وقف وزير الداخليّة نهاد المشنوق في قلب الضاحية الجنوبيّة، في متابعة لتطبيق الخطة الأمنية فيها في يومها الثاني، ألقيت في وجهه «أسئلة خبيثة» ـ وعن عمد وتصميم ـ وسُرّبت مواعيد «غير مضروبة» والقصد منها «إحراق سياسيّ لصورته»، سئل المشنوق: اليوم في الضاحية مُرّحب بمعاليك ولكن هناك تظاهرات ضدك في مناطق أخرى؟ فأجاب بـ»الحزم»: «هل يمكن أن تتوقفوا عن الترحيب بي وكأنكم مسؤولون عن الضاحية وأنا آتٍ من منطقة أخرى.. هذه أرض لبنانية وأنا معني بها كمواطن وأنا جزء منها، وأنا مسؤول عنها من موقعي الوزاري، الأمر الثاني، الخلاف السياسي الذي تتحدث عنه ليس هنا مكان بحثه ولا علاقة له بالخطة الأمنية».
حاولوا إزعاجه بالسؤال: «كل الناس في الضاحية رحبوا بالخطة الأمنية، ولكنهم احتجزوا في سياراتهم مدة ساعتين بسبب إقفال الطرقات من أجلك؟»، فردّ مُحْرِجاً السائل: «الطرقات واسعة ولا تتطلب إقفالاً من أجلي، أنا جئت من طريق مفتوحة وكلّها سيارات، جئت من الطيونة، والسيارات كانت تسير بشكل عادي»…
بالأمس، وعلى مواقع التواصل الإجتماعي حظيت الخطة الأمنية للضاحية الجنوبية بكمّ هائل من التعليقات «السلبيّة»، التي تعكس عدم «ثقة» بالضاحية و»مختطفيها» الذين ذكّروا وزير الداخلية «أنّه مرحب به بالضاحية»، هذا عدا عن «الكاريكاتير» الساخر، وهذا أمر يدفع إلى التساؤل، من يسعى مع كلّ خطوة للوزير نهاد المشنوق إلى التشكيك فيه، وتجاهل أنّه رفيق الرئيس الشهيد رفيق الحريري ومستشاره، وأنّ حضوره الجماهيري الشعبي عند أهل بيروت وعائلاتها هو الذي أهلّه لدخول النّدوة النيابيّة، ولصدقه في قول الأشياء كما هي وبهدوء…
دخل الوزير نهاد المشنوق قلب الضاحية الجنوبيّة، وهو عازم على تنفيذ الخطة الأمنيّة التي إن كانت أدنى حصائلها القبض على صغار تجار بيع المخدرات لكان هذا إنجازاً في حماية المواطنين، لأوّل مرة يتحدث مسؤول لبناني من قلب الضاحية عن «إزالة المخالفات» في مناطق اعتادت أن ترشق بالحجارة القوى الأمنية كلما حاولت إزالة مخالفة، وما سمعناه من المواطنين بالأمس يؤكّد أن سكان الضاحية الجنوبيّة مع الدولة، بل ويريدون العيش في كنفها، فهل على الحكومة ترك هؤلاء المواطنين اللبنانيين فريسة الإحساس بأنهم «رهائن الدويلة»؟!
دخل نهاد المشنوق الضاحية الجنوبيّة، ومواقفه التي أطلقها منتصف الشهر الجاري في العشاء التكريمي لاتحاد العائلات البيروتية تسبقه، وما تزال تدوّي، إن لم نقل أنّها تعادل بل وترجح كلّ ما قيل في لبنان دفاعاً عن المملكة العربيّة السعوديّة و»عاصفة الحزم»، وربما كان علينا أن نفرد لها مساحة قراءة لاستراتيجية المشهد العربي الذي رسمه المشنوق فيها آخذاً على عاتقه الردّ على المرشد الإيراني «علي الخامنئي» وانتقاد التدخل الإيراني في المنطقة العربية، الرّجل الذي وقف في قلب الضاحية بالأمس بصفته وزير الداخليّة، هو الرّجل نفسه الذي قال قبل أيام قليلة: «سمعنا قبل أيام كلاماً يتوعد المملكة العربية السعودية بالهزيمة وبتمريغ أنفها بالتراب [حديث صحافي لعلي الخامنئي]، وأنا (المشنوق) أقول من بيروت، من العاصمة التي عانت من صاحب الكلام ومن مدرسته، بقدر ما عانت من إسرائيل، ومن العاصمة التي لم تبخل عليها الرياض يوماً بكل ما يساهم في نهوضها وعمرانها وتألقها ورفاه أهلها من كل الطوائف… أقول من هذه البيروت أن من سيمرغ أنفه بالتراب هو كل من احترف ثقافة العدوان والإلغاء وتزوير الإرادات والتطاول على الشرعيات وكل من يعتقد أن زمن الاستضعاف سيدوم إلى الأبد».
ونستغرب وبشدّة أن لا يكون هذا الكلام حاضراً في أذهان المعلّقين على متابعة الوزير المشنوق لسير تطبيق الخطة الأمنية فيها، ومن المستغرب ألا يظلّل دخوله الضاحية بالأمس كلامه في منتصف الشهر الجاري إذ قال: «ولأكون بغاية الصراحة، وبعيداً عن تفاصيل الانقسام السياسي في البلاد، لا نقبل ولا نوافق على المساواة المفتعلة بين مملكة الخير وأخواتها ودورهم في لبنان وبين إيران والنظام السوري ودورهما. فلا مساواة بين من تقوم كل سياساته الأمنية والسياسية والعسكرية على ضرب الهوية اللبنانية الجامعة وتدمير الدولة وخلخلة النظام السياسي فيه، وبين من لا يريد للبنان إلا الخير للدولة وجيشها وقواها الأمنية قولا وفعلا»، أو إعلانه وبصراحة شديدة ذلك اليوم: «لقد قاتلونا على وطنيتنا، وقاتلونا على عروبتنا، وهم يقاتلوننا اليوم بسيف الانقسام الديني والمذهبي والإنساني، لكننا كنا وسنبقى وطنيين وعرباً ومسلمين، وقبل ذلك وبعده سنبقى بشراً، قبلنا دور الشهيد، لكننا لا نقبل دور القاتل أو الجلاد أو الخائن أو المتطرف»…
يبدو أن البعض يخفي في رأسه وعقله وقلبه مخاوف وهواجس حقيقيّة قد تحمل الوزير «نهاد المشنوق» إلى الرئاسة الثالثة في المرحلة المقبلة، بعد انتخاب رئيس للجمهورية، إن بقيت الأوضاع الأمنية تحول دون عودة الرئيس سعد الحريري، ونظنّ أنّ «حاكم لبنان الإداري نهاد المشنوق ـ كان يطلقها الراحل كمال جنبلاط على نفسه عندما تسلم مهمته كوزير داخليّة ـ نظنّ بشدّة أن «حاكم لبنان الإداري»، بات «قاب قوسيْن أو أدنى من أن يصبح «دولة الرئيس» برغم «منهجيّة خبائثِ خُبْثِ حسد الحاسدين»!!