#adsense

القوات شرعتها ونظامها

حجم الخط

 

تصميم عام

الفصل الأول :   حزب القوات اللبنانية، لمن ؟

الفصل الثاني : حزب القوات اللبنانية، لماذا ؟

الفصل الثالث :                حزب القوات اللبنانية، الى اين ؟

الفصل الرابع : حزب القوات اللبنانية، كيف؟ (في مراعاة التوازنات)

الفصــل الأول

حـــزب القــوات اللبنـانيـة

لمـــن؟

  • ان حزب القوات اللبنانية، من حيث هو التعبير أو الشكل المؤسساتي والتنظيمي لحركة وتيار سياسي شعبي لبناني، ليس وليد ساعته ولا حتى وليد تضافر ارادات الجمعية او الهيئات المؤسسة له فحسب، بل هو وليد مسار تاريخي طويل وتسلسل محطات نضالية تعود الى مراحل التاريخ السحيق وصولاً الى الحقبة المعاصرة.
  • وفي هذا السياق، نشير أولاً الى ما خلص اليه المفكّر والفيلسوف البريطاني ارنولد توينبي في مؤلفه “فلسفة التاريخ” وما يشاركه فيه المفكر الفرنسي ريمون آرون في مؤلفه “مقدمة في دراسة فلسفة التاريخ – في حدود الموضوعية التاريخية”، الى وجود ثلاثة اساليب أو طرق او مناهج في فهم التاريخ وهي الآتية:
  • المنهج الاستعراضي للأحداث والوقائع التاريخية.
  • المنهج الإيديولوجي في قراءة التاريخ ويتلخص في محاولة جعل التاريخ يقول ما يحلو للباحث أن يلبسه اياه من حلّة سياسية او عقائدية وفقاً للمبادئ الايديولوجية التي يدعو الى اعتناقها.
  • والمنهج الثالث هو القراءة الديالكتيكية – الجدلية لفهم التاريخ والذي ينطلق من مقاربة علمية وموضوعية لمعطيات التاريخ في محاولة لاستنباط القواعد والنظم والقوانين الموضوعية الناظمة للأحداث، وهذا ما يسمى بلغة المصطلحات غير العلمية، الثوابت التاريخية او دروس التاريخ وأمثولاته وعِبَرِه.

 

  • من هنا وانطلاقاً من المنهجية الثالثة وفي قراءة سريعة لبعض المحطات الرئيسية في التاريخ اللبناني عبر العصور، نتبين مجموعة من المحطات ونستخرج ثوابتها على الوجه الآتي ادناه:
  • من مقاومة صيدون واهلها للفتح المقدوني ايام الاسكندر ذو القرنين.
  • الى مقاومة المدن الفينيقية الفتح الفارسي ومواجهة طغاة كبار امثال ارتحششتاونبوخذنصر وسواهم.
  • الى صمود ومقاومة اتباع مارون ورهبانه والعائلات المحيطة بالأديرة في شمال سوريا بعد مجمع خلقيدونيه عام 453 ميلادي، بوجه اتباع الطبيعة الواحدة للمسيح والهراطقة المسيحيين الذين اضطهدوا الخلقيدونيين الموارنة وجعلوهم ينزحون الى ضفاف نهر العاصي وصولاً الى جبة بشري والمنيطرة فأعالي جبال لبنان؛
  • الى مقاومة الفتح العربي الاسلامي والدولة الاموية والعباسية في ذروة مجدها وتمددها من حدود الاطلسي غرباً الى هضاب أفغانستان وآسيا الوسطى شمالاً وحدود الهند والصين شرقاً.
  • الى المشاركة في الحروب الصليبية والقتال والحملة على قبرص لتحرير ملك فرنسا القديس لويس التاسع من الأسر هناك، وقد قيل ان جيشاً من حوالي عشرين الفاً منالمردة الجراجمة أبحروا الى قبرص من أجل ذلك، وقد اعتبر الملك الفرنسي هؤلاء من رعاياه في الشرق.
  • الى مقاومة الغزو المملوكي لدى اجتياح جبال لبنان وصولاً الى كسروان واستعادة تلك الجبال شيئاً فشيئاً من يد المماليك.
  • الى المشاركة مع الأمير فخر الدين المعني الكبير في القرن السابع عشر في حركة النهضة الثقافية والعمرانية واعلاء شأن الامارة المعنية وحفظ استقلالها النسبي تجاه الدولة العثمانية العليّة وصولاً الى القتال الى جانب اخوتهم الدروز في معركة عنجر.
  • الى دعم الأمير بشير الشهابي ومن ثم الى إطلاق عامية انطلياس في صيف 1840، وصولاً الى معاناة عام 1860 واحداثها الدامية، مروراً بالمتصرفيتين والقائمقاميتين، ومن ثم مقاومة المحتل التركي في الحرب العالمية الأولى.
  • من النضال الدبلوماسي والسياسي تحقيقاً لوحدة لبنان الكبير واستقلاله على يد البطريرك حويك، وصولاً الى معركة الاستقلال عام 1943 والنضال لتحقيق الميثاق الوطني وبناء وتمتين اواصر الدولة اللبنانية بالمشاركة الأخوية بين المسيحيين والمسلمين.
  • وصولاً الى النضال والقتال دفاعاً عن استقلال لبنان في مواجهة محاولات ادخاله في لعبة صراع المحاور الدولية إبان أحداث 1958، وصولاًالى الدخول في مرحلة صراع الدولة اللبنانية مع السلاح الفلسطيني غير المنظم، ومروراً بالاحتكاكات المسلحة في عامي 1969 و1973 بين الجيش اللبناني والأحزاب المؤيدة للخط السيادي الاستقلالي من جهة والاحزاب والقوى السياسية المؤيدة للوجود الفلسطيني المسلّح؛
  • وكذلك وصولاً الى اندلاع الحرب اللبنانية او بالأحرى الحرب على اللبنانيين وبواسطة اللبنانيين منذ العام 1975 ومحطات تاريخية معاصرة عايشناها وعشناها وما زالت ذكراها ماثلة في اذهاننا ومحفورة في أجسادنا وأجساد رفاقنا واهلنا وقرانا ومدننا؛
  • وأخيراً لا آخراً محطات قريبة منا من الاضطهاد والقمع السياسي وسنوات الاعتقال والتهجير وخنق الحريات والنفي الخ… والمسيرة مستمرة.

