
لمناسبة البدء بتطبيق قانون السير الجديد، أثارت “النهار” في عددها الصادر بتاريخ 9 نيسان 2015 مسألة توزيع عائدات غرامات السير والجهات المستفيدة منها، أي صندوق الاحتياط في قوى الأمن الداخلي، وصندوق تعاضد القضاة، والصندوق التعاوني للمساعدين القضائيين، والبلديات. وتبيّن انّ هذه المسألة تحظى باهتمام واسع من الأوساط الحكومية والنيابية على السواء رغم اقرار القانون.
وعلمت “النهار” ان وزير المال علي حسن خليل وجّه في 4 نيسان 2015 كتاباً الى الأمانة العامة لمجلس الوزراء موضوعه مشروع قانون، أعدّته الوزارة، وحصلت “النهار” على نسخة منه، وهو يرمي الى تعديل مادتين من قانون السير الجديد مع الأسباب الموجبة، متمنياً عرضه على مجلس الوزراء.
واللافت ما ورد في الأسباب الموجبة لمشروع القانون هو ان يعاد توزيع نسب الغرامات، بحيث تذهب الى تأمين تمويل بعض المشاريع ذات الأثر الاجتماعي، ومنها سلسلة الرتب والرواتب، صندوق المساعدة المنصوص عنه في قانون الايجارات الجديد، بدلاً من ان تذهب الى خزينة الدولة والبلديات لتحسين الطرق والسلامة المرورية. وفيه: “لما كان التوزيع الحالي لغرامات السير المنصوص عنه في المادة 401 من القانون الرقم 243 تاريخ 22/10/2012 (قانون السير الجديد) يحجب عن الخزينة بصورة كلية أي حق أو حصة من غرامات السير المحصلة بموجب أحكام قضائية، وهذه سابقة في تاريخ التشريع اللبناني.
ولما كانت غرامات السير المنصوص عنها في قانون السير الجديد هي غرامات كبيرة وسيؤمن حاصلها بالتأكيد مبالغ مهمة للمستفيدين منها. ولما كانت الخزينة بحاجة ماسة لموارد اضافية لتأمين تمويل بعض المشاريع ذات الأثر الاجتماعي، ومنها سلسلة الرتب والرواتب، وصندوق المساعدة المنصوص عنه في قانون الايجارات الجديد. ولما كانت المادة 402 من القانون المذكور ترتب أعباء اضافية على الخزينة،
لذلك، أعدت وزارة المال مشروع قانون يرمي الى تعديل المادتين 401 و402 بشكل يلحظ 50% من غرامات السير المحصلة لصالح الخزينة، ويوزع النسبة المالية على البلديات وصندوق احتياط قوى الأمن الداخلي وصندوق تعاضد القضاة والصندوق التعاوني للمساعدين القضائيين، ويلغي الزيادة المنصوص عنها في المادة 402 على رواتب عناصر السير في قوى الأمن الداخلي العاملين على الطرق، ويستبدلها بمكافأة سنوية تدفع من صندوق احتياط قوى الأمن الداخلي”.
أما تعديل المادتين فورد كالآتي:
“المادة الأولى: يلغى نص المادة 401 من القانون الرقم 243 تاريخ 22/10/2012 (قانون السير الجديد) ويستبدل بالنص الآتي:
“خلافاً لأي نص آخر، تحدد حصة الخزينة بنسبة 50% من كامل حاصل غرامات مخالفات السير، ويوزع الباقي وفقاً للأسس الآتية:
أ – في الغرامات المستوفاة بموجب محاضر ذات طابع أو بواسطة الوسم الآلي:
– 20% لصالح صندوق الاحتياط في قوى الأمن الداخلي.
– 30% لصالح البلديات توزع عليها وفقاً للأسس المعتمدة في توزيع مخصصات البلديات من الرسوم المشتركة.
ب – في الغرامات المحصلة بموجب الأحكام القضائية الصادرة وفقاً لأحكام هذا القانون:
– 5% لصالح صندوق تعاضد القضاة.
– 5% لصالح الصندوق التعاوني للمساعدين القضائيين.
– 10% لصالح صندوق الاحتياط في قوى الأمن الداخلي.
– 30% لصالح البلديات، توزع وفقاً لذات الأسس المبينة في الفقرة (أ) من هذه المادة”.
المادة الثانية: يلغى نص المادة 402 من القانون الرقم 243 تاريخ 22/10/2012 (قانون السير الجديد) ويستبدل بالنص الآتي:
“يعطى عناصر السير في قوى الأمن الداخلي العاملون على الطرق مكافأة سنوية تدفع من صندوق احتياط قوى الأمن الداخلي”.
