“Der Spiegel” تكشف عن وثائق للتنظيم الإرهابي حصلت عليها بواسطة قياديين في “لواء التوحيد”

حصلت صحيفة «در شبيغل» منذ ايام بواسطة قياديين في لواء التوحيد (احد الوية المعارضة السورية المسلحة) على وثائق سرية كتبها بخط يده سمير عبد محمد الخليفاوي الملقب بـ«حجي بكر» مؤسس ومهندس تنظيم «داعش» (الذي ارداه الثوار في مقر اقامته في تل رفعت شمال حلب في اواخر شهر كانون الثاني سنة 2014) وملفات اخرى عثر عليها الثوار في احد مقرات التنظيم الإرهابي في محافظة حلب.

وتظهر الوثائق المليئة بالجداول والنصوص التفاصيل الاستراتيجية والهندسية التي وضعها حجي بكر، وهو ضابط سابق في الاستخبارات الجوية لحزب البعث العراقي، من اجل إرساء دعائم ما اطلق عليه اسم «الدولة الاسلامية في العراق والشام» وذلك خدمة لنظام بشار الأسد الذي عمل الخليفاوي لصالحه لفترة لا تقل عن عشر سنوات يرجح انها بدأت مع الغزو الاميركي للعراق في 2003.

ونظرا لأن الصحيفة الألمانية لم تنشر حرفيا ما ورد في كتابات حجي بكر او ما وجدته في ملفات «داعش»، انما جاء تقريرها على شكل رواية مطولة اسهب فيها الصحافي كريستوفر رويتر بكتابة تحليلاته واجتهاداته الشخصية الى حد وصل فيه للحديث عن نظرية التكوين للعالم الاسلامي الكبير جابر بن حيان، سنكتفي بنشر المقتطفات الأهم مما ورد في تقريره وبحسب تسلسل زمني ادق، اذ يبدو ان التقرير الالماني كتب على مراحل ثم تم جمعه ونشره في تقرير واسع واحد يشمل بعض ما ورد في وثائق بكر بالاضافة الى شهادات عين ومعلومات اخرى جمعها الكاتب، لكن الصياغة جاءت بطريقة لم توضع فيها الحقائق بصورة مترابطة:

قدمة «در شبيغل» الحرفية

منعزل؛ مهذب؛ شديد الانتباه؛ منضبط؛ غير شريف؛ غامض؛ ضار. بهذه الأوجه المختلفة يتذكر ثوار شمال سوريا هذا الرجل بعد اشهر من لقاءات جمعتهم به، ولكنهم يتفقون على شيء واحد «اننا لم نكن نعرف بالتحديد من هو الشخص الذي يجلس في الجهة المقابلة لنا».

وفي الواقع لم يكن حتى العناصر الذين قتلوه بعد تبادل قصير لإطلاق النار معه في بلدة تل رفعت في صباح احد ايام شهر كانون الثاني 2014 يعرفون هوية الرجل الخمسيني الطويل القامة. لم يكونوا يعرفون انهم قتلوا الرأس الاستراتيجي للمجموعة التي تطلق على نفسها اسم «الدولة الإسلامية». وحقيقة حصول هذا فعلا تؤكد انها نتيجة خطأ نادر وخطأ حسابات قاتل لهذا المخطط البارع. وقام الثوار المحليون في بادئ الأمر بوضع جثته في براد للأموات وذلك تحضيرا لدفنه قبل ان يخرجوه من البراد مجددا عندما علموا مدى اهميته.

سمير عبد محمد الخليفاوي هو اسم هذا العراقي الذي نعمت لحية بيضاء من ملامح وجهه ذي العظام البارزة، ولكن لا احد كان يعرفه بهذا الإسم. وحتى الاسم المستعار الذي كان يلقب به «حجي بكر» لم يكن معروفا على نطاق واسع. ولكن هذا الامر تحديدا كان جزءا من المخطط. فهذا الضابط السابق في الاستخبارات الجوية في نظام صدام حسين كان هو يشد الخيوط لتحريك داعش على مدى سنوات. والأعضاء السابقون في التنظيم (اي الذين انشقوا عنه) كانوا يذكرونه مرارا على انه احد كبار قياديي التنظيم. ولكن لم يكن ابدا واضحا لأحد ما هو الدور الحقيقي الذي كان يؤديه.

ولكن بعد مقتل مهندس التنظيم ترك وراءه اثرا كان ينوي ابقاءه سريا للغاية هو تصميم (او مخطط او هيكل) هذه الدولة. انه ملف مكتوب بخط يده مليء بالرسوم التنظيمية والجداول واللوائح تصف كيف يمكن اخضاع بلد بشكل تدريجي. وقد اطلعت «شبيغل» بشكل حصري على 31 صفحة من هذا الملف، البعض منها صفحات الصقت مع بعضها، وهي تكشف عن تركيبات متعددة الطبقات وتعليمات للتحرك، البعض منها تمت تجربته والبعض الآخر كتب حديثا، وتخص حالة الفوضى السائدة في المناطق السورية التي يسيطر عليها الثوار. وفي المغزى انها وثائق تعتبر الشفيرة الأساسية الخاصة بأنجح جيش ارهابي في تاريخنا المعاصر.

والى حين لحظة نشر هذه المعلومات فإن المعروف عالميا عن تنظيم الدولة كان مصدره شهادات بعض العناصر التي انشقت عنه او بعض المعلومات التي جمعت من وثائق داخلية لـ«داعش» عثر عليها في بغداد. ولكن لم تقدم تلك المعلومات اي تفسير للصعود النيزكي السريع على الساحة لهذا التنظيم قبل ان تؤدي غارات التحالف الدولي ابتداء من صيف العام 2014 الى وقف مسيرة انتصاراته.

