.jpg)
“نشوف وجكن بخير”… وغاب الوجه 11 عاماً تحت الارض. اعتقل، سُجن، تحرر وبدأت الحكاية. التفاصيل مهمة جداً لكن النتائج هي الاهم.
جلس شاب في العشرين، في الجامعة حيث يدرس الحقوق، منذ كان في الرابعة عشرة وهو مناضل في “القوات”! أمر غريب بالتأكيد، في المدرسة كان ينظم الرحلات تحت اسم “القوات”، ويقوم بنشاطات ترفيهية للاولاد، من بينها مسابقات في الانشاء عنوانها العريض سمير جعجع، وكان يخصص جائزة مالية رمزية لأفضل موضوع، يأخذ المال من والده المناضل العتيق ومن بعض رفاقه المشاركين معه في النشاط، ليتمكنوا من تقديم الجائزة كما وعدوا المشاركين. لم يعرف سمير جعجع ولم يلتقه يوما حتى الآن، لكن تحوّل الرجل بالنسبة اليه، الى مثاله الاعلى في الحياة وفي كل الاتجاهات.
جلس الشاب الى الكومبيوتر يحضر تقريراً عن اعتقال سمير جعجع، لم يعجبه التقرير، “ناقص” قال، ما ينقصه؟ “أهم التفاصيل رفيقة انو جعجع خلّفنا”!!! هكذا حرفيا أجاب. لم يكن الامر يحتاج الى كثير من الشرح لفهم المقصود من الكلام، لكن هي الدهشة في جيل رغم كل شيء يعتبر نفسه من “أبناء” سمير جعجع الذين لم يلدهم من صلبه. هذه حكاية أبوّة عميقة، تواصل، حكاية عجيبة نادرة غير عادية استثنائية، هذه حكاية احترام وانتماء ليس الى شخص، انما الى رمز القضية.
“نشوف وجكن بخير”، غاب وجهه لكنه حضر في كل التفاصيل المخيفة والحلوة والمرة، هي كانت تفاصيل نضال ليس أقل، تفاصيل عاش بها ومن خلالها وفي قلبها أطفال ومراهقون صاروا الان رجالاً في القضية، هذه هي الوجوه التي أراد سمير جعجع أن يراها بخير، ورآها.
جيل كامل من “القوات” خلّف وراءه، جيل بكامله يحكي قصته باعجاب شديد وتبنى ليس قضية أسره وحسب، انما قضية القوات، “ليش ما قلتوا هيك بالتقرير؟”، سأل الشاب الصحافية، لم تجب كاتبة التقرير، لم تجد الكلام المناسب لترد، لان الدهشة بعمق ايمان المناضل، بانتمائه الى قضيته كان أقوى من الاجابة، ضحكت، تقدّمت منه، قبلته ” ما في احلا منك أنت رائع صار لازم تتعرف انت ورفاقك من قرب ع الحكيم وتتناقشوا معو بكل الافكار” وقالت له ستقرأ ما قلته لي في مقال عبر موقعنا.
في ريبورتاج كان أعده جهاز التواصل والاعلام عن زنزانة سمير جعجع، يقول الاسير السياسي الاشهر في الشرق ربما، فيما يقوله، ان كان بامكانه في ذاك الوقت، العمل بنصائح الجميع من حوله والهرب خارج لبنان لانه كان قادراً على ذلك، لكنه لو فعل ماذا كان حلّ بقضية “القوات اللبنانية”، بالشباب عموماً، بنفسه بقناعاته بضميره؟
“اذا طلعت بنتيجة من هالأسر الطويل فهو اني قدرت حافظت على عقلية المقاومة وما استسلمت وحميت حريتي” هذا كلام من تحت الارض حيث لا شمس، لا هواء نقياً، لا ناس، لا تواصل، لا شيء الا هو ونفسه المتمردة وربه المحيط به شمساً من كل الاتجاهات. “ع القليلي رفضت منطق الاستسلام والعقلية الانهزامية وتركت تأثير على أجيال كاملة بهالاطار انو حرية الرأي هي أهم ما في الانسان”…
لا نروي حكاية لا يعرفها كثر، الكل صار يعرف كل التفاصيل، لكنها حكاية لا تنتهي فصولها، وفصولها هي الحاضر وليس تاريخ الزنزانة كما يظن البعض، فصولها ذاك الجامعي الرائع وآلاف يشبهونه، الالاف ليس أقل، هذا نضال سمير جعجع، هذه ثمرة “القوات”، هؤلاء أبناؤه وبناته، هذه حرية جعجع في تلك الزنزانة تحت الارض.
ليس شعراً القول انه أسر سجّانيه، هو فعل ذلك فعلاً، الحر من كان ضميره حراً وقلبه متفلّت من كل العبيد المأسورين بالحقد، حر لانه لم يحقد، لم يستسلم، لانه تمسك بأصوات التعذيب التي كانت تتناهى اليه من خلف الاسوار، فقرر أن الصوت هو مدى القلب وفي القلب أغلال العالم لا تفيد طالما رياح الحب تعصف…
كانت الزنزانة رياح الارض حيث اُسر بالحب، وكانوا هم العبيد في الارض المتفلتة من الاغلال لكنهم الان جميعا جميعا أسرى الاغلال والتاريخ ولا نريد أن نحكي عن اللعنات كي لا تكون الخاتمة في السخافة… هذا مقال هدية للشاب الجامعي رفيقي، وكل من يشبهه من الشباب والصبايا المناضلين المناضلات أبناء زنزانة سمير جعجع…
