
كتب مراد مراد في “المستقبل”: تزداد محنة البشر في الشرق الأوسط وأفريقيا يوماً بعد آخر بسبب جروح أربعة دامية لم يجد المتجمع الدولي حلاً لها في كل من: سوريا والعراق وليبيا ونيجيريا. ومع عجز الأمم المتحدة أمام بطش الأنظمة القمعية كنظام بشار الأسد واتساع رقعة الإرهاب المتمثل بـ”داعش” و”القاعدة” في البلدان العربية و”بوكو حرام” في قلب القارة الأفريقية، يبدو جيل الشباب على طول هذا الحزام الناري متشائماً متخبطاً في هروبه من الوحش الأسود الذي أفلحت البروباغندا الإعلامية العالمية بما فيها وسائل الإعلام العربية، في تضخيم حجمه الى درجة خيل لهؤلاء الفارين من بطشه أن أوروبا هي الجنة الموعودة وأن مراكب الهجرة غير الشرعية هي وسيلة الخلاص.
أعداد المهاجرين الذين غرقت مراكبهم وسط البحر الأبيض المتوسط منذ بداية هذا العام هي ضعف عدد الضحايا الذي سقطوا خلال الأشهر نفسها من العام الفائت 2014. وهذا ما يدل على أن المصائب تتعاظم ووقعها يتسارع بوتيرة مرعبة تترك بصماتها القاتمة على جبين الحضارة الإنسانية في منتصف العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين الذي سيكون “عار المتوسط” أحد عناوينه المشؤومة.
فغرق المئات أول من أمس وهم في طريقهم على متن سفينة صغيرة للموت من ليبيا الى ايطاليا، دفع رئيس الوزراء الايطالي ماتيو رنزي وقادة الاتحاد الأوروبي الى إدراج موضوع هؤلاء المهاجرين بشكل طارئ أمس على جدول أعمال مجلس خارجية الاتحاد الأوروبي في اللوكسمبورغ، وشارك في اللقاءات أيضاً وزراء داخلية وعدل البلدان الأوروبية الـ28 أملاً في وضع استراتيجية ما توقف ظاهرة مراكب الموت، وفي الوقت عينه تضع إجابات للهواجس التي تنتاب هؤلاء المهاجرين وتدفعهم الى الرمي بأنفسهم في التهلكة هرباً من أوطانهم الأم التي أصبح العيش فيها يشبه الجحيم.
ولكن قادة الاتحاد الأوروبي يعلمون جيداً أنهم لا يملكون عصا موسى التي تمكنهم من شق البحر وأنهم لا يستطيعون حل هذه المشكلة بشكل سحري وسريع. فبينما كانوا يعقدون مباحثاتهم أمس للنظر في استراتيجية مشتركة كانت مراكب أخرى تطلق نداءات استغاثة وتغرق قبالة الشواطئ الأوروبية الجنوبية.
وكان رئيس الوزراء الايطالي ماتيو رنزي دعا الأحد إلى عقد قمة أوروبية عاجلة لاتخاذ موقف تجاه الهجرة غير الشرعية قائلاً إن “التهريب والاتجار بالبشر أصبح أزمة في قارتنا”.
واقترحت المفوضية الأوروبية أمس 10 خطوات “فورية” لمواجهة الوضع المتأزم في المتوسط بعد مقتل مئات المهاجرين نتيجة غرق المراكب التي تقلهم، من بينها تعزيز عمليات الرقابة والإنقاذ في البحر. وقالت المفوضية إن هذه الخطة التي عرضتها أمس في اللوكسمبورغ “حظيت بالدعم الكامل والموافقة المبدئية من قبل وزراء الخارجية والداخلية والعدل المجتمعين أمس في لوكسمبورغ”، وستسلم هذه الخطة الى قمة رؤساء دول وحكومات الاتحاد الأوروبي المقرر عقدها الخميس في بروكسل.
وعلمت “المستقبل” من مصدر أوروبي أن أبرز نقطة في هذه الخطة هي تعزيز قدرات برنامج خفر سواحل أوروبا الجنوبية المشترك الذي يعرف باسم “تريتون” ومنحه القدرة على تدمير جميع المراكب (بعد إفراغها طبعاً) التي يستخدمها المتاجرون بالبشر في نقل المهاجرين غير الشرعيين، وتتضمن النقاط الأخرى تأمين مغريات للاجئين تتم إعادتهم من خلالها الى مواطنهم الأم ونشر موظفين أوروبيين في الدول التي يأتي منها اكبر عدد من اللاجئين في سبيل العمل على الحد من هذه الموجة.