إن ننسَ فلن ننسى: أنا أم الشهيد أنا أم الكرامة.. كيفك إمي اقطفيلي زهرة من قلبك

كتبت فيرا بو منصف في “المسيرة” – العدد 1500:

طلع الزهر أمي قومي الى حقلي القريب، فيه الكثير مما تحبين، أقطفي لي زهرة… تمهّلي لا تقدميها لي، حقلي ممتلئ من خيرات حبك ومن كل الألوان، أقطفيها أنت عني فهي لكِ مني، أنتِ أقرب الى البستان، أنا بستاني فوق ومن نبع السما أسقي بستانك وأنت تضعين العطر على بابي، في حلمي، في عيني اللتين تسكنانك، خذي أمي لك هذه الوردة الحمراء، تحبين الجوري الأحمر وأنا أشبّهك بالياسمينة رقيقة ناعمة تفوحين طيبا، لكن لا فارق، هو تبادل الأذواق بيننا، أنا شهيد وأنت أمي لكن لا تبكي اتفقنا؟ إبتسمي لي ونحن نتبادل أحاديث الصباح على نغمات فيروز ويسوع يرمقنا بالضوء…

ما أخبار الأرض التي حضنتنا أمي وانتشلتنا من حضنك ذات مجد من عز الوطن؟ أخبرونا أنها ليست بخير، وأن الدموع التي رويتِ بها تراب القبر لم تزهر بعد، صحيح أمي؟!

أبدا غير صحيح ماما، يوم استشهدت، يوم أرسلتك لتحمل ما علمتك أن تفعله وأنت صغير، علم البلاد، عرفت أنني ربّيت في بيتي رجالا حقيقيين، كنت أولول لرحيلك عني صحيح، نزف قلبي دما قبل الدموع صحيح، بس وحياتك وحياتك كان قلبي عم يرجف إيمان لأن كنت عارفة إنك رايح عند يسوع يا إمي، وإنو العدرا فوق رح تحرسك أحسن مني بكتير.

أنت رائعة عندما تضحكين أمي، تضحكين وكأنك ترقصين فوق الزجاج، بسمة الشفاه وألم الروح، أخبروني أيضا أنك غاضبة هذه الأيام! شو الأخبار؟ لم الغضب يا ست الكل؟

كيف لا أغضب، بعد سنين عدت أبحث عن الشهادة بين القبور وأنت لست هنا يا ابني، أنت فوق في بيت العز حيث أسكنتك برضاي وقبولي وصلواتي، القبور مش للشهدا يا إمي، القبور للموتى وأنت يا عمري تعيش برحيق الأرز، بعمر يسوع، بكرامة لبنان، وحياتَك يا إمي دفنوا كرامة لبنان وعندما فعلوا شممت رائحة القبور، فاحت رائحة الموتى، فجئت مسرعة لأتأكد أنك لست هنا أنت ورفاقك، فعدت الى البستان مع قهوتي مطمئنة لأقطف الزهور وأحادثك وأضع لك باقة الكرامة التي زرعتها في بستاني.

أتذكرين يوم طلبت رضاكِ لألتحق بالمقاومة؟ يا الله كم حاولتِ التحايل علي بداية كي لا أفعل، كنتِ خائفة جدا أن استشهد عنك واخوتي ووطني، وعندما أقنعتك بأنني لأنني ابنك يجب أن ألتحق، ابتسمت بمكر كمن حقق الانتصار على ذاته وقلتِ لي “معك حق هيك بدي اياك رجال بتحبّ بلادك روح مار يوسف والعدرا معك وما ترجع إلا وبلادك معك” لا أنسى تلك اللحظة كما لا أنسى يوم حملوني إليك جسدا من دون روح…

ما تذكّرني تقبرني بصير بدي إرجع كون أنانية بحبك وإذا بترجع تسألني بقلك ما تروح خليك حدّي…

لا أظن أمي أنك تفعلين هذا…

معكَ حق لو عادت بي الأيام الى الوراء لأعدت المشهد ذاته، ولقلت لكَ ما قلته سابقا مع تفصيل إضافي بسيط، لكنت ذهبت معك الى الجبهة، ربما لو فعلت لكنتُ الآن أنا مكانك وأنت في الحياة تنبض فيها، لكنتُ افتديتك، لكنتُ قمت بواجبي كاملا، أن أعيش وأموت لأجلك.

أنت فعلتِ وتفعلين دائما أمي، عشتِ لأجلي ومتِ معي آلاف المرات، في الأرض أنا مت مرة واحدة، أنت تعيشين غيابي بموتك كل يوم، أنا أعرف رغم افتعالك الحياة ورغم اقترافك الابتسامة المصطنعة، مع ذلك أنتِ رائعة جميلة تنبضين بالحياة، باستشهادي، تصوري الى أي مدى أنتِ مؤمنة أمي.

إسمع ألا يزوّجون الناس هناك في السماء؟ زوّجوك تقبرني؟ عندك عروس؟ ألا يريد يسوع لناس السماء أن يتكاثروا ليمجّدوا إسمه وقيامته كما هنا على الأرض؟ معقول أن أرى أحفادي عندما ألتقيك قريبا في السماء؟

يضحك الشهيد من قلبه، ما زالت أمه تضحك، تمزح، قوية تناضل لأجل وطنها، لأجل الدم الذي سقط منه لتشرب الأرض قطرة قطرة وتنبت الأمل، يضحك سعيدا، تقف أمه الى حافة الرؤيا، تقطف زهرة الحقل وتقبّلها وتكاد تبتلع وريقاتها، تراه فيها، ابنها الشهيد، لا تكتفي، تحصد كل زهور البستان، كل واحدة منها شهيد، وهي كل الأمهات، تقبرني سأضع الباقة أمام صورة العذرا وسأنظم مظاهرة حب مع أمهات الشهداء وسنرفع يافطات لا تطالب بعودتكم، فأنتم لم ترحلوا إنما برحيل جحافل الموت المقبل علينا ليمحو آثار دمائكم ونحن هنا بالمرصاد، وكما علّمتك أن تحمل العلم والبارودة والقلم، أنت علمتني أن أحمل الكرامة الى آخر حدود الزمن، وحيث لا قبر ولا أبواب موصدة، إنما ذراعي تحضن ذراعيك يا أمي وتحضن الوطن، أنا أم الشهيد أنا أم الكرامة…

*لأن الوفاء أقل ما يمكن أن نقدمه لشهدائنا، ولأن كل واحد منهم قصة بطولة وملحمة عنفوان، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “إن ننسى فلن ننسى” من حكايات رفاق توجوا نضالهم بالاستشهاد لنبقى ويبقى الوطن.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل