
إنّ مشكلة التّشريع ونأي الحكومة بنفسها عن السياسة تأخذ اليوم حيّزاً جديداً بعد أن أقدم الرئيس برّي على توزيع جدول أعمال الجلسة التّشريعيّة، لكنّه لم يحدّد موعدها بانتظار بلورة من هنا، أو حزم أو حسم من هناك. لكن المفارقة واضحة في من يرفض التّشريع.
إنّ “القوّات اللبنانيّة” في هذا الموقف منسجمة مع ذاتها ومع كلّ قناعاتها تجاه اللبنانيين. لقد قاطعت التّشريع في ظلّ غياب رئيس للجمهوريّة، لكنّها لم تقاطع ولا أي جلسة من جلسات انتخاب الرّئيس التي تخطّت العشرين جلسة. فالقوّات دائما قامت بواجبها الانتخابي لعدم ترك البلاد بلا رئيس وبالتّالي لتستقيم عجلة التّشريع والتّنفيذ.
أمّا المفارقة الكبرى في أولئك الذين يعيشون ازدواجيّة في مواقفهم السياسيّة، فمن جهة يدعون إلى مقاطعة الجلسات التّشريعيّة في ظلّ غياب رئيس الجمهوريّة، ومن جهة أخرى يقاطعون جلسات انتخاب الرّئيس انسجاماً مع مصالحهم الخاصّة.
وفي حال استمرّت المقاطعة المسيحيّة للجلسة التّشريعيّة، فهي ستكون حتماً غير ميثاقيّة في حال انعقادها، لغياب نصف الوطن عنها، الا إذا في حسابات النّصف الآخر من الوطن، تحويل المسيحيّين فيه إلى 33 % فقط، وعندها سيسهل مرور كلّ شيء بالنّسبة الى النّصف الآخر.
هذا كلّه وقد استجدّت مشكلة انتهاء ولاية القادة الأمنيين ولن يوافق التيّار الوطني الحرّ الا بتمرير صهر الجنرال كقائد عتيد للجيش، وذلك لأنّه لا يمكن تعيين قائد للجيش في ظلّ غياب رئيس الجمهوريّة. كلّ ذلك جائز للتيّار في حال تمّ تأمين مصالحه الخاصّة.
أمّا بعد، فمواقف القوات واضحة وصريحة ولن تتبدّل الا لمواجهة الفراغ فقط، ذلك الفراغ الذي يسعون الى تثبيته يوماً بعد يوم، ماذا وإلا فلينزلوا الى المجلس، وليحضروا جلسة انتخاب الرّئيس، وليصوّتوا للرّئيس الذي يريدونه، بغضّ النّظر عن كلّ أنواع الحوارات الدائرة.
كلّ ذلك في ظلّ وضع أمني شبه ممسوك على الحدود، مع السماح لقوافل السّكود بسلوك طرقات الجرد لتصل إلى يد “حزب الله” ليغمسوا رأسه أكثر في الوحل. لكن ما يسمح تمريره ” عاللبناني” إقليميًّا لم يمرّ. من هنا كانت الغارة الاسرائيليّة التي انكر اهدافها الحزب والنّظام، وهذا أمر بديهيّ.
وما يبشّر بالخير، أنّ لا قرار محلّيا ولا دوليا، بتسييب الأمر في لبنان، لكن ما نخاف منه أن يلعب خاسرو المستقبل لعبة “صولد” ويقولون من بعدها العبارة الشهيرة: “لو كنت أعلم.”
أمّا مواقفنا فثابتة من ناحية الدولة في سلطاتها المتعارف عليها، تشريعيّة كانت أو حتّى تنفيذيّة، ولا داعٍ بالنّسبة الى السلطة القضائيّة فموقفنا واحدوصريح يقرأ من لجوئنا الدائم الى القضاء للفضّ في جميع الخلافات التي نواجهها مع مختلف الأطراف، وكلّنا ثقة بأنّه سينصفنا حتّى لو بعد انقضاء 4114 دهرًا.
خلاصة القول، من يدّعي الحرص على لبنان لا يترك لبنان ويدافع عن أهل بيته لو خارج حدوده، ولا يعرّض مصالح أبناء بيته بالذات في دول الخليج لخطر الطرد فالإفلاس. من يدّعي الحرص على مصالح الوطن، لا يحجمها لتنطبق على مصالحه الضّيّقة.
