
في يوم رحيلك يا كبيراً من وطني نستذكرك بكتابات خطها قلمك المتمرد وروحك الطيبة المرحة المنتصرة على الألم. في يوم رحيلك يا شلح أرز يعانق السماء لن نستطيع أن نعبر عنك أيها السهل الممتنع بأكثر ما عبّرت عنك كتاباتك التي ستخلّدك الى جانب عمالقة من وطني سبقوك الى دنيا الخلود.
من كتابات الراحل ريمون جبارة:
“أستيقظ حوالى الساعة الخامسة صباحاً، رغم تناولي حبوباً منوّمة، لا لأن ضميري غير مرتاح وخائف من السيد ميليس، إنما لأني انام في العادة باكراً عندما لا اكون مدعواً الى سهرة غير مدفوعة الأجر خارج البيت. وأنا افضّل مجبراً السهرات غير المدفوعة على السهرات المدفوعة. فلست مطرباً ولا راقصة بطن كي تسمح لي ظروفي بالعيش الفضفاض، ثم اني من “سلالة الحمير” (هكذا يسمّى الأوادم) في وطن حيث لا يستفيد المرء، إذا كان ينتمي الى هذه السلالة، من المراكز التي يشغلها.
المرحوم والدي كان “حماراً” ايضاً. عمل موظفاً في الدوائر العقارية في النصف الاول من القرن الماضي، وكانت هذه الدوائر كأفريقيا في تطليع المصاري، ثم ذهب والدي الى التقاعد ومات محتاجاً. “الحمير” لا حظ لهم في وطن العنفوان.
اذاً، بعد استيقاظي مباشرةً، أهرع الى السيكارة، أشعلها، وأجلس على البلكون، منتظراً السيدة مالا لكي تعمل لي فنجان نسكافيه (لا تعصباً للغرب). نحن في المنزل ثلاثة اشخاص، زوجتي، مالا، وأنا. من لا يعرف مالا لا يعرف معنى الانسانية. فهي عدا انها تساعدنا في المنزل، نستدين منها في أوقات الحشرة، أنا وزوجتي، ويمكن اعتبارنا اننا توفقنا بها ولا أدري إن كانت هي تعتبر نفسها موفقة بنا.
على الشرفة، أتأمل شقة المرحومة شقيقتي التي غادرتنا منذ عقدين من الزمن. هي كانت الصغرى بين خمسة أولاد. أنظر الى أعشاش الدوري التي بقيت في حيطان الشقة، وكذلك الى أحواض الزهور المعلّقة في البلكون. ذهبت أختي وبقيت أحواض الزهور. وكذلك ذهب بو جرجي، جارنا، عن عمر ناهز المئة، وبقيت حفافي جنينته. لماذا لا تذهب الحفافي ويبقى بنّاؤوها!
في مسرحيتي، “قندلفت يصعد الى السماء”، التي عرضتها عام 1979، يقول فانسان مخاطباً رفيقه منصور، وهو يحمل “أرضية” يحتفظ بها منذ طفولته: لماذا لا تكبر الأرضية ويبقى الانسان طفلاً؟
في حوالى الساعة 9 أسجّل برنامجي الاذاعي لـ”صوت لبنان”، مستبقاً الحازوقة التي تشرّفني يومياً بدءاً من الساعة 11 حتى التاسعة مساء. لا أعرف لماذا تزورني هذه الحازوقة يومياً، ولا الاطباء يعرفون. بعدها، أذهب الى احدى الكافيتريات في البلدة فأكتب مقالتي. أحياناً أكتبها بلا حماسة. اكتبها فقط كي لا يزعل مني الصديقان الياس خوري وعقل العويط، فيقطعان ما تبقّى لديَّ من رزق.
ظهراً، أعود الى البيت لتناول الغداء الذي تعدّه زوجتي لنا ولابنتي جمانة واولادها، وتقتصر مهماتي ظهراً على توصيل الغداء الى بيت ابنتي. بعد قيلولة قصيرة، أركب سيارتي الاوتوماتيك السهلة قيادتها لمشلول نصفي، قاصداً تلة يكسوها الصنوبر، فأوقفها هناك بعد ان أضع في المسجلة شريطاً مسجلاً لقصائد خليل روكز بصوته. أنا من المعجبين بهذا الشاعر الكبير الذي اتكل على موهبته لا على شهادة دكتوراه اشتراها من مدريد او من باريس. غجرياً كان، ولعلني اشبهه في كثير من الاشياء. هناك، وأنا جالس في السيارة، أنظر الى المقلب المقابل من الجبل. أتذكر يوم كنت صبياً شيطاناً آخذ الزوادة لأبو ريشا في قرية العطشانة المقابلة لقريتنا حيث كان يسكن مع قطيع الماعز خاصته. من هناك ايضاً أصير أمشي بعينيّ بدل رجليّ، وهذه وسيلة أستغلها في الأمكنة التي لا استطيع الوصول اليها مشياً.
عند الغروب أعود الى المنزل فنتحلّق، حول بركة المياه الصغيرة في حديقتنا الصغيرة، نحن أهل البيت وبعض الاصحاب والجيران، ونناقش أمور السياسة الدولية والبلدية. يقول أحدهم ان بوش حمار، فلو كنت مكانه – والكلام لأحدهم هذا – لأسقطتُ قنبلة ذرية صغيرة من النوع الذي لا يسقط الكثير من القتلى في المكان الذي تشكّ استخباراتي ان بن لادن مختبئ فيه. ينبري آخر، معارضاً الاقتراح لأسباب انسانية. تنعقد الحلقة تحت الخيمة كأنها مجلس امن مصغر. وقبل ان نرفعها لرطوبة في الجو، تجلب لنا مالا القهوة، منّا من يشربها مُرّة ومنّا “وسط”، أما أنا فأفضّل نصف كوب من النسكافيه، لا نكاية بتركيا ولا بالعروبة وإنما لأن مالا تمزج النسكافيه بالحليب، والحليب يخفف أضرار القهوة التركية – العربية.
بعدذاك أصعد الى الطبقة العليا، الى البلكون تحديداً، حيث وضعت لي زوجتي تلفزيوناً صغيراً أتابع من خلاله نشرات الاخبار، بينما تتابع زوجتي اللقاءات السياسية من التلفزيون المركون في غرفة الصالون الصغير. انا وزوجتي لسنا متفقين في السياسة المحلية، لا نكايةً، إنما لأجل إشاعة جوّ من الحماسة في المنزل، بعدما كبر الأولاد ولم يبق لنا سوى أحفادنا الذين نحبهم ونعتبرهم سبب بقائنا والنشرات الاخبارية التي تلهينا ولا تعشّي حمارنا.”