
للوهلة الأولى، سرّ كثر من اللبنانيين فور سماعهم بخبر وفاة اللواء في الجيش السوري رستم غزالة. فهذا الرجل كان المندوب السامي لقوات الإحتلال السوري في لبنان أو رئيساً للاستخبارات العسكرية السورية العاملة في لبنان من 2002 حتى عام 2005. لكن بعضهم لم تروِ ظمأهم ولم تشف غليلهم قصة وفاته الملتبسة فيما كانوا ينتظرون على الأقل أن يخضع للمراحل التي مروا فيها عندما كانت الاستخبارات السورية تعتقلهم وتسوقهم إلى أقبيتها وخصوصاً في عنجر حيث كانوا يذوقون الأمرين تحت أنظار “الوالي” رستم نفسه.
الضحايا كانوا كثراً: قواتيون وكتائبيون وأحرار وعونيون من جهة المسيحيين، توحيد، دروز اشتراكيون ومستقلون من ابناء الطائفتين السنيّة والشيعية من جهة المسلمين، لا فرق، مجرد أن يكونوا لبنانيين ومناهضون للاحتلال السوري، كان غزالة يريهم “نجوم” الظهر! أبشع ما في الأمر ان هذا النظام الذي انتمى اليه رستم غزالة لم يرحم من اللبنانيين حليفاً أو عدواً.
فالكل يتساوون أمام الظلم، ودولاب التعذيب لا يوفّر الّا من كانت تربطه مصلحة مع النظام السوري، وربما لفترة موقتة، لأن علاقات المصالح لا تدوم، والظروف السياسيّة تتغيّر، وخصوصاً ان لا مبادئ ولا ثوابت ولا تصدي ولا صمود يؤمن بها القيّمون على هذا النظام، انما فقط محاولة الاستمرار للحلقة الضيّقة المسؤولة عن النظام ورجاله وابقاء اللبنانيين خاضعين للاحتلال، ما يبرر الاعتقالات التي طاولت مواطنين لبنانيين من جميع الطوائف والأطياف.
هناك، في أقبية البوريفاج (بيروت) وألاميركان (طرابلس) وعنجر (البقاع) كان الجلاد واحد لا يتغيّر، والأوامر كانت تأتي مباشرة من الباب العالي في قصر المهاجرين إلى الحاكم بأمره “رستم”: اضطهدوهم ونكّلوا بهم حتى الموت. فكيف يسرّ خبر وفاته العادي من دون محاسبة حقيقية من أُخضع في تلك الأقبية المظلمة لكل أنواع التعذيب: الدولاب، البلانكو، الفروج، الضرب على الرأس بالعصا وكابلات الكهرباء المجدولة، واطفاء السجائر في أجساد المعتقلين، وخدش كرامتهم بكل انواع الشتائم والاهانات، فكانوا يُعاملون معاملة الكلاب واحياناً لا يحظون بذلك، وخصوصاً في عنجر حيث كان مقرّ غزالة، ففي نظره، هؤلاء لا يستحقون الحياة: يمرضون فلا دواء، يبردون فلا يجدون الدفء، يُسرق طعامهم ودواؤهم، ويكادوا يختنقون من ضيق السجون واكتظاظها.
كيف يرتاح هؤلاء لوفاة رجل لم يكن رجل أمن عاديّ إنما أقرب إلى السفّاح… حتماً لا يفرحون… فهذا العسكري كان يمثّل نظاماً جلّاداً لا يمتلك أي مشاعر إنسانية، ولا يعرف ما هي الرحمة.
من وقوع الضحية بين يديه، كان يتكلم بألفاظ بشعة ولهجة مقزّزة. انه الحقد الذي ورثه عن نظامه… لا يهمّ إن عاد هذا النظام القاتل للإنقلاب على “غزاله” ثم تصفيته مع كل الأسرار التي يمتلكها… ففي هذه الخطوة عمليّة انقاذ لنظام متورّط بجرائم طوال 30 عاماً لاحتلاله لبنان، وكان أهمها جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومعظم شهداء ثورة الأرز.
لا، لم يفرح أحد لرحيل غزالي بهذه الطريقة الساذجة، البسيطة. فطموح اللبنانيين الشرفاء الذين عرفوا أعمال رستم غزالة الاجراميّة، كان برؤيته يُحاكم مع نظامه على تفاصيل الاغتيالات والتصفيات والأعمال الارهابية طوال 30 عاماً… طموحهم أن يشاهدونه يعترف بمصير ابنائهم غير المعروف في سجون المخابرات السوريّة حتى اليوم.
لم يفرح أحد برحيل غزالة من دون أن يمر بمطهر العذاب الذي ذاقه الشباب اللبناني طوال فترة الاحتلال، وكان على الأقل يجب ان يُحاسب ليكون عبرة لرستم غزالة آخر ينمو في دهاليز نظام بشار الأسد كي يخوض مغامرات ارهابية جديدة تحت شعار “المقاومة والممانعة”.