في ذكرى مغادرتي قسراً وطني الحبيب لبنان، أود ان أوجه تحية اكبار لكل رفيق مقاوم ضاق به الوطن الذي دافع عنه فاضطر لهجره قصراً، لأسباب أمنية، بدل أن ينعم بالبقاء فيه قرب أهله على غرار الآخرين مقاومين كانوا أو “مسالمين”.
أود اليوم أن أتكلم عن هذه الفئة التي غالباً ما تحسد على انها خارج لبنان وتنعم بما هو متوفر لها… فيما هي عانت وتعاني من امور كثيرة تضاهي في أغلب الاحيان ما يعاني منه القاطنون الصامدون فيه. وأود أن أخص بالذكر اليوم من انتقل بالسكن الى الخارج وبقي هماً وروحاً ونضالاً ووجداناً في عمق الوطن.
فالمعاناة بدأت بالطرق المذلة التي خرجوا بها من لبنان، ولأكثريتهم كان السفر الأول الذي يقومون به في حياتهم. تبعه مسيرة طويلة وشاقة لإيجاد مسكن وعمل وأوراق إقامة ليصل صعوداً بعد عدة سنوات الى نقطة الصفر في الحقوق المدنية المتوفرة لأي مواطن في البلد المضيف.
كما واجه هؤلاء محتل لا يقل خطورة عن احتلال وطنه. فمنهم من حاول الاستلحاق بالحياة الطبيعية فتزوج ليبني عائلته، وبدأ في مواجهة تحدي جديد الا وهو المحافظة على الطابع اللبناني لعائلته من ثقافة وتراث وتقاليد وخاصة اللغة لأنه في توق دائم للعودة الى لبنان. ولكن ماذا يفعل مقابل ما قاله مهاجر سابق، جبران خليل جبران: “اولادكم ليسوا لكم، أولادكم أبناء الحياة”. وإذ به يقاوم، بدلاً من احتلال ارضه، احتلال ثقافة أخرى عقول وأولاده.
بالرغم من كل هذه المعاناة تجمع هؤلاء المقتلعون من جذورهم خلايا عمل في اسقاع الارض يعملون بجهد اسثنائي وبما توفر لتحرير الحكيم من سجنه الصغير ولبنان من سجنه الكبير فكانت الاتصالات بحكومات بلادهم، والتظاهرات، والاتصال بمنظمات حقوق الانسان، وجمع شباب “القوات” المشتت في اصقاع الأرض، واقامة المؤتمرات، وانشاء أول موقع لـ”القوات” على شبكة الانترنت الى لائحة طويلة من الخطوات التي ساهمت بإبقاء الشعلة مضاءة خلال كل فترة الاحتلال السوري للبنان.
مرت السنوات بحيث أن بعضهم لم يستطع أن يودع من سبقنا الى دنيا الآخرة من أهله لتبقى حرقة في القلب فوق جمرة المنفى.
ثم أختلف المسار. فمنهم من عاد الى لبنان بعد خروح المحتل سنة 2005 فيما بقي الآخرون مكبلين بظروفهم العائلية والوظيفية.
ثم جاء الربيع العربي من جهة والازمات الاقتصادية في دول الغرب من جهة أخرى لتؤدي بالبعض الى هجرة قسرية جديدة بحثاً عن لقمة العيش والاستقرار وأحياناً بعيداً عن العائلة التي كبرت وأصبح من الصعب جرها كلما اضطرت الظروف.
هذا غيض من فيض يعيشه المقاومون المهاجرون والمنفيون.
فما سبق يؤكد انهم ما زالوا من اعداد المجتمع المقاوم ولو فصلتهم عن الوطن مسافات بعيدة لم تعد في الحسبان بعد أن أصبح العالم بمثابة قرية في ظل التقنيات الحديثة، والتي ابدعوا في استعمالها للبقاء على تواصل مع رفاقهم وقيادتهم طوال هذه السنين.
فألف تحية لهم.