 

  • أما بعد، فما هي الثوابت التاريخية التي يمكن استخلاصها من تلك المحطات؟
  • منذ فجر التاريخ حتى اليوم، ثابتة تاريخية أولى:

ان لبنان هو أرض الحرية وملاذ عشاقها والساعين اليها وملجأ كل مضطهد أو مقهور ساعٍ الى العيش الحرّ الكريم والى حق ممارسته معتقداته ومبادئه وايمانه الديني وشعائره وعاداته وتقاليده بكل حرية.

  • الثابتة التاريخية الثانية:

ان من أتى الى جبال لبنان الوعرة عبر التاريخ من مقومات مجتمعه التعددي الحاضرة، لم يأتِ اليه سعياً وراء الثروة أو العيش الهنيء، لأن الشرق المحيط بلبنان زاخر بالثروات المادية والزراعية والامكانات التجارية والحرفية؛

إن كافة المجموعات البشرية التي أمّت لبنان أو كوّنت أصلاً نسيجه الاجتماعي والديمغرافي هي عاشقة حرية وكرامة وحق ممارسة معتقداتها وايمانها ونمطها الحضاري والثقافي والديني بكل حرية وفي ظل الاحترام المتبادل للحق في الاختلاف والتنوع والحرص على الاستقلالية.

من هنا فان الحرية والديمقراطية والتعددية هي أسس بناء لبنان في التاريخ ومبررات وجوده وخبز شعبه ومائه وهوائه وشمسه وقمره، من دونها لا وجود ولا مبرر لبقاء لبنان.

  • الثابتة التاريخية الثالثة:

ان الانفتاح والحوار والمحبة والتآخي والتعايش السلمي بين أطياف المجتمع اللبناني بكافة مكوّناته وعائلاته هي القاعدة والصراع فيما بينها كان الاستثناء، ولو ان صدى تلك الصراعات الداخلية اللبنانية كان أليماً على مدى التاريخ وترك غالباً جروحات بالغة؛ انما هو ثابت انه في كل مرة كان اللبنانيين موحّدين كان استقلال لبنان ازدهاره هما النتيجة وفي كل مرة انقسم اللبنانيون على بعضهم كانت الهزيمة والتراجع والهجرة هي الأثمان الغالية التي دفعها الجميع دون استثناء.

  • الثابتة التاريخية الرابعة:

في كل مرة كان مناخ الحرية والاستقلالية والديمقراطية الذي ساد الوطن اللبناني جبلاً وساحلاً وداخلاً، يهدّد من قبل غزاة أو طغاة طامعين على مدى التاريخ كانت تتولّد حركة مقاومة لبنانية لمواجهته، تنجح غالباً وتتراجع احياناً، فتتمدد معها حدود الحرية والوطن أو تتقلّص وفقاً لموازين القوى.

  • الثابتة التاريخية الخامسة:

في كل مرة اعتمد اللبنانيون على ربهم وأنفسهم وتضامنوا وحالوا دون التدخلات الخارجية، قويت شوكتهم وحققوا اهدافهم الوطنية، وفي كل مرة اداروا آذانهم الى التدخلات الخارجية والمصالح الدولية والأجنبية لتلعب بهم وتتخذ من ساحتهم مسرحاً لصراعاتها، كان اللبنانيون يدفعون الثمن غالياً من أعناقهم ومن أرزاقهم ومنمستقبل ابنائهم.

ولا يخفى على أحد أن دراسة التاريخ اللبناني توفّر نتوء ثوابت تاريخية أخرى متعددة لا مجال لاستقرائها في سياق بحثنا الحاضر ونكتفي بما سبق بيانه لحاجات هذا البحث.

  • من هنا وردّاً على السؤال: القوات لمن؟

نقول، لكل من حمل مشعل الحرية والديمقراطية والحق دفاعاً عن الاستقلال والعيش الحر الكريم وحق كل انسان في ان يكون نفسه ويعيش معتقداته مبدأً وممارسةً وفكراً وتعبيراً وشعائر في ظل مساواة واحترام للحريات العامة والخاصة والحقوق والواجبات.

لكل من استشهد دفاعاً عن تلك المبادئ وعن الثوابت التاريخية التي بيناها أعلاه.

لكل من ناضل وضحى وسدد ثمن بقاء لبنان وطناً حراً كريماً مستقلاً سيداً، يعشق أبناءه الحياة بين ربوعه، لكل من دفع فواتير المقاومة والبقاء من دمه وعرقه وممتلكاته وأرضه، لكل من تهجّر وأصيب وتألم، لكل من وقف على تلال لبنان في مواجهة المحتل الغاصب أياً كان،

لكل من قدّم اولاده على مذبح الشهادة دفاعاً عن الوطن،

لكل من أفتى العمر في النضال وضحى بفرص النجاح والتقدم والازدهار وجني الاموال في بلاد الاغتراب وآثر البقاء في لبنان دفاعاً عن الوطن والحرية والحق والمثل العليا التي يؤمن بها اللبنانيون على اختلاف مللهم وطوائفهم وأحزابهم وعقائدهم.

لكل من قرر البقاء والاستمرار ومواجهة الازمات المعيشية الصعبة التي أطلّت برأسها على الوطن بمجرد ما وضعت الحرب أوزارها.

