بعد قرن على مذابح الشرق، وثلاثة أرباع القرن على مذابح الغرب، وفي غمرة المذابح الدائرة في دنيا العرب من سوريّا إلى العراق واليمن وليبيا، وما إليها، آن للشعوب، قبل الحكّام، أن تدرك حقيقة مآسيها، وأن تخرج إلى الحياة كما فعلت أوروبا بعد عشرات ملايين القتلى وكوارث الدمار الشامل.
ليس من مصلحة القاتل ولا الضحيّة، سواء كانا عثمانيّاً وأرمنيّاً وسريانيّاً وأشوريّاً ولبنانيّاً هنا، أو سنّياً وشيعيّاً ومسيحيّاً هناك، أو نازيّاً ويهوديّاً وكاثوليكيّاً وبروتستانتيّاً هنالك، أن يبنيا صراعهما على الدين، وأن يؤسّسا علاقتهما على الحقد التاريخي.
فلا العثماني نكّل وهجّر وجوّع وأباد لأنّه سنّي، ولا “الداعشي” يفعل أيضاً، ولا الإيراني لأنّه شيعي، ولا النازي لأنّه بروتستانتي ضدّ اليهود وسائر المسيحيّين.
حين أدركت أوروبا، بعد قرون من الحروب الأهليّة، أنّ الدين براء من العنف، أرجعت الدين إلى بيوته ومعابده، وأعطت ما لله لله، وذهبت إلى العلاقات المدنيّة وشرعة حقوق الإنسان والديمقراطيّة، واستراحت.
حين تفصل تركيّا اليوم حالتها الراهنة عن حكّامها العثمانيّين قبل مئة عام، يصبح تقبّلها لفكرة الإبادة أكثر سهولة، ولكنّها ستواجه صعوبات كثيرة مع العالم، وليس مع الفاتيكان والأرمن فقط، إذا ربطت بين دين حكّامها القدامى وحكّامها الجدد، وتحاول تبرير الماضي باستمرار الإنتماء نفسه.
لم تخرج ألمانيا من عقدة النازيّة إلاّ بفصل حاضرها عن ماضيها الأسود، وقد أدّى هذا الفصل إلى إقرارها بالمحرقة اليهوديّة والتعويضات، وها هو رئيسها اليوم يُعلن بشجاعة أدبيّة مسؤوليّتها، ولو الجزئيّة، عن الإبادة الأرمنيّة ضمن إطار التحالف خلال الحرب العالميّة الأولى.
وما ينطبق على تركيّا ينطبق على إيران. فما تفعله في اليمن، وقبله في العراق وسوريّا ولبنان وسواها، من تأجيج لمشاعر الكراهيّة والحقد المذهبي والتدخّل في الشؤون العربيّة الداخليّة، يضعها في موقع المتّهَم بالمجازر، ويجعلها مجبرة ذات يوم على الإعتراف بما ارتكبت، أو ارتُكب باسمها، ودائماً تحت الشعار الخادع ” ممانعة ومقاومة إسرائيل”.
ولا تقلّ إسرائيل مسؤوليّةً عن الإثنتين، وكأنّها تُكمل المثلّث الدموي التاريخي بتواطوء بات مكشوفاً.
أمّا “داعش” وأشباهها، فهي كانت ضرورة ربّما لإحداث صدمة عربيّة وإسلاميّة إيجابيّة، تماماً كالصدمة التي صنعتها النازيّة في أوروبا، والصدمة التي صنعتها “القاعدة” في نيويورك.
واليقظة العربيّة والإسلاميّة ظهرت بوضوح في حراك المملكة العربيّة السعوديّة التي تقود حملة مزدوجة ضدّ التطرّف والغلو: ضربت باليمنى إرهاب “داعش” و”القاعدة” في أرضها وأرض الخليج وفي الديار العربيّة الأُخرى، وباليسرى إرهاب “أنصار الله” كذراع إيرانيّة في الخاصرة العربيّة.
وحين ضربت ذراع إيران في اليمن، صرخت الذراع الأُخرى في لبنان من الوجع.
وقد تبيّن أنّ هذا الوجع مزدوج أيضاً، يُصيب حالتَي التطرّف في آن واحد. وبات واضحاً جدّاً أنّ لا حلّ إلاَ في مكافحة وجهَي العملة الواحدة، والنموذج الأوضح هو في سوريّا ب”أسدها” و”داعشها”.
لقد فتحت “عاصفة الحزم” الباب أمام حلّ أزمات العالم العربي على أساس تصفية مكامن العنف والإرهاب والتطرّف، وعبر معالجة الأسباب والنتائج، فلا يمكن تحقيق سلام لبنان وسوريّا والعراق واليمن و.. بدون استئصال جذور الحرب.
واستئصال الجذور يعني قطع مجسّات الفتنة التي يمدّها المشروع الإيراني في الجسم العربي، كما يعني قطع الألياف الدينيّة التي تمدّها “داعش” وكلّ تنظيمات العنف.
مئة عام تكفي للإقرار بأنّ الدين لا يرتكب المجازر، بل أدعياؤه والمتاجرون به، سواء كانت أسماؤهم عبد الحميد وطلعت وجمال باشا، أو عمر البغدادي وقاسم سليماني وبشّار الأسد وعبد الملك الحوثي و.. قبلهم كثيرون من نيرون وكاليغولا إلى هتلر وستالين وسائر الطغاة.
إنّها ألقاب الموت تحت أسماء بشر. إنّه تحالف أعداء السلام والحياة.
والخلاص يكون بتحالف أهل السلام ومحبّي الحياة. نعم، محبّي الحياة.