فلأول مرة، وثائق حجي بكر الآن جعلت من الممكن التوصل الى خلاصات بشأن طريقة تنظيم قيادة داعش وما الدور الذي يلعبه فيها رسميون سابقون في حكومة صدام حسين. ولكن قبل كل شيء تبرز هذه الوثائق كيف تم التخطيط للاستيلاء على شمال سوريا مما جعل تقدم التنظيم وتوسعه في العراق لاحقا امرا ممكنا. وبالاضافة الى الوثائق ان التحريات التي قامت بها «شبيغل» في سوريا خلال السنوات الماضية تؤكد ان تعليمات ومخططات بكر كانت تنفذ بدقة.

وكانت وثائق بكر مخبأة لفترة طويلة في حجرة صغيرة مضافة الى احد المنازل في شمال سوريا. واول من اخبر بوجود هذه الوثائق كان احد شهداء العيان الذين رآهم في منزل بكر يوم مقتله. في نيسان 2014 تم تهريب صفحة واحدة من الملف الى تركيا حيث تمكنت «در شبيغل» من القاء نظرة فاحصة عليها للمرة الأولى. ولم تسنح الفرصة للوصول الى تل رفعت من اجل الاطلاع على كامل الملف وتقويمه الا في تشرين الثاني 2014. وقال الرجل الذي كان يخبئ الوثائق تحت كومة من الصناديق والوسادات ولم يذكر اسمه خوفا من فرق داعش «ان اكثر ما كان يقلقنا هو ان تقع هذه الوثائق في الايدي الخطأ وتختفي عن الانظار ولا يعلم احد بها.

عمله مع الأسد واتصالاته بـ«القاعدة»

كان حجي بكر، بحسب رأي الصحافي الالماني، كان يعدل في خطته لبناء «داعش» ما تعلمه في عمله الاول، اي في اجهزة صدام حسين الامنية التي كانت منتشرة في كل مكان، حتى قادة الاجهزة الاستخباراتية انفسهم لم يكونوا متأكدين من ان احدا لا يراقبهم. ولهذا وضع خطة استخباراتية فيها الكثير من الريبة وتفرض رقابة صارمة على منفذيها.

ويقول الصحافي العراقي هاشم الهاشمي ان حجي بكر كان قوميا وليس اسلاميا وكان يعمل هو وقريب هاشمي في قاعدة الحبانية الجوية وكان الجميع ينادونه باسمه الحقيقي الكولونيل سمير ويصفه الهاشمي بأنه كان شديد الذكاء ولوجستيا ممتازا في عمله. ولكنه اصبح بلا عمل عندما قام رئيس السلطة الاميركية المحتلة في العراق بول بريمر في ايار 2003 بحل الجيش العراقي.

فقد الآلاف من العسكريين السنة الكفوئين عملهم فجأة وبمجرد جرة قلم، وبفعلها هذا خلقت الولايات المتحدة لنفسها اعداء اذكياء وشديدي المحال. وفي عام 2003 كان نظام دمشق يعتريه الخوف من ان الرئيس الاميركي جورج بوش الابن قد يقرر مواصلة زحفه الى سوريا والاطاحة ببشار الأسد بعد اجتياحه العراق واطاحته بنظام صدام حسين. ولهذا السبب فقد لجأت الاستخبارات السورية في السنوات التالية الى تسهيل نقل آلاف المتطرفين من ليبيا والسعودية وتونس وبلدان اخرى وتسليمهم الى تنظيم «القاعدة» في العراق. 90 في المئة من الانتحاريين والارهابيين الذين فجروا العراق دخلوا الى البلاد عبر الحدود السورية. ونمت علاقة «غريبة» (بالنسبة للصحافي الالماني لكنها ليست غريبة بالنسبة لأي سوري او لبناني او عراقي) بين الضباط السوريين والمتطرفين الدوليين وبعض عناصر الاستخبارات العراقية السابقة وكان هؤلاء يجتمعون بشكل دوري في غرب دمشق لتنسيق خطواتهم المقبلة وتحديد اهدافهم.

وكان حجي بكر احد هؤلاء المؤتمرين، الذي يقول التقرير انه التقى في محافظة الانبار في غرب العراق القيادي في تنظيم «القاعدة» ابو مصعب الزرقاوي، الأردمي الأصل الذي كان يشرف في وقت سابق على مخيم تدريبي للارهابيين الدوليين في افغانستان. وبدأت شعبيته عام 2003 تزداد كالرأس المدبر للعمليات الارهابية التي كانت تستهدف الامم المتحدة والاميركيين والشيعة في العراق. وكان الزرقاوي يعتبر اكثر تطرفا من زعيم «القاعدة» نفسه اسامة بن لادن. ولقي الزرقاوي حتفه في غارة جوية اميركية عام 2006. واصبح حجي بكر احد القادة العسكريين في العراق واحتجزته القوات الاميركية بين عامي 2006 و2008 في مخيم بوكا ثم في سجن ابو غريب ولكنه نجا من موجة القتل التي قامت بها القوات الاميركية والوحدات العراقية الخاصة.

وقدم رويتر فقرات تحليلية خالصة خاصة بآرائه هو حول الاختلاف الصريح بين تفكير «القاعدة» المبني على العقيدة الدينية والتفكير الذي اسس عليه «داعش» المبني على استغلال التعصب الديني السني فقط لتوسيع نفوذ التنظيم بسرعة وبأي ثمن. ويقول التقرير «هناك سبب بسيط لعدم وجود اي ذكر لاوامر او نبوءات ربانية بإنشاء دولة اسلامية في اوراق حجي بكر لأنه يعتقد ان الايمان بالمعتقدات الدينية لا يكفي لتحقيق النصر كما انه كان يعتقد بأن ايمان الناس يمكن استغلاله. وفي 2010 قرر حجي بكر ومجموعة صغيرة من عناصر استخبارات البعث العراقي السابقين تسمية ابي بكر البغدادي اميرا لتنظيم الدولة ثم في وقت لاحق خليفة للدولة الاسلامية. لأن البغدادي شيخ درس الشريعة وبامكانه اعطاء اضفاء الصبغة الدينية على التنظيم.