لكل من رفض ويرفض الامراض المجتمعية المزمنة التي يعاني منها الوطن والدولة والمؤسسات.

لكل من لا يقبل الفساد والرشوة والظلم الاجتماعي والتفاوت الطبقي والعنصرية والتفريق بين المواطنين.

لكل ساعٍ الى العدالة الاجتماعية والى السلم الأهلي والاستقرار والازدهار والتنمية واعلاء صرح الثقافة والمعرفة والاختصاص لتدعيم سبل العيش الكريم للأجيال الآتية تفادياً للهجرة من لبنان.

ولكل المناضلين الذين لا يتسع مدى القلم ولا الخيال لذكرهم والذين قد تخوننا الذاكرة البشرية تجاه عطاءاتهم وبطولاتهم على طول مساحة الوطن الصغير الكبير بعشق أبنائه لكل ذرة تراب من أرضه،

لأجل كل هؤلاء معاً، منذ بداية التاريخ وحتى اليوم

نؤسس حزب القوات اللبنانية

وليس لأعضائه المنتسبين حاضراً والمشكلين هرميته الحزبية العتيدة فحسب،

بل ايضاً للبنين والاحفاد وأبناء الاحفاد … ليبقى الوطن …

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصـل الثاني

حـــزب القــوات اللبنـانيـة

لمــاذا ؟

 

 

في ضوء التجربة النضالية المميزة للقوات اللبنانية منذ نشأتها الأولى كحركة مقاومة شعبية في بدايات العام 1979 وفي ضوء تجربة أبناء جيلنا الطويلة نسبياً سياسياً وتنظيمياً على دروب النضال والمعاناة والتضحية، نريد حزب القوات اللبنانية:

– حزباً يكون بيئة طبيعية للحياة السياسية ومدىً مفتوحاً ومساحة حرية للتنافس السياسي والتدرج وصولاً الى أعلى مراتب المسؤولية، على اساس الكفاءة والنزاهة والوعي المتقدم والحرص على أولوية المصلحة العامة واحترام القوانين والأنظمة وحفظ الحقوق واداء الواجبات وصولاً الى مواطن أكثر وعياً وأكثر مسؤولية وانتماءً الى الوطن وأكثر احتراماً للدولة الديمقراطية العصرية العادلة في ظل مؤسسات شرعية ودستورية وتداول ديمقراطي وسلمي للسلطة واحترام لحقوق المواطن وحرياته.

  • حزباً انسانياً، ديمقراطياً ليبرالياً يناضل لتحقيق العدالة الاجتماعية الشاملة على طول مساحة الوطن وديمغرافيته، يتوافق مع المعايير العالمية المعتمدة لتحديد مفهوم وعناصر الحزب الديمقراطي الصحيح.
  • نريد حزباً لا يكون حكراً على بعض القواتيين أو حتى على القواتيين دون غيرهم من اللبنانيين، بل يفترض فيه ان يقدم بنية تنظيمية واجتماعية متلقّية structure organisationnelle et socialed’accueil قادرة على استقطاب واستيعاب النخب المثقفة والكوادر المجتمعية العليا والشبيبة وأصحاب الطاقات وعلى المساهمة في تأطير النخب بروح دينامية جماعية للحد من هجرة الأدمغة اللبنانية، بما يحقق تطلعات وطموحات الأجيال الطالعة ويرضي تضحيات الأجيال المناضلة ويشعرها ان ما قدمته على مذبح القضية والوطن لم يذهب سدىً بل هو أمانة في أعناق القواتيين، منتسبين وكوادر ومسؤولين، قاعدةً وهرماً ومؤسسات وصولاً الى الرئاسة وآليات القرار.
  • نريد حزباً يقدم لنظرائه الاحزاب اللبنانية الأخرى تجربة ونموذجاً ديمقراطياً سليماً وشفافاً وتجديداً بالنسبة للتجارب الحزبية السابقة بكل شوائبها وسلبياتها مع الاحترام والتقدير العميقين للحسنات والانجازات التي قدمتها تلك التجارب السابقة في الحياة الوطنية في سنوات عجاف مرّت على لبنان.
  • نريد حزباً يشكل فسحة أمل ومناخاً متجدداً وكوّة مفتوحة في جدار الحياة الحزبية والسياسية اللبنانية وقدوةً ورافعةً تاريخية ملزمة لباقي الاحزاب للحاق به على طريق الديمقراطية وبناء المؤسسات السياسية العصرية.
  • نريد حزباً ينجح في الحدّ من شخصانية وآحادية سلطة القرار ويقلّص مساحة التعسف السياسي في استعمال حق القيادة والجنوح بها الى شخصانية سياسية مطلقة تمارس الديماغوجية والتضليل السياسي وتختزل في شخصها كل النضال وكل القضية وكل الحزب.
  • نريد حزباً طليعياً مناضلاً يستمر في حمل لواء القضية اللبنانية ويقدم مسألة الوجود والهوية على مسألة السلطة والحكم.
  • نريد حزباً مؤمناً بالمبادئ التي ينادي بها ويسعى لتحقيق الأهداف التي يرسمها ويناضل في سبيل المشاريع التي يعد بانجازها.
  • نريد حزباً شفافاً بممارساته، صادقاً بتوجهاته، وطنياً في رؤيته، حالماً في تطلعاته، واثقاً بامكاناته، ومنضبطاً في اداءاته، وديمقراطياً في حياته الداخلية والوطنية، مشرّفاً لكافة التزاماته، ملتزماً بالدستور اللبناني وبالقوانين والأنظمة اللبنانية في مبادئه ومعتقداته.

