كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1429:
هو إبن الحركة الرسولية المريمية، يعيش تعاليم يسوع المسيح، يردّد معه “جئت لأخدُم لا لأخدَم” ويقرِن القول بالفعل خلال 11 عامًا ونيّف كرّس كل إمكاناته وطاقاته في خدمة من جسّد بسجنه وإعتقاله قربانًا على مذبح القضية المسيحية والوطنية ليكون الى جانب عائلته الصغيرة بعد أن إلتحق بالعائلة الكبيرة في دورات الطلائع الفكرية والسياسية. وكما تحفر نقطة الماء في الصخر أمضى سنوات الإضطهاد يعمل بلا كلل ولا ملل، يستمد من الضعف قوة بانتظار أن تكسر الحقيقة أبواب السجن، وتنتصر القضية ويعود القائد من سجنه الصغير ليحرّرنا من سجننا الكبير. بيار ضو يستعيد من زمن النضال السلمي محطات تؤكد أن من كان يملك من الإيمان مقدار حبة خردل قادر أن يقول لهذا الجبل إنتقل، فينتقل.
.gif)
بيار ضو ولد في عائلة قواتية الإنتماء من الأب الى الإبن. إنتقل الإيمان بواجب المقاومة الى كامل أفراد العائلة وكلٌ كان له سلاحه. عن بداياته في “القوات” يروي بيار: “في الأساس لم أكن ناشطًا او ملتزمًا في صفوف “القوات اللبنانية” كما والدي وشقيقي. كنت موظفًا في المؤسسة اللبنانية للإرسال LBC، وفي العام 1994 قبل أن يعتقل الدكتور سمير جعجع كانت هناك دورات سياسية أطلق عليها حينذاك “دورات الطلائع” إلتحقت بالدورة السادسة منها رغبة بتنمية النزعة القواتية التي كانت لدي بطريقة علمية وأكاديمية أكثر، لكن الحظ لم يحالفنا ولم نكمل دورتنا إثر إنفجار كنيسة سيدة النجاة والتضييق الذي بدأ على “القوات” وكل من ينتمي اليها.
في نيسان 94 عندما اعتقل الحكيم عملت وفق إيماني بما أوصانا به يسوع المسيح “كنت سجينا فزرتموني”. وبما أنه لم يكن ممكنا أن أزوره قرّرت أن أقف الى جانب زوجته أو والديه أو أي كان من عائلته. وهكذا تعرفت الى السيدة ستريدا جعجع بواسطة المحامي أسعد أبي رعد. وكنا قرّرنا أنا وزملاء لي من دورة الطلائع أن نزورها كل يوم أربعاء في بيت الحكيم في يسوع الملك لوضع إمكاناتنا بتصرفها.
.gif)
مع حلّ حزب “القوات اللبنانية” توزعنا مجموعات كل مجموعة مؤلفة من أربعة اشخاص بهدف التواصل المستمر، فشكلنا أنا وروبير فرنسيس وروكز مزرعاني وسهام حبشي رباعي طلائع مستعد للمقاومة الجديدة.
هكذا ومثل كثر من الشباب عندما وجدت أن رمز القضية وقائدها الدكتور سمير جعجع بات في عتمة السجن قرّرت أن أتجنّد لخدمة القضية عبر المنظومة الجديدة التي تشكلت مع السيدة ستريدا للمواجهة من الخارج في وقت قرّر الحكيم المواجهة من عتمة زنزانته.