وكما اوضح التقرير انه «في حينه اي في 2003 بعيد الغزو الاميركي للعراق، كان هدف الأسديين والارهابيين وبكر ورفاقه هو تحويل حياة الاميركيين في العراق الى جحيم. ولكن بعد ذلك بـ10 سنوات اصبح لبشار لأسد دوافع جديدة لنفخ حياة جديدة في تنظيم داعش الذي كان مجرد مجموعة صغيرة يشرف عليها بكر، فهو (اي الأسد) كان يريد ان يبيع نفسه للمجتمع الدولي على انه اهون الشرين، فالارهاب الاسلامي كلما ازداد وحشية كلما اعطى نتائج افضل بالنسبة لبشار وكان من المهم جدا اعطاء الحرية للارهابيين في ادارة امورهم واساليبهم الوحشية. ولهذا طغت طبيعة العلاقة نفسها التي كانت تربط نظام الاسد بـ«القاعدة» قبل عشرة اعوام على علاقته بداعش اي انها علاقة تتسم بالبراغماتية التكتيكية.

الخطة الرئيسية وهيكل «داعش»

تبدأ قصة هذه الوثائق منذ ان كان قليل من الناس فقط قد سمعوا بـ«داعش». وعندما سافر حجي بكر الى سوريا كطرف في حزب صغير في اواخر العام 2012 كانت الخطة التي يحملها تبدو سخيفة وغير واقعية ومفادها: ان يسيطر تنظيم الدولة الاسلامية على اكبر قدر ممكن من الاراضي السورية وتستخدم سوريا كرأس جسر تعبر منه الى العراق لاجتياحه.

واتخذ حجي بكر من منزل لا يلفت الانظار في تل رفعت (شمال حلب) مسكنا له. وفي 2013 اصبحت تل رفعت المعقل الرئيس لـ«داعش» في حلب بعديد من مئات المقاتلين الذين تحصنوا فيها. فهناك قام «سيد الظلال» كما يطلق عليه البعض برسم هيكل الدولة الاسلامية من القمة (اي القيادة) حتى المستوى المحلي (اي الفرعي) جامعا قوائم متعلقة بالتسلل التدريجي للتنظيم وافكاره داخل القرى وفيها تحديد لتراتبية المناصب (اي من يشرف على من). ورسم بقلم حبر جاف هذا التسلسل القيادي للاجهزة الامنية لدولته على قرطاسية. وهذه القرطاسية مصدرها وزارة الدفاع السورية اذ ان اوراقها تحمل ترويسة الدائرة الرسمية المسؤولة عن اماكن الإقامة وقطع الأثاث.

ما وضعه بكر على الورق صفحة وراء صفحة وبتحديد دقيق للمناصب والمسؤوليات لم يكن سوى مخطط للاستيلاء على المناطق. لم يكتب مانيفستو ديني، انما تصميم تقني واضح المعالم لهيكل دولة اسلامية استخباراتية، اي لخلافة يقودها جهاز استخبارات على طراز «ستازي» الذي كان سائدا في المانيا الشرقية السابقة.

هذا الهيكل تم وضعه وتطبيقه ميدانيا بحذافيره بدقة متناهية في الاشهر التالية. والخطة تبدأ دائما بتكرار الطريقة نفسها في كل منطقة: تجند المجموعة اتباعا لها تحت ذريعة فتح مكتب لنشر الدعوة اي مركز تبشير اسلامي. ومن الذين يأتون لحضور الندوات وتعلم دروس دينية يتم اختيار مراهق او اثنين ليتم تكليفهم التجسس على اهالي قريتهم والحصول على معلومات محددة عنهم. وقد حدد بكر في لائحة النقاط الرئيسية المطلوب جمعها: تدوين لائحة بالعائلات الثرية وذات النفوذ. لائحة بأسماء الاشخاص النافذين في كل عائلة. معرفة حجم معاشاتهم ومصدرها. جمع اسماء ومعرفة عديد الوية الثوار الموجودة في البلدة. معرفة اسماء قادة الالوية ومن يديرها وما هو انتماؤهم السياسي. تحديد النشاطات غير الشرعية بحسب الشريعة للاهالي او لافراد المجموعات المعارضة وذلك بغرض تهديدهم بها لاحقا اذا لزم الامر.

واوصى الجواسيس بجمع تفاصيل حول ما اذا كان الشخص مجرما او لصا او مثليا او له علاقة غرامية سرية بإمرأة وذلك من اجل تهديد الاشخاص المستهدفين بها لاحقا. وشدد حجي بكر على ان «الاذكى بين الجواسيس نعينه شيخا للشريعة. ندربه لفترة ثم نطلقه». واضاف في مدونته ان بعض الاخوة يتم اختيارهم ايضا ليتزوجوا بنات العائلات الاكثر ثراء من اجل التسلل الى هذه العائلات دون علم الاهل بحقيقة النوايا. وكان على الجواسيس ان يجمعوا اكثر ما يمكن جمعه من معلومات عن كل بلدة من يسكن فيها؟ ومن يشرف عليها؟ اي العائلات هي المتدينة؟ ولأي مدرسة دينية او مذهب هم يتبعون؟ كم عدد المساجد؟ من هم الأئمة؟ وكم زوجة لهذا الإمام وكم ولد لديه؟ وما هي اعمارهم. ومن التفاصيل الاخرى التي يتم جمعها ما فحوى الخطاب الديني لهذا الشيخ؟ هل هو ميال الى الصوفية ام الى مدرسة اخرى؟ هل هو موال للنظام ام للمعارضة؟ وما هو موقفه من الجهاد؟. كما اراد بكر اجوبة عن اسئلة كالتالية هل يقبض الامام معاشا؟ اذا كان كذلك فمن يدفع له؟ ومن يعينه؟ واخيرا ما هو عدد اهالي القرية الذين يؤمنون بالديموقراطية؟.