 

 

الفصل الثالث

حـــزب القــوات اللبنـانيـة

الــى ايــــن ؟

 

 

أولاً :نحو حزب ديمقراطي في مفهومه ودوره ونمطه والتطبيق :

  • في أهمية الاحزاب السياسية:

يرى الدكتور ابراهيم عبد العزيز شيحا في مؤلفه القانون الدستوري والمؤسسات السياسية – الدار الجامعية-بيروت – الطبعة الرابعة – في الصفحة 240 الى 267 ما يأتي:

E   “في أهمية الاحزاب السياسية قيل إن الحزب السياسي قد اضحى كل شيء في “الواقع السياسي الراهن، وغدا تمثيل المواطنين في الأنظمة السياسية المعاصرة “من خلال الأنظمة الحزبية ضرورة لا مناص منها.

“ويتضح دور الاحزاب السياسية في اعتبارها اداة من أدوات الصراع السياسي “والتي تتبدى من خلالها الإرادة الشعبية والرأي العام للجماعة. ولم يعد الصراع “السياسي في الدول الديمقراطية صراعاً بين أشخاص بل أضحى صراعاً بين “برامج وأفكار سياسية”.

“وظاهرة تواجد الاحزاب السياسية بمفهومها الحديث هي في الحقيقة نتاج الأنظمة “السياسية المعاصرة، باعتبارها اداة سياسية هدفها في المقام الأول الوصول الى “السلطة”.

E   في مقاربة شاملة للأحزاب السياسية:

  • “يعرّف البعض الحزب بأنه اتحاد مجموعة من الأفراد يبذلون جهوداً مشتركة من أجل المصلحة الوطنية بالاستناد الى بعض المبادئ التي يعتنقونها”.
  • يرى Schumpeter ان الحزب مجموع من الافراد يهدفون الى تحقيق المصلحة العامة بتطبيق مبدأ خاص أو منهج يتفقون عليه، فالحزب لا يجب ان يعرّف بمبادئه فقط بل يجب أن يعرّف بأنه مجموعة من الافراد يسعون للتحرك بانسجام في صراعهم وتنافسهم للوصول الى السلطة.
  • ان الحزب السياسي يتطلب مقومات محددة أهمها :

وجود التنظيم المتماسك لجماعة من الافراد تجمعهم وحدة الفكر والمبادئ. وبدون هذا التنظيم، يقول اندريه هوريو، لا تستطيع الاحزاب الاستمرار ولا الدخول في الجسم الانتخابي ولا العمل بفعالية من أجل الوصول الى الحكم.

E   وعلى ضوء النظرية العامة للأحزاب السياسية نرى تقسيمات للأحزاب وأنواعها، متعددة أبرزها (Duverger): احزاب الأطر أو الكوادر / الاحزاب الجماهيرية / الأحزاب الاشتراكية والاحزاب الشيوعية والاحزاب الفاشية. وفي تصنيف آخر (Jean Charlot) احزاب الاعيان واحزاب المناضلين واحزاب التجمع؛ وفي تصنيف ثالث (Cadart) احزاب الاحرار واحزاب التسلط، الاحزاب المنظمة والاحزاب قليلة التنظيم، الاحزاب الصغرى والاحزاب الكبرى.

  • في وظائف الاحزاب السياسية :
  • في انارة الرأي العام

يتم ذلك عن طريق الاجتماعات ووسائل الاعلام المختلفة من صحف ووسائل اعلام مرئية ومسموعة، وتعمل على التأثير في الجسم الانتخابي وتثقيفه في ظل مجتمع تتعدد فيه الافكار وتتضارب فيه الميول والتيارات السياسية ضمن أطر احترام القانون والنظام العام وعبر الطرق السلمية والديمقراطية.

  • تساهم الاحزاب السياسية في التعبير عن الارادة العامة وتسهر على توجيهها بالقدر الذي ينسجم مع أهدافها وذلك عن طريق الحوار الدائم.
  • تؤهل الناخبين عقائدياً وسياسياً كي يعرف كل ناخب بشكل واضح السياسة التي يتبعها كل حزب، وتعمل على تطوير الطموحات والأفكار لدى الناخبين وتهيئتهم للعبة الديمقراطية عبر المشاركة في الانتخابات والتعبير عن رأيهم عبر اختيار ممثلين لهم في البرلمان او في اية انتخابات اخرى تجري.
  • تثقيف الأعضاء المنتسبين وخاصة تلك الفئات التي تملك قدرة عالية على الدفاع عن آراء الحزب وأهدافه، حتى يكونوا مؤهلين لاستيعاب الناخبين وترشيد أصواتهم نحو اختيار مرشحي الحزب. من هنا ضرورة تأهيل هذه النخبة من القيادات والكوادر الحزبية لتكون حلقة اتصال وهمزةوصل بين الحكام والمحكومين فتنقل مطالب القاعدة وتحاول التأثير على سياسة الحكام بضرورة تلبية هذه المطالب توخياً لارضاء هيئة الناخبين واستمالتهم الى الحزب.
  • اختيار المرشحين الحزبيين وتدعيم الروابط بين النواب الحزبيين والناخبين ولا سيما في الفترات الانتقالية اي فترات تجديد انتخابات المجالس النيابية والبلدية والاختيارية والنقابية وسواها.
  • ضبط وتوجيه نشاط النواب الحزبيين عملاً بقاعدة الانضباط الحزبي والالتزام بالمنهاج الحزبي والعمل على ضرورة تحقيق الخير العام والمصلحة الوطنية العليا.
  • هذا في المبدأ العام، اما بالنسبة لحزب القوات اللبنانية فإننا طبعاً نتمسك بدور رائد للحزب كأداة من أدوات الحياة السياسية والعامة والوطنية في لبنان، وكحزب ديمقراطي ليبرالي يؤمن بالتعددية والديمقراطية وبالوسائل السلمية والقانونية للوصول الى السلطة ضمن حدود احترام الدستور اللبناني والقوانين والأنظمة المرعية الاجراء، وكذلك احترام المواثيق والعهود الدولية لحقوق الانسان التي صادق عليها لبنان، ويعمل كفريق عمل متجانس ومنسجم لتحقيق أهداف الحزب وتأدية دوره وفقاً للأنماط الديمقراطية المبينة أعلاه لجهة انارة الرأي العام وتأهيل الناخبين سياسياً وتأطير وكودرة المنتسبين الحزبيين وتحضيرهم لممارسة المسؤوليات في كافة مستويات الحياة العامة وخدمة المصالح الوطنية العليا حيثما تدعو الحاجة وتوجيه نشاط البرلمانيين الحزبيين او المؤيدين في اطار السياسة العامة التي ترسمها السلطات التقريرية المختصة في الحزب ولا سيما المؤتمر العام والهيئة التنفيذية.

