
نسيَ اللبنانيون اصطفافاتهم السياسية، وعَلّقوا توقّعاتهم حولَ رئاسة الجمهورية، ليتحوّل قانون السير الجديد شغلهم الشاغل. في الفرن، على محطة البنزين، خلفَ المكتب، في أروقة المؤسّسات… الحديث عينُه. مع انتهاء «عاصفة الحزم» في اليمن، انطلقَت عاصفة الأحزمة في لبنان، وبعد انتظارٍ دامَ سنوات، سَلك قانون السير طريقَه إلى التطبيق تزامُناً مع حواجز توعية لقوى الأمن الداخلي، انتشرَت على مختلف الأراضي اللبنانية للتعريف بتفاصيل القانون والحَضّ على التزامه.
«بَلا زِغرا صار عنّا قانون، بس ما عنّا طرقات»، «السّير مِتل مَنع التدخين ألله يرحم التغيير»، «نيّال أهل الضاحية dispensé من القانون»… هذه عَيِّنة مِن ردود فعل المواطنين الذين التقَتهم «الجمهورية»، متوَجّهين إلى سياراتهم صباحاً. تفاوَتت الآراء بين المرَحّبة والشاجبة والهازئة، إلّا أنّ النتيجة بدَت متشابهة، فما إنْ جلس هؤلاء، كلٌّ خلف مقوَد سيارته، حتى التزموا بديهيات قانون السير الجديد، كوضعِ الحزام وعدم استخدام الهاتف، أو تخَطّي السرعة الزائدة… على حدّ تعبير أحدِهم «الضبط بيِلدع، مِش ناقِصنا مصاريف».
في الشفروليه… «تبَخَّرو الشبّيحة»
كموج البحر ارتسَم مشهد السيارات تتقدّم عند تقاطع الشفروليه على نحو متناغم، رغم تشَعُّب مفارقِه، وتعَدُّد إشاراته، على الإيقاع عينِه عبَر السائقون، من دون مزاحمةٍ أو تملمُل ولا حتّى استخدام الزمّور. مشهدٌ لم يَألفه هذا التقاطع منذ أكثر من 10 أعوام، حيث غالباً ما كان «يِركب مَشكَل»، وتَعلو الشتائم، نتيجة التفاف أحدِهم عكسَ السير، طمعاً براكب أو تجَنّباً للانتظار طويلاً عند الإشارة.
وللمفارقة، حتى إنّ الباعة المتجَوّلين الذين يَدّعون أنّهم يبيعون الأواني المطبخية دعماً للشباب اللبناني، «تبَخّروا»، ولم يظهر لهم أيّ أثر. وحدَها القوى الأمنية كانت سيّدة الساحة، بلَطافةٍ تُحَدّث المواطنين، بابتسامةٍ تقَدّم إليهم المناشير الإرشادية، الهادفة إلى توعيتهم للالتزام بقانون السير الجديد.
ماذا تشمل المرحلة الأولى؟
تتركّز المرحلة الأولى من تطبيق القانون على توعية المواطنين، كذلك سيقتصر تنظيم المخالفات على أبرز النقاط خطورةً، السرعة الزائدة، القيادة تحت تأثير الكحول، القيادة تحت تأثير المخدّرات والقيادة المتهوّرة للدرّاجات الناريّة.
في هذا الإطار، يوضِح آمرُ مفرزة سير بعبدا المقدّم زاهر عاصي: «ستشمل حواجز التوعية مختلفَ الطرُق الرئيسة لنصلَ إلى أوسع شريحة من المواطنين، من دون عرقلةِ السير طبعاً». ويقول لـ«الجمهورية»: «تستمرّ حملة التوعية حتى نهاية الشهر الجاري، الغاية منها دفعُ المواطنين لتطبيق القانون عن اقتناع وليس نتيجةَ خوف، أو إكراه.
22 نيسان بداية التزام، وليس تطبيقاً عرَضياً، وحبّة ملح ودابت، لذا سيَشهد مطلع أيار المرحلة الثانية من التطبيق، والتنظيم التدريجي للمحاضِر بحقّ المخالفين سواءٌ أكانوا سائقين أم مُشاة». لا يُنكِر عاصي أنّ بعض المواطنين يراهن على التخاذل ونِسيان القانون، إلّا أنّه يؤكّد حازماً: «يَكفي تذَكُّر ضحايا حوادث السير، لنشعرَ بالمسؤولية وبأهمّية تطبيق القانون».
العجائب… على كورنيش المزرعة
على طول الطريق من الشفروليه إلى تقاطع كورنيش المزرعة بدا واضحاً إلتزامُ، ليس فقط المواطنين في سياراتهم، بل أصحاب الدرّاجات النارية الذين تَقيَّدوا بوضعِ الخوذة، ومَن لم يحزمها جيّداً حولَ عنقه، كانت ملاحظات القوى الأمنية لهم في المرصاد، «ربِطا منِيح تمَا تطِير».
للمرّة الأولى لم يَظهر التقاطع كموقِف لأرتالٍ من السيارات، بل سُجّلت حركة مرور ديناميكية لافتة، حتى إنّ سائقي السيارات العمومية لم يتأفّفوا، إستمعوا لإرشادات القوى الأمنية المنتشرة، أمّا مَن يعجز عن القراءة، فسألَ وهاجس ثمن المخالفات يطارده، «يا وطَن، خَبِّرني من الآخِر، شو المسموح وشو الممنوع؟»، «فينا ندَخِّن؟، «فينا ناكُل بالسيارة؟»… وغيرها من الأسئلة التي غالباً ما كان جوابها النفي.
