بالصور: لبنانيان دخلا إدلب عبر مهرب يرويان لـ”النهار” تفاصيل الرحلة والمشاهدات

 

الصحافية كارول معلوف والناشط الإغاثي طارق أبو صالح

 

كتب محمد نمر في “النهار”:
لم يمنع إقفال الحدود التركية مع سوريا بعد تحرير ادلب، وتساقط البراميل المتفجّرة، وصور الخطف والقتل وقطع الرؤوس، والاجراءت الأمنية المشدّدة والانقسام السياسي، الصحافية كارول معلوف والناشط الإغاثي طارق أبو صالح من زيارة المدينة المحرّرة “المنكوبة”، فكانت مغامرتهما أشبه برحلة الحفاظ على الحياة لسبعة أيام، أرادا من خلالها نقل حال السوريين المؤلمة ويومياتهم القاسية في غياب الحد الأدنى للعيش.

رحلة عبر مهرب

روى أبو صالح ومعلوف لـ”النهار” تفاصيل مغامرتهما التي بدأت مع وصولهما إلى مطار اسطنبول صباح السبت في 11 نيسان. وكانت المحطة الثانية في مطار هاتاي في انطاكيا، حيث انتظرهما المهرّب وأمّن لهما منزلاً قريباً من الحدود للاستراحة فيه، بانتظار إشارة الدخول إلى سورياً.
وتقول معلوف: “يُعتبر المهرّب الذي سيدخلنا إلى سوريا الحلقة الأخطر، خصوصاً أن خطف غالبية الأجانب وتسليمهم إلى “داعش” او جهات أخرى، تم عن طريق المهربين، لكن نحن كان لدينا ثقة بالمسؤولين عن هذا الموضوع وهذا أمر أساسي في رحلتنا”.

 

 

عند الساعة التاسعة مساء أتت الاشارة من الداخل، فتجاوز الحدود التركية باتجاه سوريا لم يعد سهلاً بعد إغلاق الحدود. “كنا ننتظر تأمين طريقنا، فانتظرنا تبديل الدوريات التركية، بعدما لمس المهرّبون تشديداً أمنياً تركياً”، بحسب أبو صالح الذي اجتاز مع معلوف الشباك الشائكة ووصلا إلى المهمة الشاقة التي رسخت في أذهانهما. إنه جبل شبّهته معلوف بـ”جبل حريصا”، تراقبه القوات التركية من مواقعها، لكنها كانت الطريق الوحيد.
ظلام وأمطار ووحول وأشجار اجتازها الاثنان. ومن مهرّب إلى آخر استطاع المغامران الوصول. وتقول معلوف: “كان العبور خطراً، وسقطتُ أكثر من 15 مرة أرضاً بسبب الوحول والتعب، إنها مسافة طويلة وكنا نجتازها ركضاً، ولم نكن نرى شيئاً، وتدخل أغصان الأشجار في أعيننا، ولم نكن نعلم أين نتّجه”. ووصف أبو صالح صعود الجبل بـ “المشقّة الأكبر في رحلة الدخول، فالجبل كان ملغماً بالسابق، ويراقبه الأمن التركي عبر الكاميرات، وكنا نسير بسرعة من دون أن نتحدث أو يعلو صوتنا. وبعد رحلة الصعود بدأنا النزول إلى أن أصبحنا داخل الاراضي السورية”.
عند أسفل الجبل من الناحية السورية انتظرتهما سيارة لتقلّهما إلى منزل عائلة أبو يزن قائد لواء الغرباء التابع للجيش السوري الحر، في الجانودية في ريف ادلب، فوصلا إلى هذا البيت الآمن عند الساعة الحادية عشرة قبل منتصف الليل. ولفتت معلوف إلى أن “أبو يزن هو من نسّق لنا الدخول إلى سوريا وكان لدينا الثقة به وبعائلته”.

 

 

تعتبر الجانودية منطقة عسكرية تتبع لـ “جسر الشغور” حيث تدور معارك طاحنة، وكان لا بد من مرافقة عسكرية لهما، وتوضح معلوف: “رحلتنا كانت بتنسيق وحماية من لواء الغرباء وحركة أحرار الشام وعلم جبهة النصرة”. وكان لا بد من ثياب تتناسب مع النسيج الاجتماعي في ادلب، فارتدت الثوب الأسود الفضفاض وغطّت رأسها. أما أبو صالح فارتدى سترة عسكرية ووضع الكوفية حول رقبته. وتوضح معلوف: “لم يفرض أحدٌ علينا الحجاب أو ثيابًا معيّنة، بل أنا اخترت بنفسي هذا الأمر، فنحن ندخل إلى منطقة لا قانون فيها وأوضاعها الأمنية غير مستقرّة، وحتى لو كان دخولنا بتنسيق مع جهة معينة، إلا أنني ارتأيت ألا أدخل بشكل يختلف عن الناس في الداخل، فكان لا بد من أن أكون جزءًا من هذا النسيج الاجتماعي كي أتمّم هدف زيارتي، ولم أغط رأسي في بعض الاماكن”. ويكمل أبو صالح: “لم يكن معنا كاميرات أو أي أدوات تلفت النظر إلى اننا غرباء أو صحافيين أو ناشطين أجانب، وكنا نصوّر بهواتفنا، وتغيير شكل ثيابنا نابع من قرارنا”.