ثانيا :نحو ديمقراطية داخلية مميزة :

  • يرى بعض فقهاء العلوم السياسية (د. حسن البدراوي – الاحزاب السياسية والحريات العامة – دار المطبوعات الجامعية – الاسكندرية طبعة 2000 ص 117 الى 135) انه للقول بديمقراطية اي حزب، يجب توفر بعض مبادئ في تنظيمه الداخلي كالآتي:

“بدايةً ينبغي الادراك بأن الديمقراطية الحزبية ليست مجرد الانتظام في الاجتماعات ولكنها تتضمن القدرة على التعامل مع التعدد الفكري في داخل الحزب وعلى تسوية النزاعات التي تحدث بطريقة ديمقراطية دون أن يضطر أحد الأطراف الى الاستقالة أو ان تتقدم قيادة الحزب بفصله، والديمقراطية الحزبية هي أعمق من مجرد التصويت على القرارات، ففي كل البلاد هناك أساليب تأمين الأغلبية وتربيط الاجتماعات من خلال الترتيب للإجتماع وضمان حضور المؤيدين والمشاركين والمشايعين، واذا كان الهدف بحث موضوع ما واثارة الآراء المختلفة حوله وتمحيص كل منها وطرح البدائل المتنوعة بخصوصها، ففي مثل هذه الاجتماعات تصبح عملية التأمين والتربيط تعبيراً عن السيطرة التنظيمية وعن الحركة الفعالة لأقلية ما في داخل الحزب تستفيد من قدرتها الحركية ازاء أغلبية غير منظمة.”

  • والديمقراطية في نظر المؤلف، “تتحقق داخل الحزب على صعيدين أولهما اشاعة النمط الديمقراطي في تنظيمات الحزب وأجهزته على كافة المستويات اي تشكيل كل مستويات الحزب وعلى وجه الخصوص أجهزته القيادية عن طريق الانتخاب بما يتيح الممارسة الديمقراطية للسلطة، على ان يتم الاقتراع بصورة سرية بين مرشحين متعددين مع كفالة صفة الدورية المنتظمة لهذا الانتخاب وعلى أن يوضح نظام أساسي بين حقوق العضو وواجباته ومسؤوليات كل مستوى قيادي وحدها وذلك حمايةً للعضو من مفاجآت الفصل التعسفي فالحزب هو الأعضاء وليس القيادات. والاحزاب الكبرى الجديرة بالوجود هي التي تتجاوز مؤسسيها وتجدد قيادتها مع الاستمرار في دعم عضويتها واستمرار نفوذها بين الجماهير وهذا كله لا يتأتى الا بديمقراطية التنظيم واحترام الشريعة الحزبية المتمثلة في النظام الأساسي للحزب – على نحو ما تقدم – مع قابلية هذا النظام الأساسي للتعديل والتطوير بإسلوب ديمقراطي يعبر دائماً عن مشاعر الأعضاء وآرائهم” (المرجع ذاته ص 123 – 124).

أما الصعيد أو المستوى الثاني: فهو كفالة المشاركة في الحياة السياسية للحزب، أي في نشاطه وقراراته وكافة شؤونه، وفي هذا الخصوص فان للأعضاء عدة حقوق يمكنهم أن يمارسوها وتجري كلها في مجرى الحق في المشاركة في ادارة الحزب ومن هذه الحقوق الحق في المناقشة وهذا الحق بقدر أهميته للبعض الا انه مهم للحزب نفسه فعن طريقه تستطيع الأجهزة التي تدير الحزب الوقوف على الحالة المعنوية للأعضاء.

(Charles DEBBASCH et PONTIER – Introduction à la politique, op. cit., p. 357)

ود. اسماعيل صبري – الديمقراطية داخل الاحزاب الوطنية وفيما بينها – ص 47 ود. حسن البدراوي المرجع السابق ص 124).

وقياس اتجاهاتهم فلا تصدر القرارات الا بعد مناقشات صريحة وعبر الاختلاف في وجهات النظر وتتبدى أهمية الحق في المناقشة عند مراجعة برنامج الحزب الذي يجب ان يتم من وقت لآخر من خلال نقاش طويل وصريح بين الاتجاهات المختلفة والرؤى المتباينة. فهذا الخلاف في الرأي هو الاسلوب الوحيد لإنضاج الفكر السياسي للحزب وتطور برنامجه على وجه أقرب ما يكون من الصحة. ولا يسيء الى الحزب في شيء أن يعلم الناس بما يدور في داخله من مناقشات واختلاف في وجهات النظر ما دام ذلك كله يؤدي دائماً الى تحديد مواقف بالأغلبية تلتزم بها الأقلية في نضالها اليومي دون ان تحرم من حقها الطبيعي في اعادة طرحها مستقبلاً ووفقاً للأوضاع المشروعة في الحزب. فما أكثر ما أثبتت الأحداث صدق رأي أقلية بطشت بها الاغلبية وصفّتها. (د. اسماعيل صبري – المرجع ذاته ص 47).