في هذا السياق، وعلى هامش متابعته لعملية توعية المواطنين، يتحدّث النقيب إيدي قهوجي لـ«الجمهورية»، عن مدى الجدّية التي لمسَها من الأهالي في اليوم الأوّل، قائلاً: «منذ السادسة صباحاً انتشَرنا على الطريق، نُحاول الإجابة على مختلف استفسارات المواطنين إلى جانب المناشير التي تُوزَّع».
ويضيف: «إنّه يوم مشجّع، وفوجئنا بمدى تجاوب المواطنين، فمِن خلال أسئلتهم واستفسارِهم عن تفاصيل دقيقة بعيداً من العموميات، يتبيّن لنا أنّهم على استعداد للالتزام والمضيّ قدُماً في تطبيق القانون، وعلى سبيل المثال فإنّ أحدَهم يستفسر عن وزن الإطفائية في سيارته».
لكلّ حفرةٍ غرامة؟
أمّا على المواقع الإلكترونية التفاعلية، فقد اكتسبَ قانون السير نكهةً مغايرة، خصوصاً بعدما أطلقت قوى الأمن الداخلي عبر حسابها على «تويتر»، «هاشتاغ»: #قانون_السير_الجديد، لتُذكّر المواطنين بانطلاق تطبيقه، متمنّيةً أن تنخفض نسبة المخالفات والحوادث الكارثية.
لكنّها سرعان ما استفَزّت المغرّدين منذ ساعات الصباح الأولى، فأطلقوا العنان لتعليقاتهم، «بدنا يِمشي السير ليِمشي القانون»، ومنهم مَن ذهَب أبعد من ذلك، مستفسِراً: «فينا نفرُض غرامة على الدولة عن كلّ حفرة؟ وهل يَشمل القانون المواكبَ الأمنية للسياسيين؟».
… وفي المناطق
إنسحبَت حملة التوعية على مختلف الأراضي اللبنانية، ففي بعلبك، لاحقَت مفرزة السير السيارات والفانات والشاحنات الصغيرة والدرّاجات النارية المخالفة، خصوصاً التي تتنقّل عكسَ السير على الطريق الدولية في المحافظة.
وفي طرابلس، في الوقت الذي نفّذَت دوريّات تابعة لشرطة البلدية محاضرَ ضبط للسيارات المتوقّفة صفّاً ثانياً على طول الأوتوستراد الممتد من نهر أبو علي حتى دوّار السلام، قام شبّان مِن منطقة باب الحديد بقطعِ الطريق لبعض الوقت بالإطارات، احتجاجاً على بَدء العمل بقانون السير الجديد.
وجنوباً، اتّخذَت القوى الأمنية إجراءات في ساحة النجمة في صيدا بعد دعوة عددٍ مِن سائقي سيارات الأجرة الفلسطينيين إلى اعتصامٍ احتجاجاً على القانون، خصوصاً أنّ هؤلاء يَعملون من دون رخصة قيادة عمومية، باعتبار أن لا حق للفلسطيني في الحصول على هذه الرخصة، وقد تجَمّعوا في محَلّة نزلة صيدون. وفي صور نفّذَت قطاعات السير دوريّات متنقّلة وحواجز ثابته عملَت على ملاحقة المخالفين وتوعيتِهم.
مخالفات رائجة… وغرامات حتى السجن
نظّمَ قانون السير الجديد المخالفات ضمن فئات، غرامة المشاة تتراوح بين 20 و30 ألف ليرة. وغرامة المركبات: الفئة الأولى بين 50 و70 ألف ليرة، الفئة الثانية بين 100 و150 ألف ليرة، الفئة الثالثة بين 200 و350 ألف ليرة، الفئة الرابعة بين 350 و450 ألف ليرة، أمّا الفئة الخامسة فتتراوح غرامتُها بين مليون و 3 ملايين ليرة، وحجز المركبة وحبس مِن شهر حتى سنتين.
مِن أبرز المخالفات الرائجة:
– السرعة الزائدة، تجاوُز السرعة المحدّدة بأقلّ من 20 كلم/س تُحتسَب مخالفة فئة ثانية، وتصاعديّاً يُغرَّم السائق ليصل إلى السجن إذا تجاوَز السرعة بأكثر من 60 كلم/س.
– وجود زجاج حاجب للرؤية، عدم استخدام الإشارة قبل الانحراف، إخراج الرأس أو أيّ أعضاء من الجسم من السيارة، تُحتسب ضمن المخالفات فئة ثانية، كِلفتُها بين 100 و150 ألف ليرة.
– إستعمال أيّ جهاز من أجهزة الاتّصال أثناء القيادة، أو عدم استخدام حزام الأمان في المقاعد الأمامية والخلفية، عدم تقديم المركبة للمعاينة الميكانيكية في الوقت المحدّد، تُحتسَب مخالفة فئة ثالثة، كِلفتها بين 200 و350 ألف ليرة.
– السيرُ عكسَ السير، عدمُ الإلتزام بالإشارات الضوئية، رميُ النفايات من النافذة على الطرقات تُحتسَب مخالفة فئة رابعة، غرامة بين 350 و450 ألف ليرة.
– أمّا بالنسبة إلى جهاز الإطفاء والمثلّث التحذيري اللذين يَفرض القانون توافرَهما في كلّ سيارة، فأكّدَت المديرية العامة للقوى الأمن الداخلي في بيان لها، مساء أمس، «أنّ عناصر السير لن يقوموا بتنظيم محاضر مخالفات للسائقين، الذين لا يملكون هذين التجهيزين قبل ثلاثة أشهر على الأقلّ. كما أنّهم سينظّمون محاضرَ للمركبات المتخلّفة عن تسديد رسوم السير السنوية ابتداءً من تاريخ 1/6/2015».