كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” العدد 1427:
في البحث عن أبطال لصحفات “سجون وساحات” لا يمكن إلا أن يتردّد إسم الأب أنطوان الصيفي الذي وعلى مدى 11 عامًا بقي يرفع القربان في قداس سيدة إيليج على نية شهداء المقاومة المسيحية وقائد “القوات اللبنانية” المعتقل منذ عرفه صدفة حتى جمعته بالرجل صداقة إستراتيجية لاهوتية كيانية محورها يسوع وإنسانه.
من هو الأب الصيفي الذي يعرفه كل الشباب القواتيين الذين طحنتهم الحرب وما بعدها من حرب زمن السلم؟
بعد السؤال تدرك أنه راهب من الرهبنة اللبنانية المارونية – الكسليك، غزير الكتابات حول الواقع المسيحي في لبنان والعالم العربي، ويعتبر أنه سائر نحو التقهقر، نحو الزوال “فيما لو لم نقف ونقاوم”. وهذه نقطة الإلتقاء التي جمعته على الأرجح بالدكتور سمير جعجع في سجنه وفي حريته حتى كتب عنه “سمير جعجع أقوى من الموت”!
لكن لا أحد يقوى على الموت! تقول في نفسك، إلا يسوع إله الحياة والموت وهو الرب إلهنا، وتذهب تفتش عن غاية الكاهن من هذا العنوان، تسأل مقربين منه يضحكون لدهشتك وخوفك من المقولة وصاحبها فهم عرفوه وفهموا المعنى في قلب… الكاتب، ويروون عنه.

عن الأب أنطوان الصيفي ونضاله الى جانب المقاومة المسيحية وقائدها الدكتور جعجع يقول شباب “إيليجيون” (من سيدة إيليج) إنه الأب الراعي الذي كان يهبّ كل مرة للدفاع عنهم في زمن الإضطهاد والاعتقالات فيقف في وجه القوى الأمنية التي كانت تُستغل يومذاك من أجل بسط الباطل وتتعامى عن الحق لأن رجل الأمن مضطر لتنفيذ الأوامر العليا.
عن قربه من الحكيم يروون أن اللقاء الأول بين الرجلين كان للتوسّط لقريب من الكاهن من قريته الشمالية العكارية “بيت ملات” أوقف عند حاجز البربارة وهو ينقل بريدًا الى طرابلس في إطار وظيفته وخرج بعدما حمل الأب كتاب توصية من الأباتي نعمان. مذاك صار الأب الصيفي أب كل من يحتاج توصية لدى الدكتور جعجع ومقرّبًا منه بالفكر واللاهوت والعقيدة. فالإثنان يجمعهما همّ المجتمع المسيحي المتروك بلا أب ولا أم ولا دولة تحمي مصالحه وتصون أمنه وتحفظ وجوده.
يكمل الصديق المشترك عن دور الأب الصيفي خلال سجن الحكيم يقول: من السجن انتدبه الدكتور جعجع لزيارة القاضي منير حنين فقصده ودامت جلستهما ساعتين.
طلب مقابلة الدكتور جعجع في سجنه في وزارة الدفاع مرتين لكن القاضي عدنان عضوم لم يسمح له لأن سيادة المطران فرنسيس البيسري يزوره ويكفي. إلا أن الدكتور جعجع أصرّ على التواصل معه من سجنه فأرسل له كتابًا بعنوان، L’Homme et Sa Double Origine” “الإنسان وأصلاه” مع مقدمة كتبها بخط يده عن فلسفة الوجود والإيمان وكأنه يقول له” إقرأ هذا الكتاب وستعرف كيف أعيش هنا”. حفظ الكتاب وراح يرددّ منه جملًا في عظاته منها:
-“Accepter l’inacceptable c’est devenir ce qu’on doit être”.
-“L’Hommes est majeur dans la mesure ouil trouve le courage de traverser les periodes sombres de la vie”.
-“La revelation chretienne n’est accessible qu’a une convertion il ne s’agira pas d’entendre un texte ni de resister une doctrine mais de changer de vie et de naitre de nouveau”.
وجد الأب الصيفي في الكتاب وصفًا رائعًا لواقع الدكتور جعجع في السجن وأنه يرسم معالم الطريق التي توصل الإنسان الى بعده السماوي والبعد الأرضي… وكتب: “يكفي أن يقول لدى دفاعه عن نفسه أمام القضاء: أفضل أن أكون مظلومًا في جهنم على أن أكون ظالمًا في السماء”.
وعندما كتب مع بداية سجن الدكتور جعجع “حبس تحول محبسة” جاء اليه المحامي موسى برنس وطلب أن يضمّ المقال الى ملف الدفاع عن الدكتور جعجع، وذلك إيمانًا منه أنه عندما يكتب كاهن هكذا كلام ويعبّر عن رأيه بشخص ما بهذا الإيمان لا يمكن أن يكون إتهامه بتفجير كنيسة إلا زورًا وبهتاناً.