كان منزل أبو يزن الملجأ الليلي لمعلوف وأبو صالح. وفي صباح اليوم التالي بدأت الجولة برفقة قياديّ من “أحرار الشام” وناشطين من المجتمع المدني، فزارا قرى ريف ادلب ومخيمات النازحين والمدينة، واجتازا يومياً حواجز العديد من الفصائل، ومنها “جبهة النصرة”. وتقول معلوف: “كنا نرى مقاتلي النصرة في الشارع، لم يقتربوا منا، ربما لأن ثيابي كانت مناسبة فلم يكلّمني احد منهم، فأنا احترمت عاداتهم وتقاليدهم”. ويتابع أبو صالح: “لدى أحرار الشام حاضنة شعبية كبيرة جدا، لانهم لا يتدخّلون بحياة الناس، وهم معتدلون ولم يحكِ أحد عن جلْدٍ أو امور مشابهة، كما أن النصرة كانت تعلم بدخولنا وقد مررنا على كثير من حواجزها، وكانوا يلقون السلام علينا فنردّه، وأحيانا يُحذِّروننا من عدم المرور بطرق معينة، لكن لم يطلب أحد منا مالاً”.

 

 

مروراً بكفرنبل…

“زرت وسط المدينة المحرّرة حيث دوار المحراب والمتحف، وأيضاً كفرنبل ومعرة النعمان والتقينا بناشطين معروفين كهادي العبد الله ورائد فارس”، تقول معلوف، أما أبو صالح فكانت له زيارات أيضاً إلى معبر باب الهوى ومناطق حدودية، كما استطاع أن يصل إلى حلب.
لم يكن معلوف وابو صالح وحدهما، فإضافة إلى المرافقين السوريين، كانت البراميل المتفجرة تلاحقهم، وهو أكثر ما أخافهما ودفع معلوف إلى البكاء، وتقول: “كانت الطائرات لا تهدأ، فهي تحوّم في سماء ادلب في شكل مستمرّ، وتعايشنا مع هذا الخوف طوال سبعة أيام، ففي ادلب يكفي أن ترفع الناس رأسها باتجاه السماء، حتى يدرك الآخرون ان هناك طائرات، وأن إمكانية القصف حاضرة في أيّ لحظة. تأثّرت جداً عندما شاهدت سقوط أحد البراميل في معرّة النعمان بعد خروجي منها لأنني فكّرت حينها بالاشخاص الذين أصابتهم، فرؤية البرميل عبر التلفزيون مختلفة عمّا هي في الواقع، أكان بشكله أو صوته المخيف”. ويقول أبو صالح: “أصبحنا نرى البراميل بأعيننا ونخشى ان تسقط علينا، لكنّي اعتدت عليها… هناك الاطفال يبحثون عن الطائرات بأعينهم ويعرفون اذا كان نوعها سوخوي أو ميغ او هيليكوبتر أم غير ذلك، فكان لدينا ثقة بمن كنا معهم”.

 

 

مجتمع مدني؟

سألنا معلوف هل أصبحت ادلب اسلامية؟ أجابت: “سوريا تعيش الحرب ومن الطبيعي أن يحكم المقاتلون المنطقة التي يحرّرونها طالما أنهم اول من دخلها، لكن من المؤكّد أن ادلب ستكون بإدارة مدنية. فقبل زيارتنا كان هناك مؤتمر عام لمحامي ادلب في الداخل للبحث في مواضيع المحاكم والإدارة المدنية”، وتضيف: “الامور تحتاج إلى وقت، ولا شك أن طابع المقاتلين في الداخل إسلاميّ، لكنهم ليسوا تكفيريين أو قاطعي رؤوس، ولا شكّ أن البعض يفضل الشريعة الاسلامية، لكن ما يحصل هو ان هناك عملاً من المجتمع المدني لبسط ادارة مدنية، وفي مقابلتي مع أحد قادة جيش الفتح من أحرار الشام، أكّد لي ذلك وأنهم سيكونون الضامنين لهذا الامر”.

