كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1499:
توقّف. قل الله، أنظر الى فوق، سلّم على العذراء مريم، صبّح الشمس، قل الله يديمها نعمة ما زلنا في لبنان، أنا في جنوبه، هنا حيث ينهمر الشلال وتروي الوادي حكايات مرصوصة من أعالي الجبل، ومن قاطع الى قاطع تخبر حكاية من حكايات المقاومة، هي بعضٌ من بعض حكاية جزين. مرحبا أنت في الجنوب…

ع البركة عَمْ. أهلا تفضلي كوليلك لُقمة… هي لغة جزّيني عتيق، ما أطيب الأطباق هنا؟ الكبّة المحشوة باللبنة والقورما أم رغيف سخن ينتفخ أمام ناظريك ولا تتحمل أن يصل الطاولة فتلتهمه هيك حاف؟! في النهاية ستأكل ولا يهم ما الطبق، كلّه طيب ونظيف وأشهى أطباق جزين، أخبار المقاومة فيها، ليس جزين الضيعة وحسب إنما جزين المنطقة، بعض من حكايتنا ونضالنا حيث العز تجاور والذل، والهزيمة والانتصار، وحيث الاحتلال المشكّل بين السوري والإسرائيلي، حفر في المكان خيوطا سوداء، مُحيت بعضها ولكن بقي… الأشد سوادا بعد!
لـ بيشرب من شلال جزين بيشفى من أول نقطة، مقولة مشهورة لأهل المكان، لكن شلال جزين بهديره الصاخب، لم يتمكّن من ردع الغادرين والطامعين عن تلويث مياهه بشفاههم وأرجلهم وأوساخهم حين حاولوا حتى مصادرة المياه والشلال والأنهار وأرواح الناس وكراماتهم أولا وآخرا.
هي قلعة الوجود المسيحي الحر بالجنوب، قال مرّة الدكتور سمير جعجع، والقلعة تلك لم تشهد تاريخا كله غار، إذ عاشت جزين زمنا أسود ككل لبنان، حين عبر فيها الاحتلال السوري ثم الاحتلال الإسرائيلي. ثمة جسر هناك عند مداخلها يقولون إن اسمه “جسر الخلاص”، ختيار شاب من جزين البلدة يخبر قصته، يقول إن الجيش العثملّي كان ممنوعًا عليه دخول جزين لأنها كانت تابعة لمتصرفية جبل لبنان، فيقف عند أبوابها متحسّرا غاضبا، عند المدخل ثمّة جسر كان الأهالي يسمحون بعبوره للعسكر الأتراك الفارين من الخدمة فأطلق عليه هذا الاسم “كل عمرنا مطمع الغريب وكل عمرنا نصدّن وما نخفش من حدن” يقول مناضل قواتي عتيق.
منذ اندلاع الحرب في العام 1975 وقافلة الشهداء في جزين لم تُختم بعد، نحو مئتي شهيد من أين انهمر كل هؤلاء؟ صحيح أن لا جبهات نصبت في قلب جزين البلدة أو المنطقة، انما دارت الحروب من حولها لان الاحتلال حام من حولها كنحلة تسعى لامتصاص رحيق زهرة، كانت جزين الزهرة والاحتلال عقصات الدبور تراقصت حول أبنائها ومصيرهم.