المادة الثالثة: يعمل بهذا القانون فور نشره في الجريدة الرسمية”.
هل من المنطق ان يعدّل القانون لتذهب عائدات غرامات السير لتمويل سلسلة الرتب الرواتب، بدلاً من ان تبحث الدولة عن تمويل للسلسلة من غير جيوب المواطنين؟
هناك مبادئ يمكن الاسترشاد بها لابتكار الحلول واختيار الأنسب منها، وفق مدير ماستر ادارة السلامة المرورية في جامعة القديس يوسف الدكتور رمزي سلامة. مثلًا، في ما يخص تحاشي تضارب المصالح بين قوى الأمن والقضاة، يمكن أن يعدّل نص القانون بحيث تعود كامل حصيلة الغرامات الى صندوق الخزينة، وإدراج مادة تقضي بتخصيص جزء محدّد من هذه الغرامات لكل صندوق في الموازنة العامة. “أما إذا كان المشرّع لا يريد أن يحرم مباشرة المستفيدين من هذه الصناديق من عائدات الغرامات ويريد أن يطمئنهم، فيمكنه أن يعدّل الغرامات، بحيث تنطوي على قسم أساسي يعود الى صندوق الخزينة، يضاف إليه مبلغ مقطوع لكل صندوق يريد أن يرفده بالموارد من عائدات هذه الغرامات، مهما كانت قيمة الغرامة”.
أما بخصوص ما ينص عليه القانون الحالي في شأن حرمان الخزينة كلياً من عائدات الغرامات المحصلة بموجب أحكام قضائية، ففي رأي سلامة يبدو أن القيمين على المال العام ليسوا مسرورين من هذا الأمر.
“أمّا أن تصبح الغرامات الجديدة مصدراً مالياً جديداً للخزينة يمكن استخدامه لتمويل مسائل ومشاريع لا تمتّ بأي صلة للسير والسلامة المرورية مثل سلسلة الرتب والرواتب وغيرها من التدابير التي تولّد أعباء جديدة على الخزينة، فهذا خطأ يجب ألا يرتكبه المسؤولون، ذلك لأنه يزيد من شعور المواطن بأن الحكومة تستغلّ أخطاءه على الطريق لكسب المال، لا لحمايته وتحسين بيئة الطريق التي يستخدمها. الأجدى أن تستخدم هذه العائدات لتحسين السلامة المرورية في مختلف الميادين، وليس أقلّها تخصيص الأموال اللازمة لصيانة الطرق، وتحسين الإنارة، وتعميم اللافتات والإشارات المرورية، وتغطية أقنية المياه، وتعزيز عمل هيئة إدارة السير والآليّات والمركبات لزيادة أعداد الرادارات والكاميرات، وتعزيز عمل مركز التحكّم المروري، وإدارة السجل المروري، وإنشاء مفارز سير جديدة وتعزيز عدّتها وعديدها ليشمل عملها كل الأراضي اللبنانية، وتعميم التربية على السلامة المرورية في المدارس، وغير ذلك…”.
أما بالنسبة الى عائدات الغرامات التي تعود للبلديات، فيقول سلامة ان المشرّع فوّت فرصة ثمينة لتحسين السلامة المرورية في المدن والبلدات والقرى بتركه الأحكام التي تخصّ مخصصات البلديات في قانون السير الجديد على ما كانت عليه في القانون القديم. إن التجربة الدولية في هذا المجال، كما توصيات البنك الدولي والأمم المتحدة، تقضي بأن عائدات غرامات السير التي تخصص للبلديات تكون حصراً من أجل تحسين السلامة المرورية في النطاق البلدي، من تحسين للبنية التحتية، وتدريب الشرطة البلدية على تطبيق قانون السير، والقيام بحملات توعية، إلخ.
يبدو جلياً أن مسألة الغرامات وتوزيعها في حاجة إلى إعادة نظر جدّية، إن لجهة قيمتها لكل فئة من فئات المخالفات، أو لجهة توزيع عائداتها. لكن، يختم سلامة، ان ذلك يجب ألا يثني المواطن عن اتخاذ كل التدابير اللازمة لحماية نفسه والآخرين من الحوادث، ولاسيما احترام حدود السرعة، عدم التلهي أثناء القيادة، عدم القيادة تحت تأثير الكحول والمخدرات والتعب والنعاس، إجلاس الأطفال في المقاعد الخلفية، وضع حزام الأمان للجميع، وضع الخوذة الواقية للدراجات، والانتباه الشديد إلى المشاة..