.jpg)
أما وقد عصفت “عاصفة الحزم” في اليمن، بعد عاصفة الصحراء في العراق، فمتى تعصف عاصفة الحُلم عندنا بواحة طمأنينة وراحة بعد صحراء الآلام الطويلة حرباً ووصاية بالأصالة وبالوكالة؟
صحيح أن المملكة العربية السعودية هي التي تقود الحرب العسكرية على التمدّد الإيراني عبر الحوثيين في اليمن، لكن الصحيح أيضاً أن هذه الحرب، وللمفارقة، هي التي أحيت الروح العربية، روح العروبة التي تعيد العرب إلى هوية الاعتدال التي انكفأت طويلاً أمام تقدم الهوية الدينية الإسلامية المتشددة.
وللتذكير، فإن ثورة رجال الدين في إيران على الشاه محمد رضا بهلوي هي التي بعثت السلفية والتطرف الإسلامي من خلال النموذج الذي مثلته، مستغلة تبرّم الإيرانيين من ديكتاتورية الشاه وبذخه المفرط وعجرفته، ليتبيّن أن النظام البديل الذي قدّمه آية الله الخميني كان أكثر صلفاً وأقحم إيران في رهانات مدمرة وفي حرب كارثية مع صدام حسين، وحبس المجتمع الإيراني المنفتح والمثقف والراقي في حالة من القمع والكبت والتضليل والعوز، وما زال يحاول كبح جماح التوق إلى الحرية. وليس أدلّ على ذلك سوى الإنتفضات الشعبية المتعاقبة التي كان آخرها تلك التي قادها الإصلاحيّان مهدي كروبي ومير حسين موسوي بمباركة هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي، احتجاجاً على تزوير نتائج الإنتخابات الرئاسية لصالح أحمدي نجاد وعلى حساب كروبي في العام 2009.
اليوم، يعيش المشرق العربي تداعيات الرهان المتمادي على تصدير الثورة الإسلامية الإيرانية بمشهدية فارسية شعارها استعادة الزمن الأمبراطوري، مع استبدال كسرى بالولي الفقيه.
النموذج الإسلامي الإيراني لم يكن رائداً في تعميم ظاهرة العمليات الإنتحارية بالسيارات والشاحنات المفخخة فحسب، بدءاً بتفجير مقري المارينز والمظليين الفرنسيين قي لبنان في العام 1983، بل أستخرج الصراع السني ـ الشيعي من التاريخ وفرضه عنواناً للحروب الدائرة في بلدان عدة.
على أن ذهاب الجمهورية الإسلامية الإيرانية بعيداً في طموحاتها التوسّعية بلغ حدّ الاعتقاد بأن العرب لن تقوم لهم قيامة بعد اليوم في ظل العجز المتراكم والإنقسامات وثورات الربيع العربي، وإذ بـ”عاصفة الحزم” تغيّر المعادلة بين ليلة وضحاها.
لبُّ القضية التي تهمّ اللبنانيين اليوم تتمثل في الإرتباك الواضح الذي يعانيه حزب الله على خلفية الإرتباك الإيراني، بعدما تبيّن أن الإحتفال الخادع بالإتفاق على البرنامج النووي الإيراني تحوّل إلى مزيج من الصدمة والقلق والإنفعال العشوائي. فكيف للحزب أن يفسّر لجمهوره أن محور الممانعة والمقاومة يخسر، وكيف له أن يبرّر مجانيّة الخسائر الهائلة في صفوف مقاتليه، وكيف له أن يتخلّى عن تجبّره واستكباره، بعدما نسف الحوار الوطني وضرب سياسة النأي بالنفس واستدرج الإرهاب والفتنة واستخفّ بالحلفاء قبل الأخصام.
لا خلاص للبنان إلا عندما يتخلّى “حزب الله” عن “أوهامه الإلهية” وعندما يقرر اللبنانيون إعطاء فرصة أخرى، وقد تكون الأخيرة، للبنان الوطن، وطن الحرية والتنوع والإنسان.