“سمير جعجع أقوى من الموت” كتابة جريئة دفعت بالكثير ممن تولوا مهمة إنهاء آخر نفس لأوكسجين “القوات اللبنانية” والإجهاز عليها الى السؤال “من هو هذا الكاهن الذي يجرؤ على هذا القول؟” إلا أن الأب الصيفي وفي مستهل كتابه أوضح: “… لا أحد يقوى على الموت ويغلبه سوى الرب يسوع الذي غلبه بالموت… لا أرمي الى تعداد أسباب الموت من هذا العنوان بل الى إظهار قدرة إنسان فريد من نوعه في تاريخ لبنان القديم والحديث وهو سمير جعجع على الظفر بالموت المبرمج له، والمعد باتقان. وما يفرض عليه في سجنه تحذّر منه القوانين الدولية اذ هي تأكدت علميًا من ان إستخدامها سيقضي على المسجون بالقتل العمدي والقصدي… كل هذا وغيره يتعرّض له السجين الكبير والبطل الدكتور سمير جعجع… وهو الحاكم المستنير الأوحد في ما كان يسمى بالمنطقة الشرقية… كان يصمّم لإنشاء وطن يتعايش فيه الإنسان دون أن يحسّ بالغبن والحرمان ودون أن يفقد حريته، كرامته، عنفوانه، تراثه ويحسّ بالغربة في وطنه والخوف من الآخر… ما كان يصمّمه الدكتور جعجع لبنان جديد… وطن جديد يتجنب أخطاء الماضي، ولأن الداخل والخارج لا يريدان للبنان الاستقرار والديمومة حالا دون أن يبصر مشروعه النور، ورمياه في قهر السجن لحمله على الاقلاع عن مشروعه وحمل مناصريه على قطع رجائهم منه، لكن الدكتور جعجع قابل ذلك برباطة جأش لا تقوم في غير الأبطال وقد أثبت أنه من طينة تسمو العاديين من البشر. لا بل يؤكد أنه مؤمن إيمانًا قويًا بالمسيح لا يجاريه فيه أحد…”.

في كتابات الأب الصيفي قناعة وإيمان بالقضية التي خاض الدكتور جعجع الحرب من أجلها طيلة 17 عامًا وقاوم سلميًا ليبقى نبضها حيًا على مدى 11 عامًا من زنزانته. ويعرض في أفكار فلسفية وسوسيو إجتماعية كيف صمد الحكيم في خلال إعتقاله السياسي وإحتفظ بقواه العقلية والجسدية واكتسب من ذلك ادراكًا وتعمقًا في وعي الذات الانسانية ونضوجًا روحيًا لا يدانيه فيه الحبساء والنساك… والسبب كما يقول “ان يكون مع الله ومع ذاته، وحدها تلك الحال تفسّر قدرة إنسان على الصمود…”.
ويكمل صديقنا المشترك خلاصة ما سمعه من الأب الصيفي وبمناسبة ما يتردّد مع إقتراب الإستحقاق الرئاسي عن رغبة البعض بترشح الدكتور جعجع لرئاسة الجمهورية أنه يعتبر أن الدكتور جعجع وحده جدير بأن يحكم لبنان. وقد كتب ذلك منذ أكثر من 13 سنة مستشرفًا المستقبل.
كما كتب مار بولس “من كان في المسيح فهو خليقة جديدة” برأي الأب الصيفي فان صموده في سجنه السياسي وتخطيه كل المهالك كان بمثابة ولادة جديدة للدكتور جعجع وانتصارًا على الموت الذي أرادوه له، وهذا ما قصده من العنوان.
كل في محبسته كان يتأمل ويصلي ويرتقي الى النفس السماوية طيلة 11 عامًا، الأب الصيفي في عنايا الى جانب القديس شربل، والدكتور سمير جعجع في وزارة الدفاع الطابق الثالث تحت الأرض، والتواصل لم ينقطع بينهما، ومن دون أن يطلب منه شيئًا راح الصيفي يحمي رعية “القوات اللبنانية” يقدّس ويصلي معها ويطمئن على صديقه من زوجته “الغالية ستريدا” كما يسميها.
الى أين يسير المسيحيون؟ سؤال شغل الصيفي دائمًا يقول صديقنا المشترك لذلك كتب “من المسؤول عن تقهقر المسيحية في لبنان” و “المسيحية تسير نحو القلّة والله يؤكد هذا الواقع”.
هو خائف على المسيحيين لأنهم ضاعوا من دون مدرسة المقاومة، مدرسة “القوات اللبنانية” التي برأيه كما خرّجت أبطالًا في الدفاع عن الوجود المسيحي صنعت عباقرة في الفكر والمعرفة…
كل أحد صباحًا يمكن أن تسمع كاهنًا يعظ في قداس كنيسة مار شربل عنايا ويقول كلامًا من نوعية: كل تعرّض لحرية الإنسان هو إهانة للرب إلهنا. الرب أعطانا الحرية المطلقة….
إيمان المارونية الأصيلة هو ما جعل من لبنان بلدًا مميزًا عن سائر بلدان الشرق الأوسط، وإن تغب المارونية عن لبنان غاب لبنان المميّز عن الوجود…
عندها ستعرفه هو الأب أنطوان الصيفي الأقوى من الخوف!
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.