مع تزايد الأعباء والضغوط في حقبة المحاكمات بت أزور البيت في يسوع الملك يوميًا تقريبًا ولاحقًا صرت قريبًا من والديّ الدكتور جعجع وكنت أزورهما في النقاش وأحاول أن أساعدهما في تلبية بعض ما يحتاجانه. أذكر عندما بدأ ينتشر الهاتف الخلوي سألني “عمو” فريد عن هذا الجهاز وطريقة عمله فقلت له ان بالإمكان التحدث عبره من أي مكان وتخدم بطاريته 24 ساعة متواصلة ويحتاج الى ساعة “تشريج” بالكهرباء يوميًا. هنا قال لي بحسرة “كيف يحق لجهاز أن “يشرّج” ساعة كل أربع وعشرين ساعة ولا يحق لإنسان مثل أبني سمير بساعة شمس في اليوم”؟
وفي إحدى المرات اصطحبت العم فريد لتأدية واجب العزاء بوالدة الرفيقة شادية شحادة في الاشرفية فتجمهر المعزّون حوله للسؤال عن الحكيم وصحته. مشهد تكرّر أمامي أيضًا عندما رافقته لتسلم راتبه التقاعدي من بنك “سوريا ولبنان” فتحلّق حوله الزبائن يسألونه عن صحة الحكيم ويطمئنون الى أحواله. هذه الوقائع تبدو عادية لو كانت في يومنا هذا، لكن في تلك الأثناء كانت تعدّ من “المخاطر” حيث العيون الأمنية ترصد تحركات كل شخص يمتّ بصلة الى سمير جعجع.
لماذا كنت مثابرًا على حضور جلسات محاكمة الدكتور جعجع؟
كنت قبل كل جلسة أزور كنيسة قلب يسوع الأقدس في بدارو وأصلّي مسبحتي على نية الحكيم وليمنحنا الرب الصبر كما يمنحه إياه في الزنزانة. وكنت حريصًا على أن أكون قريبًا من السيدة ستريدا جعجع لأنه لم يكن يسمح لها أن تدخل مع مرافقين. وكانت التدابير الامنية مشدّدة جدا داخل القاعة ويُطلب منا قبل بدء الجلسة الالتزام بالتدابير الصارمة فكنا نجلس في قاعة جانبية كبرى الى أن تبدأ الجلسة، بعدها يطلب منا الإنتقال الى قاعة المجلس العدلي، فيجلس جمهور الدفاع في جهة الدفاع ويجلس جمهور الإدعاء جهة الادعاء، واللافت كان ان جهة الإدعاء كانت تبقى خالية فيحتلها من لم يجد له مكانًا من جمهور الدفاع الذي كان في كل مرّة يشكّل تظاهرة وفاء للدكتور جعجع.
.gif)
ما هي المشاهدات التي حفرت في ذاكرتك من ذاك الزمن الصعب؟
في بداية جلسات المحاكمات كانت القوى الامنية تحيط بالحكيم لتحجب وجهه عن الحضور طيلة الجلسة فلا يتمكن من التواصل معنا ولو بلغة العيون. وكنا نحاول أن نستغل أي فرصة لنتواصل معه بالإشارات.
مما اذكره أنني التقيت بالمحامي الدكتور إدمون نعيم رحمه الله على باب المجلس العدلي وهو يتأبط ملفات كثيرة فبادرت الى مساعدته على حملها ودخلت معه الى القاعة، ولأصل للمرة الأولى الى حيث يجلس في المقعد الأمامي ويقع نظري على الحكيم حيث كان يفصلنا متر واحد فبادرته التحية والسلام فهزّ رأسه رادًا التحية. كانت بعض الجلسات تطول حتى ساعات متقدمة من الليل وكنا نصر على البقاء مهما طال الوقت. وما لا يمكن أن ننساه أن الحكيم كان يتولى الدفاع عن نفسه بعد مرافعات محامي الدفاع مباشرة ومن دون أي ورقة. وفي جلسة قضية تفجير سيدة النجاة إستغرقت مرافعة الحكيم نحو ثلاث ساعات، وكان الحضور والقوى الأمنية والضباط والقضاة شاخصين إليه مأخوذين به وكأنه يلقي فيهم خطابًا!