عاشت جزين وخصوصا منذ دخول السوريين إليها في السبعينات كل طقوس الاحتلال، خرج السوريون فدخل من يوازيهم سوءا، الاحتلال الإسرائيلي، كانت موازين القوى تتبدل في المنطقة ومحكوم على المسيحيين البقاء بشروط الآخرين، دخلت “القوات اللبنانية” جزين في العام 1982 حيث بقيت لثلاثة أعوام، وعندما أرادت الخروج فلأنها كانت مطمئنة الى أن المنطقة ستكون أمانة في يد الجيش، وكانت المفاجأة الصاعقة بأنه تم رفض نشره في المنطقة التي حظيت برعاية بابوية موقتة، ضاعت بعدها الأمانة وغرق المكان بالتهجير والفوضى والدماء، وغرق الجنوب الحزين بالفوضى والعار، وتحوّل من دافع بأرواح شبابه وقاتل وناضل حتى الرمق الأخير الطلقة الأخيرة على جبهات الجنوب كافة، صار متهما بالتهجير والقتل والحرق…

عبرت الأيام، وفلش الاحتلال السوري كل أجنحته السود ووضع هدفه المباشر المعروف المعلن، “القوات اللبنانية”، ودخلت جزين منظومة القمع اياها على يد النظام الأمني اللبناني السوري، ولتتجدد حكايات الذل والاعتقالات والاستشهاد. لم يستكن الشباب ولم يخضعوا كما أراد الاحتلال، اذ أرادت جزين أن تكون جزءا لا يتجزأ من منظومة المقاومة، “كنا بس بدنا نتلاقى نروح ع البساتين نعمل حالنا عم نشتغل بالأرض، ومتل الحراميي نهرب ع الحقالة حتى نقدر نتواصل من دون مراقبة المخابرات” يقول المناضل القواتي فادي باسط، كان يلتقي الشباب سرا حين يريدون تنظيم تظاهرة او المشاركة في قداس الشهداء في كنيسة سيدة النجاة في جونيه او في حريصا او، في ايام الاحتلال الاخيرة، حينما كانوا يخططون للمشاركة في اعتصامات بيروت.
تحدّى الشباب كل شيء فوق، تحدّوا “حزب الله” الذي فرض سطوته على المنطقة بقوة السوريين، وتحدوا السوريين بفرض مقاومتهم ومشاركتهم بكل ما يمت الى “القوات اللبنانية” بصلة رغم الحظر والمنع والاعتقالات.
مرة ثانية أين استشهد أبناء جزين؟ كل المناضلين الأحياء يجيبون إجابة موحدة غير متفّق عليها، على جبهات لبنان، هناك هنالك هنا. توزّع شباب جزين حيث ندهتهم المقاومة، منهم من استشهد في عين الرمانة، منهم من حُفرت دماؤه فوق تلال زحلة، ومنهم على درب السيم وشرق صيدا وقنات والاشرفية ومعركة الجبل…عند كل جبهة لهم حكاية، وفي قلب جزين المنطقة والبلدة الف حكاية مع ذاك المحتل الذي ملأ دروبنا جهلا وموتا، “ما كانت جزين جبهة كبقية الجبهات لأن كان ثمة اتفاق بين السياسيين على تحييدها عن حرب الجبل” يقول المناضل مارون يوسف غنام، “شهدا جزين كانوا مقاتلين شرسين أقوياء استشهد لنا الكثير منهم في حرب الجبل، هني صفحة رائعة من صفحات عز جزين”. ويخبر غنام أنه ذات يوم جاءت إليه الراهبة المسؤولة عن مدرسة القلبين الأقدسين تخبره أن مئة تلميذ من الدروز تغيبوا عن الحضور من منطقة الشوف القريبة بحجة المرض، وعلى الفور أصدر غنام أوامره بإعلان الاستنفار العام وجهّز المدفعية، إذ اعتبر أن ثمة عملاً عسكريًا يجهّز على “القوات” من قبل الاشتراكيين، واستنفر الشباب عند الجبهات وفي قلب المنطقة، وتبين لاحقا أن أحد الدروز كان توفي قتلا وشارك الطلاب الدروز بدفنه، يخبر غنام هذه الرواية ليوصل رسالة بأن المنطق العسكري الذي لا يقبل إهمال أي تفصيل، كان يفرض نفسه على الأرض. وهذا ما كان يفعله مقاومو “القوات” في كل الامكنة، وهذا ما جعل من المنطقة الشرقية آنذاك سويسرا الشرق كما كان يطلق عليها قبل ان يجتاحها مغول العصر الحديث، الاحتلال السوري.