  • هذا على صعيد البحث الأكاديمي، أما على الصعيد العملي وبما يتعلق بحزب القوات اللبنانية فإننا سنبين في جزء آخر من هذا البحث كيف كان الحرص على تأمين التوازن الدقيق بين اعتبارات متناقضة متعددة ومنها التوازن الصعب بين الحاجة الى فعالية القيادة والادارة بالتعيين من جهة وصحة التمثيل الديمقراطي بالانتخاب من جهة أخرى.

ثالثاً :نحو دور جديد للمواطن وللحزب في الحياة العامة

  • يرمي حزب القوات اللبنانية بشكل أساسي الى تنشئة مواطن لبناني صالح بمعنى خروج هذا الأخير من مستنقع الأمراض المجتمعية المزمنة التي لازمت الذهنية الاجتماعية والسياسية اللبنانية منذ عدة قرون، ونعني بصورة أوضح : الزبائنية السياسية ورفيقها الاقطاع السياسي من جهة، روح الانتماء الى أجسام مجتمعية وسطية بين المواطن والدولة، تلعب في المحصلة دوراً سلبياً جاذباً للإنتماء والتبعية، على حساب حقوق المواطن ودوره الصحيح من جهة، وعلى حساب بناء الدولة كصرح وبناء مؤسساتي عصري يرتقي بالانسان والمجتمع والوطن الى المراتب المرجوة والى تحقيق التفوق اللبناني على المستوى الوطني والذي لطالما يحققه اللبنانيون على المستوى الفردي بمبادرتهم الخاصة في بلدان الاغتراب بكافة الميادين، وحتى في لبنان عبر القطاع الخاص.
  • فالمطلوب اولاً هو بناء مواطن صالح وتنشئته سياسياً ومدنياً وديمقراطياً وتعريفه على حقوقه وحرياته وبالمقابل على واجباته ومسؤولياته، لتعميق فهمه وادراكه لضرورة بناء الدولة المؤسساتية الحديثة ذات النظام الديمقراطي البرلماني الضامن للحريات العامة والخاصة وحقوق الانسان والمواطن، والمؤمن لمقتضيات العدالة الاجتماعية الأساسية لكافة شرائح هذا الوطن الاجتماعية، والعامل على صهر جميع المواطنين في بوتقة المواطنية اللبنانية بعيداً عن أرجحية الانتماءات الوسطية المتخلفة الى العشيرة والقبيلة والعائلة (بالمفهوم clan) والطائفة والمذهب والزعامات الاقطاعية مع ما يستتبعه ذلك من أولوية الفساد والرشوة والمحسوبيات، على معايير النزاهة والكفاءة والسعي الى تحقيق المصلحة العامة.
  • وهذا البناء وتلك التنشئة مسؤولية يترتب على كافة الاحزاب السياسية اللبنانية – وحزب القوات اللبنانية – مدعو اليها اولاً بأول – ان تتولاها من خلال مدرسة كوادر تقوم بالتثقيف السياسي والتربية المدنية والتوعية الفكرية مع احترام تام لحريات وحقوق الانسان الفرد في الرأي والتعبير والمعتقد، وذلك عبر المناقشة والحوار المسؤول وتأمين المكتبات المتخصصة ودورات التنشئة والتهيئة السياسية لتخريج أجيال من المواطنين بذهنية ووعي سياسي يسمح لهم بأن يقيّموا أداء الحكام والمسؤولين بعقل منهجي ويحكموا ويحاكموا ويحاسبوا عبر آليات الانتخاب ودورية الانتخابات، مما يؤمن تجديد البُنى المجتمعية المسؤولة بما يتناسب مع تطلعات الناس وطموحات الرأي العام بغية الارتقاء الى مستوى الثقافة والوعي السياسيين وصولاً الى المحاسبة السياسية ولا يكتفي بالتصفيق للبيك والزعيم مهما فعل ومهما قال، ولابنه وحفيده من بعده، دون سؤال او حساب !

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

الفصــل الـرابع

حـــزب القــوات اللبنـانيـة

كيـف ؟

في مراعاة التوازنات

 

 

  • ان انتقال القوات اللبنانية، بفعل تطور الظروف التاريخية الموضوعية من مرحلة التنظيم العسكري المقاوم خلال الحروب التي دارت رحاها في لبنان، الى مرحلة التيار السياسي والشعبي في المرحلة التي تلت اتفاق الطائف الذي أدّى الى اطفاء نيران الحرب ودخول الوطن في مرحلة جديدة من السلم الأهلي، كان لا بد ان يؤدي الى الحاجة الموضوعية للإنتظام في اطار مؤسسة سياسية تواكب الحياة العامة وتحمل قضايا الوطن والمواطنين وتلتزم في نضالها الوفاء للخط والمبادئ والقضية بعناوينها المختلفة وابرزها الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان، وتتضامن من خلالها مع المحيط العربي وقضاياه العادلة والمحقة، وكذلك كافة القضايا الانسانية المحقة على صعيد العلاقات الدولية، من هنا كان لا بدّ من اعادة نظر شاملة ودقيقة للنظام الأساسي والنظام الداخلي لجمعية حزب القوات اللبنانية ووضع الأسس التنظيمية لصرح مؤسساتي يكون قادراً على حمل المشعل واكمال المسيرة، في حقبة تاريخية مصيرية في عمر الوطن، عنوانها العمل الديمقراطي والسياسي والتنافس الحرّ السلمي لتقديم الأفضل وخدمة الصالح العام وبناء الدولة العادلة القوية السيدة الحرة المستقلة والحامية لكل أبنائها.
  • وفي هذا السياق كان لا بد لأي نظام داخلي أن يراعي مجموعة من الاعتبارات المتناقضة، في محاولة لإيجاد الخيط الرفيع الذي يؤمن التوازن الدقيق فيما بينها، وسوف نستعرض في هذا الجزء من الدراسة ماهية أبرز تلك التوازنات في مساهمة لتسليط الضوء على المعالم الاساسية للنظام العتيد وذلك على الوجه الآتي أدناه.

