
كتب جمال شعيب في “Green Area”:
لم تكد عاصفة الانتقادات والاحتجاجات التي أثارها تسليم “سد بريصا” المثقوب، خالياً من المياه.. تهدأ، حتى أثيرت عاصفة جديدة حول مشروع جديد تقوم شركة “باتكو” بتنفيذه في لبنان، وتشاء الصدف أن يكون المشروع الجديد سداً مائياً أيضاً، بدأت المشاكل تطفو على سطح “بحيرة” اعماله قبل انجاز الإنشاءات الأولية له. الأعمال المتوقفة في مشروع “سد المسيلحة” (المجاور لقلعة المسيلحة الأثرية الشهيرة) والمترافقة مع همس وغمز ولمز، لفتت انتباه المتابعين وخصوصاً لمدى التزام الشركة بالحفاظ على المحيط البيئي، الخلافات بين الاستشاري والشركة المنفذة، بالإضافة إلى روائح صفقة “تعويضات مالية” جديدة، تمني باتكو نفسها بها حتى قبل انجاز المشروع، علماً أن المشروع بكامله غير “متوافق” بيئياً مع الطروحات الجديدة في عالم الطاقة والمياه والتي تتجه إلى التخلص من السدود تدريجياً لما يترتب عليها من آثار مدمرة على المحيط البيئي والتنوع البيولوجي.

“Batco” و”Liban Consult”: تناقض أم اختلاف مصالح !
بدأت حكاية “الخطأ الفني” الجديد، مع توقف اعمال انشاء السد، حيث وصلت معلومات لـ greenarea عن اكتشاف الجهة المنفذة (شركة باتكو) خطأ في الدراسات التي انجزتها شركة Liban Consult والتي أكدت وجود كميات كافية من الصخور الصالحة للاستخدام في عمليات ردم وانشاء الحاجز الأساسي (السد) في نطاق المشروع، ليتبين عند الحفر واستخراج الصخور من العمق أنها غير صالحة بتاتاً والكميات المتوافرة في نطاق البحيرة والسد لا تكفي، الأمر الذي نفاه المهندس سمير فيصل من شركة Liban Consult، مؤكداً توافر كميات كافية في نطاق Formation C4 , C5، من الصخور اللازمة لعمليات الردم والانشاء، فيما أوضح أن توقف الاعمال ناتج عن أسباب مادية وليس “فنية” ولا علاقة له بمسألة توفر الصخور، مؤضحاً أن هناك حاجة وسعياً لتوفير “البحص” الذي يتم خلطه في الباطون المستخدم في عملية صب الانشاءات وليس صخور الردم، وعند سؤالنا ان كانت شركته قد أبلغت Batco بالنتائج أكد فيصل حصول ذلك.
علماً أن السيد سمير فيصل لم يتوان عن إبداء استغرابه لمناقشتنا مسائل لها علاقة بالإدارة في الشركتين، فلفتنا نظره إلى أن مشروع السد “عام” ومسألة توفير البدائل للمواد المستخدمة في البناء تعنينا بما لدينا من خشية على المنطقة الحرجية والبيئة المحيطة بمشروع السد بشكل عام.
من جهة أخرى وفي نفس السياق، جاء كلام السيد سمير فيصل، متناقضاً تماماً مع تأكيدات المهندس زياد صعيبي من شركة “باتكو” والذي أكد في اتصال لموقعنا بالشركة “أن الاستشاري يبحث عن بديل للصخور في موقع خارج نطاق المشروع، موضحاً أن تلك مشكلة الاستشاري الذي قدم الدراسات لا الشركة المنفذة (باتكو)، وعند سؤاله ان كانوا قد حصلوا في “باتكو” على جواب أو حل بديل من قبل الاستشاري أكد لنا صعيبي انهم لا يزالون بانتظار جواب Libanon Consult.
خلاف الشركات: البيئة ضحية مجدداً!
خلاف الشركتين الذي دفعهما إلى محاولة تضليلنا والرأي العام، للتغطية على اخطاء “الدراسات” الأولية، عزز الشك في نفوسنا ودفعنا للبحث أكثر والتعمق لإكتشاف ما خفي ولم يرد ذكره على لسان المصادر الخاصة بهما.
فما الذي يحاول “المنفذ والاستشاري” اخفاؤه لا بد وأن يكون له اسباب مادية أولاً، وبيئية ثانياً، لذا قمنا بعملية مسح للأملاك والعقارات الموجودة في المنطقة وبدأنا بالتواصل مع ملاكها، فاتصلنا بدير كفيفان وسألنا الأب سيمون صليبا عن امكانية استفادة الشركتين من املاك الدير لاستخراج الصخور فنفى حصول أي تواصل معه بهذا الخصوص مؤكداً رفضه استغلال أملاك الدير بهذه الطريقة.
البحث لم يتوقف وقمنا لاحقاً بالاتصال مع الأب حارث مطر من دير “مار عبدا” معاد، وهنا كانت المفاجأة، فشركة Batco التي نفى المتحدث بإسمها ومدير مشروع سد المسيلحة بطرس جرمانوس، بداية، أي علاقة لها بالدراسات الخاطئة للاستشاري وطلب منا الحديث معهم حول الموضوع، تبين لنا من اتصالنا بالأب مطر أنه هو (بطرس جرمانوس) الذي حضر إلى الدير طالباً أخذ عينات صخور من أحد العقارات لفحصها والتأكد من صلاحيتها للاستخدام في مشروع بناء السد، وأن السيد جرمانوس قد أحضر ومنذ 3 أسابيع فريق عمل مجهز بحفارة “بوكلين” تم استخدامها لأخذ العينات.
مصالح أم مجرد “عرض مغري”؟
الأب مطر الذي أكد لـ greenarea أنه ليس بوارد السماح باستخدام عقارات تابعة للدير لهدف استخراج الصخور أو الرمول والبحص، أوضح أن موقع بلدة “قرنعون” الترفيهي السياحي المقام على مساحة 850 ألف متر مربع، سيكون أول المتأثرين بالأثار السلبية لهذا العمل ولن يقبل القيمين عليه بذلك، وحين سألنا عن حقيقة تقديم الشركة عرضاً مالياً مغرياً مقابل موافقة الدير، أكد الأب أن الأمر لم يحصل ولا يعنيه.

