كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1426:
كان طالبًا عندما دخل الى ثكنة اللقلوق يعرض تطوعه لخدمة القضية والمقاومة من أجل لبنان. قربه من الدكتور جعجع وزوجته ستريدا أدخله في نفق المقاومة السلمية وبات مع دخول الحكيم الى المعتقل فردًا من أفراد العائلة الصغيرة التي إجتمعت حول ستريدا لإعادة لمّ شمل “القوات” وتشكيل هيكيلية جديدة تتوافق مع الظروف الطارئة أنذاك. “إستمدينا من الضعف قوة” يردّد بول الشاعر ليصف مرحلة النضال في السجون والساحات بجرم الإنتماء الى حزب محظور، حزب القوات اللبنانية.

بول الشاعر من الجنود المجهولين الذين عملوا لسنوات بصمت يروي معاناة الشباب القواتي زمن الإضطهاد.
يقول بول الشاعر: “مع إشتداد الضغوط على الدكتور جعجع وقبل إعتقاله بأسابيع كان المطلوب منا أن نتوارى عن الأنظار لأن إعتقالات المقربين منه كانت بدأت للتضييق عليه. لكن ما ان سمعت بخبر امكانية صدور مذكرة توقيف بحق الدكتور جعجع حتى توجهت الى غدراس، التقيت بملالات المكافحة عند مفرق أدما، تخطيتها ووصلت الى حاجز الجيش قبل المقر، تركوني أمرّ، دخلت فرأيت الشباب يخرجون، سألوني ماذا جئت تفعل ألم يطلب منك الحكيم أن تختفي؟
توجهت فورًا الى مكتب الدكتور جعجع سلّم عليّ وقبّلني وقال “مبيّن هون يا بول ليش رجعت؟ هلأ بشوفك بالسهرة ومنحكي”. بعد اشتداد حملة الاعتقالات وتضييق الحصار على غدراس كان طلب منا أن لا نتردد كثيراً الى المقر حتى لا نتعرض أيضًا للاعتقال.
إلا أن المفاجأة كانت، ودخلوا غدراس لأخذ الحكيم، وكنت لا أزال موجودا فوق. بعدما أخذوه أوقفونا على الحيط ومن ثم جمعونا وأخذونا في “الريوات” الى مبنى “الليسم” في أدونيس حيث حققوا معنا. أطلقوا سراح بعضنا وأرسلوا الباقين، وكنا نحو 25 شابًا الى وزارة الدفاع مبنى المكافحة. أمضيت 5 أيام ومن ثم أطلق سراحي بعد تحقيقات ضاغطة وقضايا لم نسمع بها يومًا علّ أحدنا يعرف شيئاً، حتى أنهم ذكروا قضية مقتل مونسنيور لم أسمع يومًا باسمه.
فور خروجي توجهت الى غدراس من جديد، التقيت السيدة ستريدا جعجع وأخبرتني أنها مضطرة لترك البيت والانتقال الى آخر. في هذه الأثناء صرنا نلتقي كل ليلة في منزل أهل الدكتور جعجع في النقاش وكانت ستريدا توافينا غالبًا الى هناك للبحث في الخطوات المقبلة.
في الأسابيع الأولى لاعتقال الحكيم طلبت إذنًا لمواجهته وكنت الوحيد الذي سمح له. في طريقي الى الوزارة مررت على مكتبة لأشتري له شيئاً ما. لم أعرف ما هو المسموح وما هو الممنوع. إشتريت جريدة وجلست أنتظر المواجهة، قرأتها مرتين لأحفظ ما فيها من أخبار علّني أكون مفيدًا عندما أواجه الحكيم وأخبره بآخر المستجدات. في مكتب آمر السجن خضعت للتحقيق عن صلة القرابة بالحكيم وماذا أتيت أفعل فقلت له أن زيارتي عادية فقط للإطمئنان عليه فقال لي “إياك أن تكلمه بأمور قضائية أو سياسية فقط كلام بالشخصي”. رفع سماعة الهاتف وقال “جيبو السجين رقم 1″. ذهلت. في ذهني أنا سأواجه الحكيم قائد القوات اللبنانية الذي صار السجين رقم واحد! صعقت. كان الأمر كالصفعة.
دخل الحكيم غير مكبّل، فوجئ بي وسألني: كيف جيت؟” أخبرته أنني كنت أنوي أن أحضر له بعض الكتب فقال آمر السجن “ما تعتل هم هلق ستريدا إجت وجايبتلك كدسة كتب بضاينوك كتير”، فرد الحكيم عليه “بتشارط علين بـ 24 ساعة؟”. وضحك. بعدها بدأ يهدئ من روعي ويقول لي “ما تهتم يا بول كلها كمّ يوم وبيطلع القرار وبتنكشف الحقيقة، ما تخافوا ما تعتلوا همّ…” هذا ما أثار حفيظة آمر السجن فأنهى الزيارة فورًا.
توجهت في الحال الى يسوع الملك حيث التقيت ستريدا وأخبرتها بما حصل، فقالت لي “شو شفت من اللي عم شوفو مرتين بالجمعة؟”.
هل عدت وطلبت الزيارة مرة ثانية؟
“ولا يمكن أعوذ بالله” كان من المستحيل أن أعود وأطلب مقابلته وأراه كما رأيته. زيارتي له أراحتني من جهة لأني رأيته ومن جهة ثانية عذبتني! حتى لو لم أره كما رآه غيري مكبلًا ومعصوب العينين، لم أحتمل الفكرة، فهو مثالي السياسي وهو القائد الذي عرفته كبيرًا وتبعته لقناعتي أنه يحمل مشروع خلاص للمسيحيين.
