
هل تكون التفجيرات التي انفضح أمر مُصدِّرها وأهدافه، مفتاحاً لوعيٍ لبنانيّ يؤدّي الى إستعادة لبنان مقوّمات الدولة؟
إنّ متفجّرات ميشال سماحة، وهو مجرمٌ رخيص، لا يمكن أن نقرأ فيها إلاّ ما يأتي: بعد أسر الحياة الوطنيّة وشلّ أمل الناس من جانب المُجَمَّع الإجراميّ الذي لم يعد سريّاً، إنزلق العملاء الى تغذية التعصّب بالتعدّيات، ما شكّل صفعة مباشرة لما يُسَمّى سلطة ومؤسّسات، وشَطَب من المعادلة أمن النّاس، فاشتُقَّت مفردة التّفجير بعزم وثبات.
لا يمكن تجاهل تداعيات هذا العِرف الجديد، أو القرار بتوزيع الموت ومن دون تقصير. لا سيّما وأنّ هذا القرار كان مَرسوماً سَلَفاً، وممسوكاً التحكّم به، ومُستحيلةً استقالة المرجعيّة العُنفيّة التي يعود إليها الأمر والنَّهي. وتندرج التداعيات أولاً في الحزن المُباغِت على الضّحايا التي تتساقط من غير تَوَقُّع، ثمّ في شيوع صورة الإضطراب المستمرّ من دون “حتى إشعار آخر”، أي الرّعب المفتوح على احتمالات الكِفر بالوطن بجَدِّية، والمسارعة الى الهجرة تَصَدِّياً لحتميّة التّحوّل الى أشلاء.
ثقافة التفجير التي أُدخِلَت في البرامج اليوميّة للناس بالرّغم من المولَجين رعاية الأمن، أصبح لديها وكلاء مُعتَمَدون يتعاملون مع لبنان كساحة مفتوحة أو رهينة مخطوفة. لبنان الذي لم يريدوا أن يحين شعوره بالسَّأم من العنف والمحرقة، فعملوا على أن يستتبّ فيه موتٌ دائم يأكل الرؤوس. ثقافة التفجير المُستَرسِلة أرادت أن تحوّل لبنان، على خطى البلدان التي تجاوره، آلة مُنتِجة لمُهَجَّرين لاجئين في أصقاع العالم، وأدخلت الإحتفال بالحياة في حِداد دائم، خاصةً أنَ لبنان لم يستطع بعد أن يغسل نفسه من الذين تشاركوا في تلطيخها من الذين يُدَّعون المَشيئات الكبرى، بالرغم من أنّ هذه المسألة ضرورة مُلِحَّة . لا سيّما وأنّ أصحاب المشيئات جعلوا لبنان أرضاً خصبة ليتجوّل فيه الموت فيحفر في خدّ الوطن أثلاماً من الحزن.
ثقافة التفجير كابوس لا ينفع معه تذاكي المَسحورين مِمَّن يتزعّمون بعض الأرض، وهم يتباكون على الضّحايا على جَري عادتهم، للتخفيف من الهَلَع الذي يربض على تُخوم الوعي والأعصاب. فلا حَرَج عندهم في خطاباتهم المُستَنسَخَة، في جعل مرحلة فاصِلة من حياة أيّ مواطن، لحظةً عابرة لن تتكرّر بإذن الله. هم مُصيبون فقط في أنّ الله وحده قادرٌ على المَنجاة وصَون العِباد، وليس أبداً حرصهم المزعوم على السلامة العموميّة، هذا الحرص الذي أوكل رعاية الوطن الى حفّاري القبور. أمّا نَظمُ استنكاراتهم الهاطِلة فلم يعطّل مرّة إستدامة المأساة، ولم يجهض إستيلاد موت جديد، بل أصبح نهجاً مُتَّبَعاً يتشاطر فيه أصحابه على الإستخفاف بعقل مَن تَبَقّى له عقل عندنا، باستنباط حِجَجٍ تُجافي المنطق، وبإحالة الجرائم الى غياهب الذاكرة، ليُنَظَّف سجلُّها.
ثقافة التفجير عقيدة إرهاب لا تتمدّد إلاّ في الدُّوَل المُنهارة التي لا تُسائل القَيِّمين على الإرتكابات، ولا تَقتَصّ من مُدمِني المَجازِر وهم نازلون عن قلبها، وكأنّ يوم الحساب ليس من هذا العالم.
هذه المَجازِر التي أريد منها أن تفيض ينابيع الدمّ لتسوّي في الشّهادة بين المناطق والمَذاهب، لكي يعجز الشّعب عن أن يُسعِف نفسه فيبادر الى وِقفَة تدين أعمال الإرهاب والتقتيل.
ثقافة التفجير أرادت أن تدخلنا، وأدخلتنا عصر القبر المفتوح، عصر تَيئيس البحث عن ظروف استمرار الحياة، عصر الهبوط الى الهاوية من دون تَركِ أَثَر. ثقافة التفجير ارادوا أن تكون الأكثر نُفوذاً في وطننا، وقد يلتبس على بعض حامِلي النُّعوش من ذَوي الألقاب تعريفها وتقييم خطرها، غير أنّ الذين لا حَول لهم – الناس المُلتاعون من لَدْغاتها – مُضطرّون الى المَزيد من الحَذَر وتحسين شروط الحِماية بالوسيلة المُتَوَفِّرَة.
ولما لم تلتزم ثقافة التفجير بأيّ هِدنَة، وكانت كِلفتها باهِظة إذ راكَمَت مَكاسبَها في ضرباتها، وهي تبغي المزيد، لا بدّ من إجماع على الجرأة ونَبذ سياسة النَعامة، والمطالبة بإنزال العقاب الأقصى بالمجرمين. ولا بدّ أيضاً من ترشيد مفهوم الدولة التي ينبغي أن
تحلّ مكان الدويلات الهجينة المؤذية، وأن يُناط بها وحدها إطلاق ورشة أمنيّة تُضَيِّع الفرصة على خارطة طريق ثقافة الموت، هذه التي يرسمها بعض البلديّين الذين يطيعون من دون وعي أجندات خارجية شعوبية.