لكن ناشطاً بيئياً محلياً، وضع greenarea هذه القضية أمامه، تساءل عن مدى ارتباط طلب Batco هذه التسهيلات من الدير، حالياً، في الوقت الذي التزمت فيه الشركة (باتكو) عقد انشاء طريق بديل (عن التي يمر فيه السد) ليصل إلى المنطقة التي تقع فيها أملاك الدير وتقع “قرنعون” ضمنها!؟.
الوجه الآخر للحقيقة.. مكلف
بات من الواضح أن الأزمة الحالية بين الاستشاري والشركة المنفذة أبعد من مجرد خطأ في الدراسات، ولكن من الواضح أن حلها سيجري بعيداً عن “الصناديق المالية” للشركتين، وتكلفة الـ 60 سنتاً التي كانت الشركة المنفذة ستدفعها في المتر الواحد لاستخراج الصخور من موقع السد، باتت تتجاوز الـ 9 دولارات من خارجه، وبحسب مصادر خاصة للموقع فإن الشركة ستحاول تعويض الفارق في الكلفة من الخزينة، وذلك من خلال إعادة فوترة الخسائر كتكاليف اضافية وعلى حساب خزينة الدولة بأرقام غالباً ما تكون مضاعفة عدة مرات (سد بريصا نموذجاً)، حيث ان تكرار هذه المشاكل في التلزيمات وطريقة تنفيذها والفواتير الاضافية التي تدفعها الدولة من خزينتها بات فاضحاً وغير مخفي على أحد.
الأكلاف البيئية تجاوزت منطقة السد
الخسائر والآثار السلبية للسدود التي عرضها greenarea في عدة ملفات سابقة، من خلال دراسات لخبراء مرموقين محلياً وتقارير محلية وأجنبية، تتكرر مجدداً عبر مشروع سد المسيلحة وتظهر الصور المرفقة حجم التدمير الواقع على الغطاء النباتي والحرجي في المنطقة التي عملنا على تظهير فروقاتها من خلال صور google earth لسنوات عدة متعاقبة.

لكن الخطورة الأكبر والخشية المستجدة في ما يتعلق بسد المسيلحة تكمن في الخطأ المنهجي الذي تسببت به دراسة الاستشاري التي أكدت وجود الصخور التي يحتاجها “المنفذ” للبناء في نفس موقع الاشغال، وزاد من آثارها سعي الشركة المنفذة للبحث عن بديل في النطاق الحرجي الأوسع، وتحديداً في عقارات ومواقع تنتشر فيها الأشجار وتعتبر من المناطق القليلة الباقية على تنوعها الإيكولوجي والبيولوجي. ويبقى السؤال موجهاً للجهة الرسمية المشرفة على هذه المشاريع، فهل سيضع مجلس الأنماء والاعمار حداً لهذه “التجاوزات” المالية والبيئية، أم انها ستمر مجدداً بتدخلات سياسية-مصالحية وعلى حساب المكلف اللبناني ومن جيبه.. ننتظر رد المجلس ونرى.
منطقة مشروع سد المسيلحة عام 2003
منطقة مشروع سد المسيلحة عام 2013
منطقة مشروع سد المسيلحة عام 2014
منطقة مشروع سد المسيلحة عام 2015