أولاً:في التوازن بين القانون والواقع

  • على هذا المستوى نكتفي بأن نشير الى ان اي نظام داخلي أو نظام اساسي لأي جمعية أو نادٍ او حركة أو حزب سياسي، لا بدّ وان يكون متطابقاً مع الاحكام القانونية الاساسية والانظمة والمراسيم والقرارات المرعية الاجراء في لبنان، وهي مركزة في لبنان حول قانون الجمعيات العثماني ونصوصه التطبيقية اللاحقة فكان لا بد بالتالي من مراعاة تلك القواعد القانونية لأخذ العلم والخبر من وزارة الداخلية.

ومن جهة ثانية كانت حاجات الواقع الى وضع أسس تنظيمية جديدة تأخذ في الاعتبار الضرورات المتأتية عن تطور المجتمع اللبناني ونظرته وحاجته الى تطوير البنى القانونية لتواكب وتتلاءم مع التغييرات المتسارعة بفعل متغيرات العصر ولا سيما الانفتاح على العالم وتحول الكون قرية واحدة بفعل ثورة الاتصالات. من هنا كان التوازن الأول الذي اقتضت مراعاته، بين القانون والواقع، وكان حرصنا على صياغة نظام داخلي وأساسي مناسب ولا يتعارض مع النصوص القانونية المتعلقة بالانتظام العام، وبنفس الوقت أن يكون مشروع النظام متناسباً مع الواقع الاجتماعي والسياسي اللبناني وليس طقماً مخيّطاً سلفاً ومطلوب الباسه للجسم اللبناني برغم اختلاف قياسه، بل على العكس كان الاعتبار الأول هو مراعاة الواقع اللبناني على كافة الصُعُد ومطابقة واحترام النصوص القانونية معاً.

ثانياً:التوازن بين النزعة الى التقليد والنزعة الى التجديد :

ان حزب القوات اللبنانية لم يأت طبعاً من العدم، بل يحمل في العقل الباطني الفردي والجماعي للمنتسبين اليه، تجارب حزبية وسياسية وتنظيمية مختلفة، نظراً لأن نشأة القوات اللبنانية في أوائل الثمانينات انطلقت من احزاب لبنانية قائمة اصلاً وكانت لها تجاربها الطويلة في العمل الحزبي والتنظيمي الداخلي، من هنا كان التوازن الصعب مطلوباً بين الميل الطبيعي الى التقليد، والرغبة والطموح الى التجديد، وقد كان الهدف الاساسي من اعادة النظر في النظام الداخلي تطويره بما يتلاءم مع الحاجات المتغيرة للمجتمع، وبما يحافظ ايضاً على التراث والمبادئ التقليدية السامية التي نتمسك بها كجزء من ثروتنا الفكرية والانسانية والاجتماعية والسياسية، طارحين عنا برفق واحترام غبار التجارب السابقة وبعضاً من شوائبها ونواقصها في محاولةٍ للإستفادة من حسنات تجربتها دون الوقوع في تكرار أخطائها، آخذين في الاعتبار بشكل اساسي قاعدة جوهرية مفادها  “ان من يجهل أخطاء ماضيه محكوم سلفاً بإعادة ارتكابها”.

ثالثاً:التوازن بين مقتضيات الانضباط الحزبي والديمقراطية الحزبية :

  • ان القوات اللبنانية، من حيث انها تدرك انها انطلقت من صفوف تنظيم شبه عسكري مقاوم، اعتاد افراده الى عيش روح الانضباط العسكري بمنطق الأمر والطاعة بين الرئيس والمرؤوس، عالمة تماماً بصعوبة التحدي المطلوب رفعه مع الذات في فعل تغيير داخلي وجهد دؤوب للخروج من الذهنية السابقة بفعل ارادة واع الى عيش مناخ داخلي من احترام الرأي وحرية التعبير عن الرأي والرأي الآخر واعتماد النقاش السياسي بعيداً عن اي محاولة لفرض رأي على أي كان، والاحتكام في النهاية الى التصويت لاتخاذ القرارات الكبرى واعتماد الانضباط الحزبي في تنفيذ القرارات وليس فرض الطاعة عند اتخاذها وخلال التداول والمناقشة بخصوصها.
  • فالروح الديمقراطية الحزبية، وهي هدف حزب القوات اللبنانية الاساسي، تفترض مناقشة حرة من أسفل الهرم حتى رأسه ومن ثم تصويتاً حراً وديمقراطياً، وبعد صدور القرار، الالتزام الحرّ الواعي والمسؤول بتنفيذه، ومن ثم حفظ الحق بإعادة مناقشة صوابتيه لاحقاً في حال ثبت أو تبين وجود ظروف موضوعية تدعو الى اعادة النظر بشأنه، وايضاً عبر اعتماد الآليات الديمقراطية ذاتها.
  • من هنا، فاذا كان هنالك تناقض ولو ظاهرياً، بين مقتضيات الأمر والسلطة الحزبية من جهة، ومبدأ الديمقراطية الداخلية وحرية العضو في المناقشة وحقه في التعبير والمشاركة في صنع القرار، فان هذا التناقض يجد حلّه في روح المسؤوليةوالالتزام، لأن الالتزام – بالمفهوم الفلسفي والاخلاقي والسياسي والفكري – هو أعلى درجات ممارسة الحرية، لأن الملتزم حرّ في التزامه، في حين أن الحرية لا تعني الفوضى او الانعتاق من اية قيود، بما فيها قواعد العقل والمنطق والمبادئ الاخلاقية والانسانية.
  • ان حزب القوات اللبنانية يؤمن بالالتزام الحرّ الواعي كحل منهجي للمعضلة الفكرية المتمثلة بديالكتيك السلطة والديمقراطية، والامر والحرية، فالرؤساء ملزمون باحترام حقوق المرؤوسين، والمرؤوسون ملزمون بتقدير ظروف وواجبات ومسؤوليات الرؤساء، في انتظام منسجم واحترام متبادل لشريعة داخلية ترعى الجميع بإنصاف ومساواة، هي النظام الداخلي.

