لا بد أن درج تلك الزنزانة في معراب، مساء الجمعة 24 نيسان 2015، سمع دقات قلبي… تضرب رهبةً، خوفاً وفرحاً. ليلتها كان الموعد، انا وجوزيف زوجي وولداي جويا ورواد نرافقك يا حكيم مع ستريدا إلى زمن مليء بظلم وأسى ولكنه يزخر أيضاً بكرامة المقاومة. كنت قبل الزيارة حكيت لولدي عن خيارك بأن تبقى في لبنان وتواجه إرادة الاستبداد، وكنت سعيدة ومضطربة في آن واحد، مضطربة لخشيتي على طفولتهما من رؤية بعضاً من بشاعات الظلم، ومسرورة لأنهما سيشاهدان أمكنة وظروفاً مطابقة لما عشناه فيعرفا كم هي غالية حقوق الإنسان! كم هي غالية الحرية!
تذكّرنا حكيم في بداية اللقاء انني أوقفت في عيد الأم، في 21 آذار، قبل شهر تماماً من اعتقالك، لحظة دخولي المكان، عجّ رأسي بالماضي الموجع: أنا في زنزانتي وحدي في وزارة الدفاع، سمعت ضجة، خفت، ارتجف قلبي، وقلت في نفسي الآن ربما سيضربون الشباب، وسأعود وأسمع أصوات صراخهم من الوجع، صدى عذابهم يستمر هنا في بالي وفي أذنيي.
من ثم قلت في نفسي يبدو انه حان وسيعودون للتحقيق معي، والتحقيق عندهم يعني التعذيب، واقتربت الضجة أكثر من زنزانتي وعلت معها كثيراً دقات قلبي، غابت الضجة، فُتِحَ الباب، اصطحبوني معهم قائلين ” بتعرفي مين شرّفنا؟”، لفظوا اسمك، لم أصدقهم، أخذوني كي أراك، وكأنني كنت لا أريد أن أصدق حتى رفعوا العصابة عن عيني.
وكانت لحظات لا توصف، كم خفتُ عليك، خِفتُ كثيراً، لكنني رأيتك جالساً بطلاً، من المؤكد انهم أرادوا إذلالنا ولكنني منك استمديت قوة حقيقية، كم صليت بعد ذلك كي يخلصنا الله كلنا، وكم حزنت عندما عرفت بموت فوزي الراسي تحت التعذيب.
استرجعنا ذلك اللقاء يا حكيم، ولا أزال مذهولة بأنك تتذكر أدق التفاصيل، لم أقل لك أنني يومها فهمتُ القدر الذي يجب أن أفهمه، وانني اليوم أدرك أن عذابك وعذابي وعذاب الشباب كلهم، شراكة غالية جداً تجمعنا دائماً.
تحمّلني دائماً مسؤولية كبيرة يا حكيم عندما تقول لي انني رمز لـ”القوات”، بعد زيارتي والعائلة للزنزانة تأكدت كم أن حظي كبير بأن الله أعطاني القدرة على المسامحة، وبانني لم افقد يوماً إيماني بأن علي دائماً أن اعمل ضد التعذيب والظلم، عيون جويا ورواد وهما يتابعانك وانت تخبرهما ما عشناه، وهما يشاهدان فقرة مصورة عن البلانكو، عيونهما أكدت لي أن خياري بأن أبقى ادافع عن الإنسان وحقوقه كان من أجلهما، من أجل أن يعرفا قيم الكرامة الإنسانية والعدل.
كم لمحت وجه أمي وانا في تلك الزيارة، في وجهها تُقرأ كل تفاصيل القضية، وكم عدت وتمنيت ان اتمكن من تربية ولديّ كما ربتنا هي بصلابة الإيمان وبعذوبة المحبة. فكرتُ بأمي وتذكرت كيف ان ستريدا وقفت إلى جانبها، وإلى جانب أهالي الشباب المعتقلين، وكيف انها رغم وجعها، كانت تسعى للتخفيف عنهم، تذكرت كيف كانت تمسح دموعي ودموع أمي، وكيف اثبتت انها قادرة على تخطي الصعوبات والمواجهة بالصبر والايمان والمقاومة.
في ختام زيارتنا حكيم، كم خطر في بالي ونحن قبالة ذلك الوادي الجميل أن أصرخ ملء رئتيّ ويدوي الصوت لأقول للظالمين، خسرتم لأنكم ظالمون وربحنا لأنه لا يصح إلا الصحيح.
بعد عودتنا إلى البيت عبّر جويا ورواد عن محبتهما للبنان، للقوات اللبنانية، لك حكيم، لستريدا، وبكيت انا عندما قالا لي انهما فخوران بأنني والدتهما.
شكراً لك حكيم، فخلف كل زاوية في تلك الزنزانة سنوات من الوجع والمرارة والانتظار، وخلف كل تلك الجدران ايمان قوي متجذر كأرزة من ارزات الرب.
سنة، اثنتان، خمسة، احدى عشرة سنة، ولم يصح الا الصحيح، ولا من حر الا الحكيم. بالظلم التقينا يا حكيم ، وبالحرية نستمر معك ومع ستريدا انا وجوزيف وجويا ورواد.