#adsense

قراءة فرويدية لرستم غزالة.. اذكروا مساوئ موتاكم!

حجم الخط

في هذه الحال.. اذكروا مساوئ موتاكم!”

هل كان يمكن ان يموت رستم غزالة؟ الشخصية الخشبية رحلت في ظروف غامضة. كصحافي كان عليّ ان التقيه في مقره في عنجر لنتكلم في السياسة. قال لي “«الله منحني موهبة احترام الناس”.
بعد ذلك تبين لي انه يمتلك كل المواهب ما عدا موهبة احترام الناس، أيضاً ما عدا احترام الذات.

قراءة فرويدية خاطفة لتلك الشخصية المعقدة. لم يكن يتصور أبداً انه يمكن ان يصل إلى منصب “رئيس جهاز الاستطلاع” للقوات السورية في لبنان، أي ان يتحكم بأربعة ملايين لبناني باستثناء من آثروا أي شيء آخر على أن يكونوا بإمرة.. أبو عبده.

كان تابعاً لسلفه غازي كنعان الذي كان أكثر حنكة وأكثر دهاء، وكان يتصرف كما العبد في حضرة السيد، حتى اذا ما عوقب كنعان بتعيينه وزيراً للداخلية قبل أن “ينتحر”، انفجر كل ما في داخل العبد ضد سيده القديم، وهذا ما بدا من تصرفاته في نقاط الحدود كما في لقاءاته مع السياسيين وغيرهم، حتى ليقال انه “خرب بيوت الكثيرين” الذين كانوا شركاء لكنعان في ترويج الدولارات المزورة أو ما شاكل ذلك من عمليات لجمع الثروات.

فرويدياً أيضاً، كان الموظف الفارغ من الداخل والذي يسعى لإرضاء سيده الأعلى بأي ثمن حتى لو اضطر ان يدوس بحذائه أياً كان، فيما كان سلفه يتعمد، وأمام الزائرين، ان يتصل بأهل السياسة لاهانتهم وبصورة يندى لها الجبين. كثيرون من الذين ترونهم بالتكشيرة الكبيرة أو بالضحكة الكبيرة على الشاشات كانوا أرانب أمام رستم غزالة.

وحين أقام حفل زفاف لابنته في قصره في “قرفا” قرب درعا، زحف عشرات السياسيين اللبنانيين، ومعهم الهدايا النفيسة إلى “قرفا” ليؤكدوا الولاء لصاحب السعادة.
آنذاك، قالت لي زوجة مسؤول بارز، وهي اعلامية، ان المشهد كان مضحكا ومخزياً في آن، فسم لي مسؤولاً واحداً، واحداً فقط، لم ينحني امام ابو عبده في تلك الليلة التي كما لو انها من ليالي الف ليلة وليلة.

ذات يوم فوجئت به يتصل بي ليقول “سوف ابعث لك بأطروحة الدكتوراه، او الماجستير لا اذكر، وآمل ان تكتب لي عنها”. وصلتني النسخة المجلدة، التي تتألف من مئات الصفحات، وقد اشرف عليها مؤرخ شهير، وكانت الاطروحة متقنة ومنهجية ومميزة وهي تعالج احدى الحقب في تاريخ لبنان الحديث”.

كان واضحاً انه لم يكن هو الذي وضعها. قرأتها بشغف، وبتشكيك ايضا، لأفاجأ بأنه عاود الاتصال بي ليطلب صرف النظر عن الكتابة. علمت بعد ذلك ان ثمة من امره باخفاء الاطروحة لأنها متقنة أكثر من اللازم وهي تفضحه. ومنذ اسابيع التقيت بالصدفة بزوجة المؤرخ وأثرت معها الموضوع، وكان من الطبيعي ان تقول لي او ان تؤكد لي ان مهمة الزوج كانت الاشراف فقط على الاطروحة.

لا ريب انه كان هناك ضباط سوريون من اصحاب الايدي النظيفة والضمائر النظيفة. في احدى المرات كنت في زيارة وزير الاعلام السوري غداة مباشرة الرئيس اميل لحود ولايته الدستورية وبدء فتح ملفات الفساد، حين التقيت ضابطاً كبيراً كان يتردد اسمه ليكون خلفاً لغازي كنعان، سألني ما قصة الملفات، ولماذا توقف البحث فيها؟ قلت لانه في نهاية كل ملف سوف تجد ضابطاً سورياً، فسألني لماذا لا تكتب عن هذا؟ اجبت: “لو كتبت هل تتصور انني سأبقى على وجه الارض؟”.

هو “أبو عبده”، الذي كان موقعه اكبر منه بكثير، كان فظاً ومباشراً ويفتقد الحنكة الضرورية لادارة وضع معقد مثل الوضع اللبناني، اذا اردنا ان نتذكر محاسن موتانا فماذا نقول؟

ما الفارق هنا بين الفظاظة والفظاعة في الاداء؟
الذين حاموا حوله طويلاً في زمانه لن تجدهم يحومون حوله في زمانه الآخر!

المصدر:
القبس الكويتية

خبر عاجل