لم تسلم جزين البلدة من معتقلات بشار الأسد، اذ غُيّب في سوادها ثلاثة من شبانها، منهم من أمضى عشرة أعوام ومنهم خمسة عشر عامًا، ولمّا خرجوا ما كانوا بحال طبيعية، شفي اثنان منهم أما الثالث فما زال يعاني ندوبا في الجسد والعقل والروح، “وكيف بدنا بعد نسامح؟” يقول مناضل، أكثر من ذلك، شبان آخرون لوحقوا بتهمة العمالة لاسرائيل ولحقت بهم اللعنة حتى اليوم، خصوصا انها التهمة الاسهل، تهمة معلّبة جاهزة كان ينتشلها نظام الوصاية وأعوانه من رف الجهاز الامني ويلصقها بمن يشاء ساعة يشاء.

لم يخرج شباب جزين من دائرة المقاومة حتى اللحظة الاخيرة، لحظة جلاء الجيش السوري عن لبنان، ذهبوا بغزارة الى ساحة الحرية، نصبوا الخيم في ساحة البرج، كانت خيم “القوات اللبنانية”، طالبوا بتحرير الأسير سمير جعجع، بجلاء الاحتلال، نظّموا التظاهرات، تحايلوا على عيون الاحتلال ومساعديه، على الحزب وعلى المخابرات، صرخوا في قلب الساحة وبالصوت العالي، وكانوا مع من كانوا حين ضحك لهم الجيش اللبناني فأخترقوا الساحة وصار ما صار وكانت “14 آذار” المجيدة تلك وكان الجلاء…
لكن، لحظة، لم نختم الموضوع بعد، ثمة ما هو أخطر بعد، تم الجلاء صحيح، لكن ليل جزين ليس هانئا هادئا كما يتوهّم البعض، لم تعد جبال جزين تتفجّر مياها وحسب، في قلب جبال جزين تتفجّر الصخور وتتطاير الحجارة لتتحول ترابا والتراب أرضا وأنفاقا يحفرها “حزب” هناك ليؤمن ممراته العابرة من قلب الجبال، وليتحوّل الوعر الى طرق تجعل من لبنان ومناطقه دائرة واحدة متراصة مقفلة تؤمن العبور العسكري المخابراتي لشبكة مواصلاته واتصالاته ما غيرها، هذه جزين عسكريا الآن، هذا لبنان كله الآن، هو إذن وجه آخر للاحتلال؟ كيف تصبح محتلا من أبناء البلد؟
“كل عمرنا نقاوم ونقاتل هلأ صار بدنا نستسلم؟ مستحيل” يقول القواتي العتيق ما غيره، وما زالت جزين تقاوم كيف؟ بالحضور القواتي القوي بين الناس، بالنشاطات التي لا تهدأ، بالاحتفالات، بالمشاركة في كل استحقاق سياسي انتخابي اجتماعي وما شابه، في كل منطقة لها معبر منبر ناس تحكي بها وعنها، والأهم أن جزين وحتى في عز الاحتلال لم تنسَ يوما شهداءها، لأجلهم تدشّن نصبا هنا او هناك، لذكراهم تقيم الصلوات، لعيونهم التي لا تغيب تتلى الصلوات، وبعد؟ أنت الذاهب الى جزين لتمضي زمنا حلوا مستقطعا من زمن اللاانتماء واللاإيمان واللاكرامة، تذكّر وأنت تنظر الى وجه العذراء، والى ذاك الجسر، وتلك الشمس، وعندما تتذوق من تلك المائدة، وتمشي على رصيف تلك الطرقات، وتتشمس بضوئها ويلقي الليل عليك نعمة نهار آفل على النهاية، لا تنسَ على رغم ما تسمعه أحيانا في ليالي الهدوء من أصوات تنذر بشؤم ما، ان لولا استشهاد المقاومين لما بقيت تلك الأرض ولا أي أرض، وأن الرحيق الذي يعبر في المكان هو من نحل المقاومة ولا مقاومة حقيقية إلا من قال لبيك لبنان، وهنا هنا تماما كانت المقاومة اللبنانية…

ع البركة عم. شو بعدك هون؟ ميلي تعشّيليك لُقمة… شبعت من أخباركم، لكن لم تخبرني أنك مقاتل سابق في “القوات”، يبتسم ويدخل الكنيسة “كان لازم تعرفي لحالك ما شفتي الصليب برقبتي؟ جزين كمان كانت صليبنا وقيامتنا”… ودخل في المسبحة.
*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.