بعد هذه الخيبة كان يجب أن يشعر بول بالهزيمة، أن يكفر بكل شيء وينطلق على الأقل الى بناء حياته الخاصة، فقد كان تخرّج حديثًا من الجامعة والمستقبل أمامه، إلا أنه التحق ببيت الحكيم وبات فردًا من العائلة الصغيرة التي أحاطت بزوجة القائد السجين لتساندها في محنتها.
يقول بول: “في البداية كانت ستريدا غريبة عن الجو القواتي لا تعرف سوى مسؤولي الصف الأول الذين بمعظمهم إما إنسحبوا أو سافروا أو قرّروا مواجهة الموقف على طريقتهم وبحسب حساباتهم بعيدًا من إرادة الدكتور جعجع بالمقاومة مهما كان الثمن. إلا أنها إستمدت من الضعف قوة وباتت في غضون أشهر قواتية أكثر من القواتيين، وبمساعدة الأوفياء للدكتور جعجع إستطاعت أن تنظم فريق عمل في كل قطاع من المحامين الى الإعلاميين والناشطين من الطلاب والرفاق في مختلف المناطق اللبنانية”.
يتابع بول: “كنا مرة نلوي كالسنبلة ومرة نقف بصلابة السنديان. كل تحرّك او موقف يدرس بحسب الظروف السياسية المسيطرة. إبان المحاكمات لم نترك البيت لحظة، كنا نرافق ستريدا الى العدلية وكنت أنا دبّرت أموري وأخذت من صديق لي في إحدى الوكالات الإخبارية بطاقة مندوب اعلامي، ما كان يسمح لي بالجلوس في المقاعد الامامية وبحرية تحرّك أكبر. إلا أنهم كشفوا أمري بعد أن اوقفت في الوزارة 9 أيام في قضية أمنية لم أعرف حتى تفاصيلها. إلا أنهم كانوا حينذاك ينفذون عملية توقيفات واسعة إبان الانتخابات البلدية عام 1998 لثني “القوات” عن المشاركة في الإنتخابات. أدركوا وقتذاك أنهم كلما شدّوا الطوق على “القوات” والقواتيين كلما إزدادوا قوة وتضامنًا. والأطرف هنا أنهم أوقفوني على الحاجز أمام بيت الحكيم في يسوع الملك وأخذوني الى ثكنة صربا ومن بعدها الى وزارة الدفاع، وفي الوقت نفسه بقيت دورية المخابرات من مركز الفيدار تداهم بيتي في جبيل وتسأل أهلي عني على مدى يومين!
في 9 أيام خسرت تسع كيلوغرامات من وزني، وضعوني في آخر يوم في زنزانة كتلك التي سجن فيها الحكيم أحسست أنني أختنق، هناك يحاولون أن يطوّعوك، ويقولون “شو بدك من الحكيم وستريدا والقوات أنت شاب متعلم والمستقبل قدامك روح شوف شغلك ورجاع عبيتك…”. خرجت في المساء من السجن وكنت في اليوم التالي عند العاشرة صباحًا في بيت يسوع الملك!!
بعد الانتخابات البلدية وما حققته “القوات” من إختراقات في القرى والبلدات ولا سيما في مدينة بيروت زاد الضغط علينا بالتوقيفات وطلبت منا ستريدا ان نغيب ليخفّ الضغط عليها أيضًا.
هنا قررّت أن تترك لبنان وتسافر؟
بل قرّرت بعد أحداث 7 آب التي أعقبت زيارة غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الى الشوف. كنت كما كثير من الشباب القواتي نواكب الزيارة، وحاولنا أن نخرق الحظر الذي كان مفروضًا على القواتيين وأعلامهم للدخول الى الباحة التي إحتُفل فيها بالقداس. فتحنا البوابة عنوة ودخلنا. في تلك اللحظة بادرني أحد الأمنيين بلباس مدني “عرفتك وراسك بدي كسرّو”. طبعًا تلت الزيارة سلسلة توقيفات كالعادة فتواريت أنا ورودريك باسيل وفادي الشاماتي وصعود بو شبل. بعد شهر عدت الى بيتي في اللقلوق وبعد مشاركة أهلي بالغداء توجهت الى تنورين. ما هي الا ساعات إتصل بي أخي وأبلغني أن المخابرات “طبوا” على بيت أهلي وبيت أخي وكل أقاربي وأصدقائي.
من تنورين توجهت فورًا الى بيروت. إشتريت بطاقتي سفر واحدة الى قبرص وأخرى الى الإمارات. حصلت على فيزا الإمارات في اليوم التالي فسافرت الى دبي وبقيت فيها من العام 2001 الى 2008. لم أودع أهلي حتى.
نجحوا بـ”تطفيشكم” وترك البلاد لهم؟
وصلت الى حد سئمت زيارات مراكز المخابرات من البترون الى الفيدار الى صربا الى وزارة الدفاع… خلص طفح الكيل بعد 7 أو 8 سنوات. تعبت من ذاك الجو المقرف. كنت إذا رافقت وفدًا قواتيًا برئاسة السيدة ستريدا جعجع لتقديم واجب التعزية في تنورين أستدعى للتحقيق والضرب والإهانة كأنني إقترفت جرمًا!!. سافرت صحيح لكني لم أستسلم بل تابعت نضالي من الإمارات وتعاونت مع الشباب هناك فأنشأنا مكتبًا لـ “القوات اللبنانية” هناك لدعم القضية سياسيًا وماديًا وبكل ما أوتينا من إمكانات وعلاقات.
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.