
كتبت اوغيت سلامة في “المسيرة”: ما إن تصل الى قرنة شهوان، إبحث عن “بنديرة” أمام منزل جبلي من الحجر الأبيض، أنظر الى أعلى، تجده على كرسيه المتحرّك يحرق سيجارة في يده. بعد العاشرة صباحًا يحتل الشرفة ويرصد منها أخبار لبنان والعالم، فيكلّم أوباما تارة وينصح لافروف تارة أخرى ويعود ويتذكر أن “مالا” نسيت أن تحضّر فنجان القهوة بالحليب الذي طلبه.
أنت في حضرة الكاتب والمخرج والممثل والثائر ريمون جبارة، يعني أن المواجهة قاسية.
لا تسأله، هو سيقول كل ما يريد قوله. لا تُتعِب نفسك لن يرد إلا على طريقته. كلمة أو اثنتان وبينهما كلمة من العيار الثقيل لا مَحالة. لا تأخذه الى مَحاور جديدة ومبتكرة من الأحاديث الأدبية والثقافية التي جهدت لتحضيرها لتثبت له أنك صحافي ناجح، لن يذهب معك. فهو إختار مَحاوَرَه من زمان ولا يبارحها: وطن الزعران نكاية بالأوادم… بشير الجميل.. سمير جعجع… العلمنة… نحنا شعب بلا مربى…
أنا وجدت الـ “بنديرة” كما يسمي العلم اللبناني، أخذت موقعي على الشرفة معه، حملت فنجان القهوة… وبدأ الصباح.
يطلب من مالا: “عطيني الفوتو كوبي”، يُمسك بنسخة من مقاله الجديد ويسألني “هل قرأتِ مقالي هذا الأسبوع في ملحق النهار”؟
– بالطبع “مستر بريزيدنت”! هل ردّ عليك أوباما؟
“بعدو محتار، بس بفتكر إنو رح يضرب”. بعد الربيع العربي كل الذين أتوا الى السلطة أسوأ من الذين سبقوهم.
تنتابه الحازوقة، ” لا تخافي، هذه الحازوقة ناتجة عن ضعف في عمل أحد شرايين الرأس، ما تركت طبيبًا إلا وزرته للتخلص منها. بالزمانات جاء الأب تارديف الى لبنان وذهب إليه المؤمن طلبًا للشفاء. هو قال من لا يمكنهم أن يأتوا فليطلبوا الشفاء من بيوتهم، صليت أنا وزوجتي وقلت له “يا père Tardif اشفيني من الحازوقة. طيب لأ، تقيل الدم أنا، عم كترها عليك. طيب خليني أترك الدخان”، (فأنا أدخن أكثر من 3 علب دخان يوميًا رغم عملية القلب المفتوح). “ما ظبطت معو بار تارديف، تاني جمعة مات هو!”.
يضحك وتضحك معه لأن شرّ البلية ما يضحك.
هل من مشاريع مشاكسة جديدة؟ قصدي مسرحيات جديدة!!؟
سأكتب مسرحية خاصة لكميل سلامة وحده. وان مان شو. أنا بحبو لكميل. عندما تشفى رجله سيأتي لأرتجل وهو يكتب. أنا لا أفهم خط يدي وحدهما غبريال يمين وعقل العويط يقرآن خطي.
مسرحية سياسية؟
ليكي أنا ما بزماني دخلت بحزب. الله يرحم بشير. أنا حبيت سمير لأنو شميت ريحة بشير فيه. وقلت له ذلك في الأرز. بعدين أنا بحب الأوادم.
بشير طلب مني أن أكون مسؤولا عن الشعبة الخامسة، رفضت، وقلت له أنا أحبك لكن لا يمكن أن أكون حزبيًا فقد أقول لك “لا”.
سأخبرك كيف تعرفت ببشير. أثناء الحرب إتصل بي صديقي جوزيف زعرور ودعاني الى بيته، كنا 4 أنا والأب داغر من بكفيا وجوزيف ومعنا بشير ببدلته العسكرية. تكلم الجميع في الجلسة إلا أنا فسألني بشير: ليش ما حكيت؟ قلت له: لن يعجبك حديثي! عاد وسألني لمَ؟ قلت له كيف ترضى أن ينادوك بلقب شيخ وأنت قائد ثائر؟ فرد علي “من قال إن الأمر يعجبني لكن كرمال الختياريي! على كل حال الكل يناديني بالـ “باش” …
عندما عدت الى المنزل سمعتني منى زوجتي أشتم جوزيف زعرور واستغربت لماذا؟ قلت لها لأنني لا أعرف أين سأنام الليلة!! عرّفني على الشيخ بشير وما قلتلو كلمة حلوة!!