اذا كان المطلوب من الجواسيس العمل بشكل يشبه آلات رصد الزلازل. فالهدف من المعلومات المطلوب منهم جمعها رصد اي منفذ صغير كاف لإحداث انقسام داخل بنية مجتمع البلدة او القرية لكي يتم استغلاله من قبل التنظيم. وضمت فرق حجي بكر جواسيس عملت سابقا بشكل رسمي كاستخبارات لنظام الاسد وبعض المنشقين عن احدى الجماعات المعارضة بسبب خلافات شخصية. والبعض من اعضاء فرق الجواسيس هذه كانوا مراهقين من صغار السن الذين وجدوا انفسهم بحاجة للمال او استهوتهم المهمات التي يكلفون بها. واغلبية اسماء الجواسيس المخصصين لبلدة تل رفعت حيث كان يسكن بكر هم من الشبان في العشرينات من عمرهم والبعض منهم من المراهقين بعمر 16 و17 سنة.

وشمل المخطط ايضا شتى نواحي المجتمع كالمال والمدارس والعناية اليومية والاعلام والنقل. ولكن صلب المخطط كان يرتكز دائما بدقة، كما هو ملاحظ من الرسم التقسيمي للمهام والمناصب، على المراقبة والتجسس والقتل والخطف. ولكل مجلس محافظة خطط بكر لتنصيب امير او قائد يشرف على عمليات القتل والاعتقال والقنص والاتصالات والتشفير والاشراف على امراء وقادة آخرين للتأكد من انهم يؤدون عملهم كما يجب. ونواة هذه الدولة الالهية هي العمل الشيطاني الدائم ببنية عمادها خلية وقائد من اجل ترهيب الاتباع ونشر الخوف.

ومنذ البداية كانت الخطة ان تعمل الاستخبارات العامة بشكل متواز حتى على مستوى المحافظات (ليس واضحا هنا في تقرير شبيغل اذا كانت استخبارات نظام الاسد هي المعنية هنا ام انها تقصد الاستخبارات العامة لداعش). فالدائرة العامة للاستخبارات ترسل تقارير الى امير امني لإحدى المناطق الذي يشرف بدوره على نواب امراء امنيين موزعين على احياء المنطقة. وبدورها تقوم خلايا الجواسيس التي تجمع المعلومات الميدانية بالتواصل مع نائب الامير الامني الذي يشرف على حي معين. والهدف من هذه المنظومة هو ان يبقي كل واحد فيها عينه على الآخر حتى يتم التأكد من اخلاص كل جاسوس في عمله الموكل اليه. كما ان المسؤولين عن تدريب قضاة جدد لتنفيذ احكام الشريعة في التجمعات الاستخبارية كان عليهم بعث التقارير الى امير الحي في حين ان قسم منفصلا من الأمنيين تم تخصيصه لأمير المنطقة.

والشريعة والمحاكم وتحديد التقوى، الغرض من ورائها كلها واحد هو المراقبة والتحكم. (ثم يحتوي تقرير شبيغل على مقطع مبهم غير مفهوم يتحدث فيه الصحافي عن عبارة يقول ان بكر كان يطلقها على المتحولين الى الدين السلامي الحقيقي وهي كما كتبها الالماني بالعربية بلفظ انكليزي ـ تكوين ـ وربما يقصد فيها «تخزين»، لكنه يعود ليشرح انها تعبير قديم ركيك يستخدم في بناء الاشياء اصطناعيا او خلقها بما يرجح انها تكوين. ثم ينتقل الى مصطلحات وتشفيرات سرية كان علماء الشيعة الفرس يستخدمونها ويبدو انه استخدم غوغل للبحث عن عبارة تكوين فعثر على نظرية التكوين للعالم جابر بن حيان. المهم ليس من الواضح ما صلة حجي بكر الداعشي بكل هذه الامور سوى ان يكون الصحافي يعني ان حجي بكر كان متأثرا بأسلوب الشيفرة السرية الذي كان يستخدمه بن حيان في زمانه وانه كان يصنع تنظيمه بشكل اصطناعي على طريقة تفكير بن حيان الذي اراد تكوين الاشياء اي خلقها اصطناعيا). واوضح رويتر في روايته انه على الرغم من ان بن حيان كان شيعيا وبكر يدعو الى التطرف السني لكن في النهاية من الواضح ان مهندس «داعش» لا يولي دينا عمره 1400 عاما اي قيمة سوى انه يستخدمه في تحقيق مآربه».

تنفيذ المخطط

بدأ تنظيم «داعش» توسعه بغموض شديد حتى انه بعد عام من ظهوره كان العديد من السوريين يحاولون ان يتذكروا اللحظة التي ظهر فيها المتطرفون في وسطهم. فمكاتب الدعوة التي فتحها التنظيم في شتى المناطق كان لها مظهر بريء كأي مكاتب كانت تفتتحها الجمعيات الاسلامية الخيرية في شتى انحاء العالم. ويقول طبيب فار من الرقة في هذا الصدد «عندما فتح مكتب دعوة في الرقة كل ما قاله هؤلاء انهم اخوة ولم يأتوا اطلاقا على ذكر الدولة الاسلامية». ويقول احد شبان منبج في محافظة حلب «لم الحظ بداية ان مكتبا للدعوة فتح في منبج فنظرا لأن منطقتنا ليببرالية الهوى كان بوسع اي شخص ان يفتح ما يريد، ولم نكن نتخيل ابدا ان احدا غير نظام الأسد يمكن ان يهدد امننا. ولكن عند بدء المعارك في المنطقة ادركنا ان داعش تتمركز في بعض الشقق حيث بامكانها استقبال المقاتلين والاسلحة».

الوضع نفسه حصل في بلدات الباب واتارب وعزاز. وفتحت مكاتب الدعوة ايضا في محافظة ادلب في بدايات عام 2013 في بلدات سرمدة واطمة وكفر تاخريم والدنا وسلقين. فبمجرد ان يتمكن التنظيم من معرفة ان بامكانه استقطاب اتباع وتجنيد جواسيس له في منطقة ما كان يبادر فورا الى القيام باللازم ميدانيا وتوسيع نفوذه. ولكن تقبل التنظيم كان يتفاوت بين منطقة واخرى ففي الدنا مثلا انتشر التنظيم بسرعة ورفعت راياته فوق المنازل اما في بلدات اخرى فقد اقفل الاهالي الابواب بوجهه تماما. وهذا الواقع فرض على التنظيم ان يتسلل الى المناطق بحذر شديد لكي لا يواجه اي مقاومة تذكر. فكان عناصر التنظيم يتصرفون في بداية الامر بكل تهذيب مع الاهالي وكانوا يقدمون سرا على قتل بعض الاشخاص المعارضين لوجودهم وفي الوقت عينه ينفون القيام بأي من هذه الجرائم.