أذكر هنا الجملة الشهيرة التي ختم بها إحدى مرافعاته متوجها الى رئيس المجلس العدلي: “سيدي الرئيس لا يعتقد معتقد في لحظة من اللحظات بأن الله قد مات، أو بأنه لا يتدخل في التاريخ، فآثار لمساته وبصماته ظاهرة واضحة جلية على كل مفترق من مفارق أيامنا. ومهما يكن من أمر، فأنا كلي إيمان، لا بل أعمق وأبعد من الإيمان بعد بأنه، مهما تكن الطريق طويلة صعبة شاقة ومتعرّجة، فانه في نهاية المطاف لن تكون إلا مشيئته”.
وهنا تبادرت الى ذهني آية من الإنجيل بعد سماعي الحكيم يتحدث نحو ثلاث ساعات نقي الذهن صامدًا بإيمانه، تقول “ستقادون الى المحاكم فلا تخافوا ماذا تقولون لأن الروح القدس هو الذي يتكلم فيكم”.
.gif)
أنت ملتزم في الكنيسة ويقال إنك جنّدت هذا الإلتزام في سبيل قضية الدكتور جعجع كيف؟
أنا ملتزم في الحركة الرسولية المريمية في رعيتي في كنيسة مار ضومط سن الفيل، وحاولت بعد شهرين من اعتقال الحكيم أن أشرح لرعيتي التي أنتمي إليها طبيعة المؤامرة التي تعرّض لها الدكتور جعجع لإلغاء “القوات اللبنانية”، فعرضنا فيلمًا سينمائيًا بعنوان In The Name Of The Father في صالة الرعية، الذي يروي قصة شاب إيرلندي وسجن ظلمًا في بريطانيا وتعرّض والده أيضًا للسجن ومات في سجنه بتهمة الإرهاب، ليتبين بعد سنوات أنه كان ضحية مؤامرة ويصدر حكم ببراءته مع عائلته بعد الكشف عن المجرم الحقيقي الذي أخفت هويته أجهزة المخابرات حتى لا تتهم بالتضليل. بعد انتهاء العرض أذكر في تلك اللحظات رد فعل الناس الذين خرجوا وهم يفكرون بالظلم والمؤامرة التي أودعت الدكتور جعجع في سجن وزارة الدفاع. وهذه كانت غايتي وأمنيتي.
بيت يسوع الملك كان محجّة يومية لبيار، والمضايقات عند الحواجز التي تطوق البيت لم تثنه يومًا عن القيام بهذا الواجب، حتى ولو كان الثمن الضرب والتهديد وخسارته وظيفته في الـ LBC. عن تلك الأيام يتذكر “كنا نفتش يوميًا على حاجز الجيش ونجبر على النزول من السيارة والوقوف على رجل واحدة على حائط دير يسوع الملك قرب الحاجز، وغالبًا ما كنت أخرج برفقة المرحوم الشيخ فريد حبيب ولبنان جعجع فينالا نصيبهما من العقاب أي الوقوف على رجل واحدة وهما بتلك السن.
مرة إعترضتني سيارة مدنية تويوتا كورولا حمراء ليلًا قرب الحاجز وانهال من بداخلها علي بالضرب من دون أن أعرف السبب لكن العناية الإلهية تدخلت وهرع عسكري من الحاجز برتبة مؤهل وطلب من المعتدين أن يتركوني وشأني فلم يفعلوا إلا بعد أن تسببوا بإيذائي وهدّدوني كي لا أعود الى منزل الحكيم”.
في الزمن الذي “هرب فيه الأحباب” تطوّع بيار لتوزيع بطاقات عيد الميلاد التي كانت موقّعة باسم سمير وستريدا جعجع، وكانت حينذاك جريمة كبرى بنظر القوى الأمنية وخطرًا على الأمن القومي! وعندما لاحظ الضيقة المالية التي تمرّ بها ستريدا لتأمين مصاريف تلك المرحلة راح ينظّم حفلات العشاء ويضمن المسرحيات التي يعود ريعها للحزب. فلس الأرملة جمع الكثير، وإيمان بيار ككثر مثله من الشباب بالقضية فعل الكثير الكثير.
.gif)
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.