وتضيف: “حالياً المناطق تذكرنا ببيروت الغربية وبيروت الشرقية، فكل مجموعة تفرض قوانينها على المنطقة التي تسيطر عليها، لكن ما لاحظناه أن النصرة خفّفت من تشدّدها بعدما لامست مقاومة أهلية تجاه هذا الامر، إذ حصلت تجاوزات كثيرة بعد تحرير المدينة سواء لناحية حق المرأة أو المواضيع الاجتماعية الاخرى، والمشكلة الاكبر كانت مع المهاجرين (المقاتلين الاجانب) الذي أرادوا فرض آرائهم بالفصل بين المرأة والرجل مثلاً، لكن واجه المجتمع المدني هذه الامور بدعم من احرار الشام”.
يرفض أهالي ادلب ذكر اسم “الائتلاف” أو أي معارضة خارجية، وتقول: “انهم يكرهونهم أكثر من الأسد، ويعتبرون أن معارضي الخارج سرقوا الثورة والدعم، وما يريده أهالي ادلب هو حكم محلي، فهم يعتبرون أن من بقي في ادلب تحت القصف هو الأحق بإدارتها مدنياً، وأن المقاتلين الموجودين حالياً سيكونون الشرطة الخاصة بإدلب”.
إنسانياً تصف معلوف ادلب بـ “المنكوبة”، وتقول: “لا يوجد أيّ نوع من الخدمات، لا مياه، لا كهرباء، لا هاتف، أما المستشفيات فوضعها سيّئ، فالنظام عندما يخرج يقصف البنية التحتية بأكملها ولا يترك للناس أي شيء، إنه شبه انتقام”. ويروي أبو صالح تفاصيل زيارته للمدينة حيث تناول الطعام هناك وزار سوق الخضر الذي قُصِف في اليوم التالي، ويقول: “لا وسائل حياة في ادلب، وليس هناك سوى مكان واحد بجانب دوار المحراب يمكن استخدام الانترنت الفضائي وبإرسال سيّئ، فاضطررت الى التوجّه إلى هناك كي أتواصل مع كارول”.

 

 

ماذا عن المتحف؟

ولا ينسى شاباً قابله وأخبره عن قصة التعذيب الذي تلقّاه في سجن النظام، “كان عمره 15 سنة حينما تم اعتقاله لـ 60 يوماً. فوضعوه في زنزانة مع 70 شخصاً وعذبوه بالكهرباء… واليوم بات مقاتلاً ومهرّباً”، يقول ابو صالح. ماذا عن المتحف؟ يُجيب: “ليس مسروقاً، هناك دمار لكن كل اللوحات تمّ جمعها في غرفة واحدة، كما ان الجرار والقطع الاثرية لا تزال موجودة في المتحف والفصائل تحميه”.
التقى أبو صالح مع مسؤول الاغاثة في “احرار الشام” واطلع على حال السوريين، خصوصًا النازحين في ريف ادلب والمناطق الحدودية، ويقول: “نزح كثيرون إلى مخيمات بجانب نهر العاصي بعد تحرير حلب وبدء القصف، ومنهم من يحتاج رغيف الخبز، ومنهم من له في المخيمات 3 سنوات”، مضيفاً: “وضعهم المعيشي سيّئ، يشربون مياهاً فيها حشرات صغيرة ورمال”. تتوافر الكهرباء في بعض مناطق ريف ادلب لمدة ستّ ساعات يومياً، “انها مولدات، اما الغاز فلا وجود له هناك، بل يعتمدون في أكلهم على الحطب ورغم حالتهم كانوا كرماء جداً”.

 

 

احتمال التوقيف

حاول كثيرون لفت انتباه معلوف وابو صالح إلى إمكانية توقيفهم في مطار بيروت فور عودتهم، لكنّ جوازيهما لم يكونا مختومين من “الجيش الحر” لأنهما لم يمرّا عبر معبر باب الهوى، وتقول معلوف: “لم يعترضنا أحد في لبنان، وكنت على اقتناع أن لا شيء يمنعني من الذهاب إلى هناك، فأنا صحافية واستطيع أن أجول في كل مكان، فأنا لم أدعم بسلاح أو أُرسل الاموال، ذهبت كصحافية ومن يريد محاسبتي فليحاسب من يذهب إلى القتال”. لكن ذلك لا يهدّئ خوف معلوف “من الذين سيزعجهم كلامها”.
وابو صالح ايضاً لم يكن يخشى شيئاً، ويقول: “لا قانون يمنعنا من دخول سوريا، فأنا لم ادخل للقتال، بل بورقة وقلم لأسجّل حال الناس هناك، ومن يتجاوز الخوف من البراميل المتفجّرة لن يخشى أيّ شيء في لبنان”. انها رحلة لن ينساها ابو صالح ومعلوف، خصوصّا أنّهما أصبحا “أول أجنبيّين يدخلان ادلب بعد تحريرها”، على حد قولهما.

 

 

المصدر:
النهار

خبر عاجل