كما حرص حجي بكر في بداية خطته على تجنيد السوريين حصرا في صفوف التنظيم لكسب ثقة الاهالي حتى انه منع اتباعه العراقيين من القدوم الى سوريا. ولكن مع نضوج الخطة ونجاح التنظيم في تجنيد مقاتلين من شتى اصقاع الاراضي وادخالهم الى سوريا منذ صيف العام 2012 بدأ يقلص عدد السوريين في صفوفه مستبدلا اياهم بهؤلاء المتطرفين الاجانب. وكان يخضع طلابا متعصبين سنيا لا خبرة لهم اطلاقا في حمل السلاح قدموا من دول عربية كتونس والسعودية ومن دول اوروبية الى تدريبات قتالية تحت اشراف متطرفين اتوا من الشيشان واوزبكستان.

ومع نهاية العام 2012 انتشرت معسكرات تدريب «داعش» في مناطق عدة. ولم يكن احد يعلم الى من يتبع هؤلاء ولا حتى المتدربين انفسهم الى اي تنظيم هم ينتسبون. فقد كان كل معسكر منضبطا للغاية وافراده الاجانب لا يعرفون احدا خارجه كما كان مفروضا عليهم عدم التحدث الى وسائل الاعلام والصحافة. وكل وافد جديد كان يخضع لتدريبات على مدى شهرين قبل ان يتم ارساله في فرق «داعشية» حول البلاد. وقد افرزت معسكرات التدريب فرقا في غاية التنظيم ومرد ذلك الى ان هؤلاء الاجانب لم يكونوا يعرفون احدا من اهالي المناطق التي وزعوا فيها ولهذا كانوا مرتبطين بشدة بزملائهم الذين تعرفوا عليهم في المعسكر فقط فكانوا ينفذون الاوامر المعطاة لهم بدقة واحيانا كثيرة بقسوة ووحشية وكان سهلا على اميرهم نقلهم من مكان لآخر. هذا الامر لم تكن تنعم به فصائل الثوار السوريين الحقيقيين الذين كان عليهم في غالب الاحيان حماية قراهم وعائلاتهم ولهذا كان يصعب عليهم التحرك والانتقال بحسب متطلبات الصراع الميداني. وازداد عدد الاجانب في صفوف داعش عام 2013 ففي محافظة حلب وحدها في خريف العام 2013 كان عديد الاجانب في صفوف داعش حوالى 2650 مقاتل ثلث هؤلاء اتوا من تونس اما الباقون فأغلبيتهم من السعودية ومصر وتركيا وهناك عدد اقل من اوروبا والشيشان واندونيسيا.

وعندما اختلط الحابل بالنابل وانشق عدد من الاجانب عن «داعش» بعد معرفة اهداف التنظيم الحقيقية لم يكن سهلا لهؤلاء المتطرفين كسب ثقة فصائل الثوار الحقيقيين فسادت الفوضى التي كان يستفيد منها النظام و«داعش» على السواء. ولجأ التنظيم في تلك الفترة الى مد عناصره بأقنعة سوداء وذلك لغايات عدة اخفاء هوياتهم عن الثوار وتغطية النقص العددي الذي تعرض له بعد حالات الانشقاق، اذ كان بامكان التنظيم ارسال المقنعين الى منطقة ثم نقلهم الى منطقة اخرى لإيهام الثوار ان لديه عناصر في شتى المناطق.

الاستيلاء على الرقة

يشرح رويتر في تقريره كيف انتزع «داعش» الرقة من ايدي الثوار كمثال على التكتيك الحربي الذي ينتهجه التنظيم المتطرف والهدف منه شرذمة الثوار واحباط جهودهم وتدمير معنوياتهم ومنعهم من تحقيق اي تقدم في مواجهة الأسد وسلبهم اي منطقة كانوا يسيطرون عليها.

فالرقة كانت سقطت في ايدي الثوار في آذار 2013 وقام هؤلاء فورا بتنظيم انتخابات ادت الى تشكيل مجلس اداري للمدينة. وتم تأسيس مجموعات نسائية وقام صحافيون ومحامون واطباء بتنظيم امور المدينة بأسلوب الحكم الذاتي وتم تأسيس تجمع للشباب الحر وحركات حقوقية وسواها من النشاطات المدنية الحضارية. ولكن سعادة هؤلاء لم تكتمل، اذ وصل «داعش» الى الرقة متسللا وبعدما دخل في نسيج المدينة سرا كانت خطوته التالية خطف واغتيال ابرز قيادات المدينة وفي ايار 2013 اختفى رئيس مجلس المدينة تلاه شقيق احد الكتاب ثم تكررت حالات الاختفاء القسري وساد الذعر في الرقة رويدا رويدا. وفي تموز ازداد عدد المفقودين الى العشرات ثم المئات. وفي آب ارسل «داعش» انتحاريين فجروا انفسهم وسط لواء تابع للجيش الحر يدعى «احفاد الرسول» فقتل العشرات منهم وفر الباقون. ونظرت الفصائل الثورية الاخرى الى الوضع بخوف وترقب ثم غضت النظر عما يجري اذ قام «داعش» بخداعها عبر ابرام صفقات سرية مع كل فصيل على حدة موهما اياه بأنه لن يستهدفه هو انما الفصيل الآخر.

