمل كمضخة خارجية لدم المريض، وذلك من اجل أكسدة الدم والتخلّص من السموم، اثناء زرع القلب الجديد في صدر المريض.
• من يتبرَّع بقلبه عموماً؟
يتبرَّع بالقلب مَن توفي حديثاً، ليس لأسباب قلبية طبعاً، ما يعني بأنّ القلب المزروع يجب ان يكون سليماً، وغالباً ما يدور الحديث عن متبرّعين أُصيبوا بموت دماغي Brain death. على الرغم من محاولة زيادة وعي الجمهور، بخصوص موضوع التبرّع بالاعضاء، إلّا اننا لا نزال نعاني من نقص في أعداد المتبرّعين.
• من أجل هذا السبب يلجأ الجراحون الى القلوب الإصطناعية تعويضاً عن النقص؟
في الواقع، تُبلي القلوب الإطناعية البلاء الحسن وتؤمّن حياة كريمة للمريض شرط أن يلتزم تعاليم الطبيب ويكون تحت إشرافه ويواظب على الأدوية التي يصفها له ومنها المسيّلة للدم.