.jpg)
المنطقة على فوهة بركان، ودولها تتآكلها الصراعات من داخلها، أمّا في لبنان فما ميّزه عن غيره أنّ الصراعات فيه وخارجه. فيوم قرر “حزب الله” الدفاع عن مقدساته خارج لبنان وصل الى اليمن وما أدراكم عن أيّ مقدّسات هناك؟
إنّ الحزب لم ولن يبحث يومًا عن ذرائع، بل يكفيه فقط أن يناصر “أهل البيت” أينما وجدوا في اليمن أو في العراق أو في البحرين أو في سوريا لا يهم. إنّ سياسة الحزب لم تعد كما كانت في بداياته حيث نصّب نفسه حركة المقاومة الوحيدة في جنوب لبنان وأناط بنفسه مهمّة التحرير التي تحققت في العام 2000، إلا انّ رفضه الاعتراف باكتمال التّحرير واحتفاظه بشمّاعة مزارع شبعا، بالتّعاون مع النّظام السّوري الذي قدّم للحزب ما لا يقدّر بأثمان، فسلّطه على كلّ لبنان سياسيًّا وأمنيًّا وحتّى عسكريًّا، من هنا كان التّكليف المباشر لـ”حزب الله” بتولّي زمام الامور في لبنان من قبل النّظام السوري بعد انسحابه، هذا الرّفض بالاعتراف بالواقع الميداني سمح للحزب الاستمرار بهويته العسكريّة.
أمّا اليوم وقد حان وقت ردّ الجميل، فلقد بات “الحزب” قاصراً عن العودة إلى لبنان، بعد أن تعدّى وجوده في سوريا مجرّد الحضور، وصار أكبر بكثير من الأهداف التي أعلنها، إن من حيث الدّفاع عن المقامات الدينيّة، أو من حيث الدّفاع عن اللبنانيين المقيمين في القرى الحدوديّة. ليظهر بعدها الحزب على صورته الحقيقيّة التي لطالما جاهد لإخفائها، الا أنّه اليوم لم يعد قادرًا على الظّهور الا كالأداة التي تنفّذ للنّظام الايراني مهمّاته الوسخة. كلّ هذه المهمّات تولّى إدارتها من يدّعي انّه أشرف النّاس. وهل الشرفاء هم الذين يديرون هذه الأعمال؟ أمّا زمن عجيب غريب انقلبت فيه المفاهيم حيث ينصّب الحزب القتلة والمجرمين بمراتب القديسين!
أمّا بعد ولادة الاتّفاق الأميركي- الايراني المزعوم، ولادة ميتة، فوضع الحزب على طاولة المفاوضات ولن تسلم رأسه من أن تكون الثّمن الأبهظ الذي ستقدّمه إيران لدخولها المعترك الدّوليّ. هذا الاتّفاق الذي لم ينكفئ أصحاب الرّؤيا الاستراتيجيّة البعيدة المدى من شمّ رائحة جيفته. أبرمه أوباما للحفاظ على ماء الوجه مع جمهوره الذي بات ينتقده لكثرة التنازلات التي قدّمها في الملفات الخارجيّة حيث بات التّأثير الخارجي للولايات المتّحدة الأميركيّة غير مباشر بل بطريقة غير مباشرة عبر حلفائها في العالم. من هنا نفهم عاصفة الحزم وما سيتلوها من عواصف أخرى ستكون من ورائها السياسة الخارجيّة لأوباما في العامين الحاليين، وواهم من يعتقد بأنّ أميركا تخلّت عن الشرق الذي ما زال بالنّسبة اليها مدًّا حيويًّا واستراتيجيًّا. لكنّها استعاضت عن وجودها المباشر ممّا دفع بالتنين الفارسي بإطلاق نيرانه على كلّ المنطقة، من لبنان إلى سوريا فالبحرين والعراق ووصولا إلى اليمن، لكن هذا المدّ الفارسيّ أوجب صحوة عربيّة حدّت المدّ الفارسي الذي صعق بردّة الفعل غير المتوقّعة. من هذا المنطلق فما لن تستطيع قوى الغرب الإقدام عليه في المنطقة عاجلا أم آجلا ستقوم به القوى الجديدة في الشرق التي ستدخل حتما النادي الدولي لأنّنا نعيش اليوم في نظام عالمي متعدد الأطراف، ممّا سيسمح لها بفرض نفسها كلاعب إقليمي ودولي في آن معًا.
بذلك يكون الاتّفاق الأميركي- الايراني المزمع توقيعه في حزيران المقبل بين الدّولتين قد حُدَّ مفعوله على المنطقة ليكون بالنسبة الى إيران مجرّد سبب لفكّ العزلة عنها وانضوائها في المجموعة الدولية منصاعة مكسورة الجانح لا كقوة فاعلة إقليميًّا ودوليًّا، وكما تهاوى الحوثيّون في اليمن هكذا ستتهاوى كلّ الأذرع الفارسيّة في المنطقة من البحر إلى الخليج وستعود إيران مرغمة إلى حجمها الطبيعي، وعندها هل يستطيع مَن خرج مِن لبنان بأمرٍ منها ليقاتل عنها، أن يعود إلى الحياة اللبنانيّة؟ أم ستنتهي حياته مع عودة التنين إلى حجمه الطبيعي وبقاء المقدّسات في مكانها وعلى حالها؟