في 17 تشرين الاول 2013 استدعى «داعش» كل قيادات المجتمع المدني ورجال الدين الى اجتماع ظن بعض هؤلاء انه لقاء مصالحة. وفي الاجتماع الذي شارك فيه 300 شخصية من المدينة لم يتجرأ احد على الاعتراض على اسلوب داعش في الاستيلاء على المدينة سوى رجلين احدهما الناشط الحقوقي والصحافي مهند حبايبنا الذي عثر على جثته بعد خمسة ايام مقيدا ومقتولا بطلق ناري. كما ارسل التنظيم الى اصدقاء الضحية رسالة عبر بريدهم الالكتروني تحتوي صورة القتيل وسؤالا هو «هل تشعرون بالحزن الآن على مصير صديقكم؟». بعد هذه الحادثة بساعات فرت قيادات المعارضة المعتدلة الى تركيا وانتهى وجود الثورة السورية في الرقة. وبعيد ذلك اعلن 14 من زعماء العائلات وشيوخ العشائر مبايعتهم البغدادي خليفة للمسلمين وتم تصوير تلك الاحتفالات. ولفت التقرير الالماني الى ان تلك العشائر هي نفسها التي كانت اعلنت تأييدها للأسد وولائها الدائم له قبل عامين من ذلك.

خدمات متبادلة

ويسعى كل من النظام و«داعش» الى ان يظهر الآخر بأنه الطرف الاقوى في الصراع وذلك لتعزيز صورة كل منهما امام المجتمعين الداخلي والخارجي واستقطاب المزيد من التأييد. وبالتالي فإن قادة التنظيم المتطرف لم يكن لديهم اي مشكلة في التنسيق مع سلاح جو الأسد والحصول على مساعدته وذلك رغم انهم كانوا يوهمون اتباعهم انهم يسعون الى ابادة العلويين والشيعة. واصبح واضحا منذ مطلع العام 2014 ان الطيران الجوي للنظام يقوم دوريا وحصريا بقصف مواقع الثوار ومقارهم عندما يكون هؤلاء يخوضون معركة ما ضد «داعش».

في معارك كانون الثاني 2014 التي كانت تدور بين «داعش» والثوار كانت المقاتلات الجوية للأسد تقصف فقط مواقع الثوار وفي الوقت نفسه كان الامير الداعشي المشارك في القتال يأمر اتباعه بعدم التعرض لجيش الأسد. هذا الترتيب اوضح الحقائق امام الكثير من المتطرفين الاجانب في صفوف «داعش» الذين كانوا يعتقدون بداية انهم يقاتلون ضد الأسد. فـ«داعش» خصص كل ما يملكه من اسلحة من اجل تدمير الثوار وكان التنظيم يرسل الانتحاريين لتفجير انفسهم وسط الثوار. وبفضل التنسيق التام بين «داعش» والغارات الجوية الاسدية كان التنظيم قادرا دائما بسرعة على استعادة اي منطقة ينتزعها الثوار منه.

مقتل حجي بكر

حتى نهاية العام 2013 كان المخطط يسير كما اريد له او كما وضعه بكر. فالخلافة كانت تتوسع قرية بعد قرية بدون ان تلقى اية مقاومة تذكر من فصائل متحدة للثوار الذين بدوا في حالة شلل تام امام القوة الشريرة لـ«داعش». ولكن كل هذه الامور تغيرت عندما اقدم «الداعشيون» على تعذيب قيادي محبوب في المعارضة وطبيب حتى الموت في كانون الاول 2013 فحصل ما لم يكن متوقعا. اذ كانت ردة الفعل على مستوى البلاد بأسرها حيث قررت فصائل الثوار العلمانية توحيد صفوفها مع بعض عناصر «جبهة النصرة» ومهاجمة مواقع «داعش» في شتى المناطق في الوقت نفسه. فكان لعنصر المفاجأة وقعه الذي حرم «داعش» من اهم قدراته التكتيكية في المعارك وهو قدرته على نقل عناصره وفرقه بسرعة من منطقة الى اخرى بحسب متطلبات المعركة. وفي خلال اسابيع تقهقر تنظيم «داعش» وتم اخراجه من العديد من المناطق التي كان يسيطر عليها. وكادت الرقة عاصمة «داعش» ان تسقط ايضا في ايدي الثوار الذين كانوا يحاصرونها ولكن التنظيم قام باستدعاء عناصر له من العراق. وقام هؤلاء بحيلة كبيرة لدى وصولهم الى المنطقة اذ قاموا باستبدال ملابسهم السوداء بجينزات وقمصان واصبحوا على شكل فصائل الثوار التي كانت تضم مجموعات مختلفة لا يعرف عناصرها بعضهم فدس «الداعشيون» المتنكرين انفسهم بينهم دون ان يشعر هؤلاء ثم فجأة فتحوا النار عليهم في كل الاتجاهات وكان للمفاجأة وقعها الصاعق عى الثوار الذين اضطروا عندها الى الفرار وتم كسر الحصار. وكان «الداعشيون» لديهم سهولة القدرة على التخلص من اي ثائر حقيقي فعندما كانوا يلتقون أحد هؤلاء كانوا يسألونه «هل انت سني مثلنا؟ فيجيب نعم. فيقولون له لكن اميرنا يقول انك خائن وعميل لصالح نظام الأسد» قبل ان يقتلوه.