بعد أيام رنّ الهاتف، كان بشير الجميل على الخط قال “تعا لعندي بكرا عايزك”. وطلب أن نشكل تجمعًا ثقافيًا. سألته “بدك ياهن كتائب بس؟ لأن الكتائب مش مثقفين!!؟” (يضحك من قلبه) بعدها صرنا نجتمع أسبوعيًا كل خميس في بيت يوسف الخال في غزير وكان من بيننا قوميون سوريون وإسلام سنّة حتى. عشقوه عندما تقرّبوا منه”.
وكيف تعرفت على سمير جعجع؟
رأيته للمرة الأولى عندما كنت مديرًا عامًا لتلفزيون لبنان، كنت علمت من مدير المحاسبة أن 30 موظفًا يتقاضون أجورهم من التلفزيون من دون أن يعملوا، قال لأنهم قوات. اتصلت بمكتب الدكتور جعجع حكيت معه وطلبت أن أراه، فقال لي تعال الآن. حملت شيكات الشباب ودخلت الى مكتبه قلت “جايي إتشكى، في 30 موظف بيقبضو من التلفزيون وما بيجو” فقال فورًا “لأنهم قوات لازم يجو”.
عال توجهت فورًا الى مكتبي وأرسلت بطلب الشباب وكلما دخل واحدًا منهم أسأله لماذا لا تأتي الى العمل يقول “بتعرف أستاذ أنا قوات” فأقول له “عال في أي ثكنة؟ وأضع يدي على التلفون فيقول فورًا “بجي بجي”.
وهو في السجن كتبت عنه مقالًا، ونسيت. وعندما خرج فرحنا أنا وزوجتي التي تقول لولا أن يسوع معه لما تحمّل كل هذا الظلم. قلنا يجب أن نذهب لتهنئته في الأرز. في تلك اللحظة رن هاتفي، قالت “أنا أنطوانيت جعجع الحكيم بدو يشوفك”. قلت لها أي حكيم يا مدموزيل أنا عندي مية حكيم!” قالت الدكتور سمير جعجع. أخذ منها التلفون وكلّمني قال “بدي شوفك”. عندما رأيته شكرني “أنا ممنونك، وحدك كتبت عن سجني”، فأجبته “أنا أعتبر أن كل من لم يكتبوا عنك متواطئون على سجنك”.
سمير جعجع صار رجل فكر في السجن. وبعدين ما بيكذب ، بتحسي إنو ما بيكذب، لدي الكثير من أصدقائي زعماء أعرف أنهم يكذبون وهم يتنفسون حتى.
أنا قلت له إنه الوحيد القادر على قيادة حزب علماني لأنه مؤمن صحيح لكن غير طائفي.
كل الناس تقول أنه سيكون رئيس الجمهورية المقبل. سألته إذا كان الأمر صحيحًا، رد “بكير بعد للتفكير بالموضوع”.
الكل خائف اليوم على المسيحيين وأنت؟
أنا مش خايف. مرّ المسيحيون في هذا الشرق بأوقات أصعب وبقيوا.
المسيحيون ليسوا جبناء. لكن مشكلتهم الكرسي يتقاتلون عليها. خذوا منهم هذه الكرسي لنرتاح. المسيحيون في لبنان غير طائفيين بل هم الأكثر علمانية.
عندما أخرجت مسرحية “وطن” هل كنت مقتنعًا بقرار البطريرك الياس الحويك بإنشاء دولة لبنان الكبير؟
لا مش كتير! قلت لأنطوان غندور عندما كتب، البطريرك وسّعا كتير. أنا بفضل وطن بلكون هين شطفو…
برأيك يعني فشل مشروع لبنان الكبير؟
مش لازم يكون فاشل، فشّله أهله. قال له كليمنصو شو بدك بهالصيغة إسلام ومسيحية، ما قبل.
الأهم أن يكون المسيحيون مثالًا للثورة كما هو الدكتور جعجع.
قلت عنه يومًا إنه تشي غيفارا لبنان؟
طبعًا قلت، ليس لأن غيفارا يعني جبارة! شبهته بغيفارا لأقارنه به حين عرضت عليه السلطة والمناصب ولم يقبل. بعكس زعيم آخر أرعن. إذا إنتخبوا غيره يطقّ ويموت!!
ما سيكون عنوان مقالك للأسبوع المقبل؟
لا أعرف بعد. أكتب كل أسبوعين مقالًا… كان جبران صديقي ووالده غسان أيضًا. أذكر أنني كنت في التمارين لمسرحية “صانع الأحلام” ولمحت رجلاً يجلس في الخلف يتفرّج من بعيد. إقتربت فاكتشفت أنه أستاذ غسان تويني، قلت له “قرب أستاذ لقدام” وكان رده غريبًا قال “في الخلف لا أحد يرى دموعي. صانع الأحلام يعني دونكيشوت. هذه قصة حياتي..”.
انتهى فنجان القهوة “مالا” جهّزت غداء أستاذ ريمون، خائف هو لأن طبق اليوم صيني، سألها هل أكلت منه في السابق؟ طيب إفتحي لي علبة طون!!! ويكمل يضحك…