هذه التكتيكات الخداعية البسيطة كانت تسير على ما يرام بالنسبة لـ«داعش» الذي نجح في الحفاظ على الرقة واستعاد ايضا بعض المناطق التي انتزعها الثوار منه ولكن الامور لم تسر بالطريقة نفسها بالنسبة لرأس التنظيم، اي حجي بكر. فهذا الأخير بقي في منزله في مدينة تل رفعت الصغيرة في شمال حلب حيث كان لـ«داعش» اليد الطولى لفترة طويلة. ولكن عندما هاجم الثوار تل رفعت في كانون الثاني 2014 انقسم اهلها خلال ساعات بين موال للتنظيم الإرهابي ومنشق لصالح الثوار واصبح نصفها تحت سيطرة احد الوية الثوار. وعلق حجي بكر في النصف الخطأ بالنسبة اليه، اي في النصف الذي احتله الثوار. وحرصا منه على عدم لفت الانظار اليه آثر عدم الانتقال الى النصف الآخر. ولكن جاره اوشى به ونادى الثوار قائلا لهم هناك شيخ «داعشي» يعيش هنا في المنزل المجاور. فقام قائد فصيل الثوار المحلي ويدعى عبد الملك هدبة بالتوجه مع عناصره الى منزل بكر ففتحت لهم امرأة الباب بشكل موارب قائلة لهم «ان زوجي ليس في المنزل». ورد الثوار «لكن سيارته هنا». عندها ظهر حجي بكر مرتديا البيجاما فأمره هدبة بالقدوم معهم فاعترض حجي بكر متذرعا انه بحاجة لارتداء ملابسه. ولكن هدبة اصر «تعال معنا. الآن وفورا». فجأة وعلى الرغم من سنه (في اواخر الخمسينات) قفز حجي بكر الى الوراء سريعا واغلق الباب بحسب شاهدي عيان حضروا ما حصل. ثم اختبأ تحت السلم وصرخ «انا بحوزتي حزام ناسف سأفجره بنا جميعا». ثم خرج مجددا وبحوزته كلاشنيكوف وبدأ باطلاق النار. فما كان من هدبة الا ان اطلق عليه النار وارداه قتيلا. وعندما علم الثوار في وقت لاحق هوية القتيل عادوا الى منزله وجمعوا كل ما وجدوه هناك من اجهزة كومبيوتر وهواتف وخطوط موبايلات وانظمة «جي بي اس» والاهم الوثائق. لكنهم لم يعثروا على قرآن في اي زاوية من المنزل.

قتل حجي بكر ووضع الثوار زوجته في الأسر قبل ان يقوم الثوار بطلب من انقرة بتسليمها لـ«داعش» مقابل بعض الاسرى الاتراك الذين كانوا لدى التنظيم. وقام الثوار بتخبئة وثائق بكر في احدى الغرف على مدى شهور.

وثائق سرية اخرى عن «داعش»

بعد موت حجي بكر بقيت الدولة الاسلامية تعمل بدون مصممها. فالدقة التي كانت خططه بها تنفذ اتضحت ايضا بعد العثور على مخبأ آخر لوثائق استراتيجية للتنظيم في حلب في 2014. فعندما كان عناصر التنظيم يغادرون مقرهم في حلب على وجه السرعة في كانون الثاني 2014 حاولوا احراق ارشيفهم لكنهم واجهوا المشكلة نفسها التي واجهتها الاستخبارات الالمانية الشرقية وهي مشكلة ان لديهم الكثير من الاوراق.

بعض هذه الملفات بقيت لم تمس وسقطت في ايدي لواء التوحيد اكبر الوية الثوار في حلب في حينه. وبعد مفاوضات مع المجموعة وافق هؤلاء على اطلاع «در شبيغل» على الملفات مع حق حصري لنشرها كلها الا لائحة بأسماء جواسيس لـ«داعش» داخل التوحيد. وبعد الاطلاع على الملفات ظهر انها تحتوي مئات الاوراق التي تكشف عن هيكل معقد لكيفية زرع جواسيس لـ«داعش» في كل الفصائل المعارضة بما في ذلك التجسس على «الداعشيين» انفسهم. وقد دون المتطرفون اسماء جميع الجواسيس الذين زرعوهم في شتى فصائل الثورة وايضا في ميليشيات النظام. ولفت التقرير الى ان الاوراق تحتوي ايضا اسماء جواسيس الأسد في كل التنظيمات والفصائل المعارضة (وفي هذا اشارة واضحة الى التنسيق التام والكامل بين النظام وداعش هذا اذا لم يكن الطاقم القيادي للتنظيم بأكمله من ضباط استخبارات النظام).

وقال الثائر الذي سلم الملفات للصحيفة الالمانية «انهم يعلمون اكثر بكثير مما نعلم». وتحتوي الملفات على تفاصيل شخصية بأسماء العناصر والجواسيس ومتطلبات كل فرد منهم بالاضافة ايضا الى طلبات انتساب الى داعش من اجانب ارسلوها معددين فيها مزاياهم القتالية ودوافعهم للانضمام. ومن الواضح ان داعش اراد ان يعرف كل شيء وفي الوقت عينه ان يخدع مؤيديه وعناصره لجهة اهدافه الحقيقية التي يسعى لتحقيقها. وتشمل الوثائق ذرائع تحجج بها التنظيم لاقفال مصانع ومصادرة محتوياتها وارسالها الى عاصمته الرقة. ومن جديد تظهر في الاوراق بصمات مخطط بكر كموضوع تزويج مقاتلي داعش من العائلات الثرية كما تحتوي ايضا على طلبات زواج لبعض المقاتلين وطلبات عفش منزلي لآخرين.

التمرد «الداعشي» على النظام

منذ مقتل حجي بكر وتوسع «داعش» داخل العراق بدأت بعض فرق التنظيم تتمرد على نظام الأسد وتغير تحالفاتها. ولا شيء يبرهن عن حالة التمرد هذه اكثر من المصير الأسود الذي لقيه عناصر الفرقة 17 من جيش الأسد. وفي تفاصيل ما جرى ان القاعدة العسكرية المعزولة بالقرب من الرقة وقعت تحت حصار الثوار لأكثر من عام ولكن داعش نجح في الحاق الهزيمة بالثوار وكسر الحصار وتحرير القاعدة لصالح قوات الأسد التي تمكنت من جديد من استخدام القاعدة من اجل تزويد الطيران الحربي بالوقود دون اي خوف من اعتداء. ولكن بعد نحو نصف العام، وبعد احتلال داعش الموصل واستيلائه على مخزون كبير للاسلحة هناك شعر بعض الداعشيين بالاكتفاء الذاتي الذي دفعهم الى الغدر بحلفائهم. فتوجه مقاتلو «داعش» الى القاعدة قرب الرقة وسفكوا دماء عناصر الفرقة 17 من جيش الأسد رغم انهم كانوا حرروهم من ايدي الثوار قبل اشهر.

مستقبل التنظيم

تكبد «داعش» الكثير من الخسائر على ايدي التحالف الدولي الذي يشن على مواقعه في العراق وسوريا غارات جوية منذ ايلول 2014، ولكن ليس هناك ما يستدعي التفاؤل بزوال وشيك لدولته المسماة اسلامية رغم الانتصارات التي حققها المقاومون الاكراد في تكريت وعين العرب. وقد يكون التنظيم فقد الكثير من عناصره لكنه لا يزال يوسع نفوذه في سوريا. وتبقى احدى نقاط ضعف التنظيم عدم خبرة عناصره في ادارة مساحات شاسعة من الاراضي. ورغم ان ابا بكر البغدادي هو الخليفة المعلن لهذه الدولة لكن لا احد يعلم حجم السلطة الحقيقية الموجودة في يده وهل يسيطر فعلا على الامور في هذه الدولة ويديرها.

وقد تكون الغارات الدولية دمرت آبار النفط والمصافي التي وقعت تحت سلطة داعش ولكن لا احد قادر على تجفيف الموارد المالية التي يجمعها التنظيم من سكان المناطق الواقعة تحت سيطرته فهو يفرض الجزية والضرائب واحيانا يصادر الممتلكات. فالتنظيم يعرف كل صغيرة وكبيرة في المناطق الواقعة تحت سيطرته ويعرف من هم الاثرياء ولديه معلومات عن المصارف والمكاتب العقارية. ولهذا بامكانه استغلال ثراء بعض العائلات لانتزاع الاموال منهم. ورغم عدم رضا هؤلاء عما يجري، لكن لا قدرة لديهم على احداث انقلاب مسلح ضد التنظيم.

ويختم رويتر تقريره محذرا الغرب من التركيز فقط على منع حصول اي اعتداءات ارهابية وتجاهل ان الصراع المذهبي بين السنة والشيعة يتأجج اكثر فاكثر واخذت ملامحه تتحدد اكثر فاكثر في العراق وسوريا واليمن الى حد يخشى معه انتقال الصراعات الى داخل المجتمعات التي تتألف من ناس يدينون بالمذهبين كما في لبنان والبحرين والكويت والسعودية

وفي هذه الحالة فإن البروباغندا التي يروج لها داعش عن قرب نهاية العالم قد تصبح حقيقة، فوسط هذه المعمعة قد تولد ديكتاتورية جديدة تستبد بالناس بإسم الله.

خلاصات

اكدت المعلومات التي انتقتها «شبيغل» من الوثائق السرية لـ«داعش» ومن تحرياتها الخاصة داخل سوريا، التنسيق والتعاون بين التنظيم ونظام الاسد. ليس هذا فحسب بل يروي التقرير الالماني كيف سارع نظام الاسد لدعم مشروع حجي بكر ومساعدته على بناء دولته، بما يضيف الى ما يعرفه المجتمع الدولي بأن نظام الاسد كان يشتري النفط من داعش اسهاما منه في تمويل الارهابيين.

وبرأت هذه الوثائق بشكل تام ساحة القيادي السابق في البعث العراقي عزة الدوري من اي علاقة له بـ«داعش» رغم ان الاعلام الغربي شدد في بروباغندا خالية من اي دليل على دعم الدوري للتنظيم. فلو ان الدوري كان فعلا رأسا مدبرا في «داعش» لكان اسمه حتما ورد في وثائق داعش وبدر ولكانت الصحيفة الالمانية سارعت الى نشر ذلك خاصة في هذا التوقيت التي ترد فيه تقارير تتحدث عن مقتله على ايدي الميليشات العراقية.

ان حادثة الفرقة 17 لا تعني بالضرورة ان التعاون بين النظام السوري والتنظيم انتهى فقد تكون حادثة التصفية تلك جاءت بأوامر من النظام نفسه بعدما شعر ان خدعته لم تنطل على العالم وانه بحاجة الى اظهار عداوة بينه وبين «داعش».

ان محاولة ايران ايهام المجتمع الدولي ان عناصر سابقين في البعث العراقي يقفون خلف توسع «داعش» في العراق قد تكون حيلة تستخدمها كورقة ضغط تروج فيها بقدرتها على وقف زحف «داعش» بالطريقة نفسها التي استخدمها نظام الاسد مع القاعدة ابان الغزو الاميركي للعراق. ولكن في الخفاء قد تكون ايران اعطت اوامرها للجيش العراقي بالانسحاب لـ«داعش» من المناطق الشمالية كالموصل التي تعلم هي جيدا انها ذات اغلبية سنية لتشويه سمعة الاهالي وخلق الاعذار لاقتحام مناطقهم وابادتهم.

والعلاقة بين ايران والاسد واضحة كعين الشمس. والتقرير الالماني يؤكد العلاقة بين نظام الأسد والارهابيين سواء اكانوا «قاعدة» ام «داعش».

لقد غررت قيادات «داعش» ببعض الشبان العرب من اصحاب النفوس الضعيفة واوهمتهم بحرب سنية ضد الشيعة واستقطبتهم الى داخل سوريا للمشاركة في حمام الدم المرتكب بحق السوريين. وتبين الوثائق ان «جبهة النصرة» على ما يبدو ليست حليفة «داعش» انما احدى فصائل الثورة التي نجح النظام في تشويه سمعتها.

اكدت الوثائق ان ابرز قيادات «داعش» لا علاقة لهم بالدين الاسلامي لا من قريب ولا من بعيد، كما ان معظم مشايخهم مزورون لا يفقهون شيئا في احكام الشريعة. وهذا دليل آخر على استهداف صارخ للدين الاسلامي وتحديدا سنة الرسول من اجل تشويه صورته محليا وعالميا.

وثائق “در شبيغل”: “داعش” صنيعة نظام الأسد لتشويه الثورة

المصدر:
Der Spiegel, المستقبل

خبر عاجل