رابعاً :التوازن بين المؤسس والمؤسسة :

  • ان اشكالية العلاقة بين المؤسس والمؤسسة، ليست خاصة بحزب القوات اللبنانية، بل نجدها في كافة الاحزاب السياسية في العالم، وبشكل أخص في أحزاب العالم الثالث أو الدول النامية، حيث تبنى الحياة السياسية على زعامات الأشخاص وهاماتهم الشخصية وليس على العمل المؤسساتي على أساس برامج العمل السياسية.

وبالفعل ففي خارج لبنان وفي لبنان، تعيش الاحزاب والحركات السياسية إشكالية صعبة هي كيفية ايجاد مؤسسات سياسية في ظل قيادات وزعامات فردية تنزع بشكل طبيعي الى القيادة وفقاً لأسلوب شخصي وبالاستناد الى كاريزما الزعيم، وحيث يمكن أن تجنح تلك النزعة لدى المبالغة فيها الى الحكم او النظام الشخصاني او الدكتاتوري.

  • من هنا فان التوازن بين النزعتين صعب جداً ويلامس الاستحالة، وقليلة جداً هي الاحزاب التي نجحت بان تترك للمؤسسة حيّزاً ومساحةً ولو رمزية في مقابل المساحة والفسحة اللامحدودة المفتوحة امام الزعيم والقائد الملهم المؤتمن على خير الأمة والشعب والذي يؤدي خروجه عن زمام السلطة لسبب أو لآخر متعلق باستمراريته كشخص بشري، الى زوال النظام أو الحكم أو الدولة برمتها.
  • إن حزب القوات اللبنانية مدرك أنه لا يمكن الانطلاق في الدينامية السياسية من دون النظر الى الواقع الخاص الذي يمثله رئيس الحزب ودوره في حياة الحزب ومسيرته، حضوراً قوياً مميزاً من خلال مواصفاته الفكرية ودوره القيادي ونضاله التاريخي والحجم الاستثنائي لتضحياته، ومن هذه الجهة لا يمكن للحزب ألا يتكئ على هذا الحضور لبناء نفسه ولبناء الثقة السياسية التي يحتاجها، غير ان الحزب ورئيسه مدعوان للإدراك معاً ان البشر يزولون والوطن والمؤسسات باقية، وانه لا بدّ من بناء صرح مؤسساتي حامل لمشروع سياسي وواضع لبرنامج عمل مفصّل مطلوب توحيد الجهود وتنسيق النضال بغية تحقيقه لضمان استمرارية الحزب، بما فيه المصلحة الوطنية العليا، وذلك باستقلال تام عن الزخم وقوة الدفع السياسية التي يؤمنها رئيس الحزب بقدرته على التأثير في الرأي العام وقيادة المركبة وصولاً الى برّ الأمان وتحقيقاً للأهداف العامة ؛ فلا بدّ من تأمين التوازن بين المؤسس والمؤسسة، فلا يحجب الأول الثانية ولا تستغني الثانية عن حضور الأول.
  • ان النظام الداخلي من حيث وضع تنظيمياً دقيقاً لصلاحيات الرئيس مع عدة توازنات مقابلة لها، إن لجهة الصلاحيات الممنوحة للهيئة التنفيذية وغالبية أعضائها المنتخبين مباشرة من القاعدة، وربط صلاحية تنفيذ القرارات الحزبية في اجراء رقابة موضوعية على مشروعية القرارات الحزبية تفادياً لأي تجاوز لاستعمال السلطة أو لأي تدبير تعسفي بحق أي من المنتسبين مما يشكل ضمانة لحرية المنتسب في وجه أي اجراء غير محق متخذ بحقه ؛ الى ما هنالك من توازنات وتوزيع دقيق بين السلطات سوف نفصلها في اجزاء لاحقة من هذه الدراسة، من شأنها اعادة ترتيب وتنظيم هذا التوازن الدقيق بين المؤسس والمؤسسة في علاقة تفاعلية تتطلب قدراً كبيراً من النضوج السياسي والتفهم والقبول المتبادل للمقتضيات والضرورات التنظيمية لبناء المؤسسة السياسية المتينة التي تبقى وتستمر بمعزل عن الاشخاص ولو كانوا صانعيها !

خامساً:التوازن بين الفعالية في الإدارة، وتمثيل القواعد الحزبية

  • قد تبدو هذه الاشكالية من نتائج أو انعكاسات الإشكالية السابقة، لكنها لا تعدو كونها اشكالية خاصة ولصيقة بطبيعة العمل الحزبي خاصة عندما يعتمد الديمقراطية الداخلية أساساً له، ونعني بذلك جدلية العلاقة بين التعيين والانتخاب في الهرمية الحزبية.
  • ان هذه الجدلية تطرح تساؤلاً جدياً حول مدى صحة تطبيق الديمقراطية الحزبية قولاً وفعلاً طالما ان هناك مسؤولون يتم تعيينهم من قبل القيادة الحزبية، فماذا يبقى من حق المنتسبين والقواعد في التصويت، واين الديمقراطية في ظل التعيين؟

إن الجواب على هذه الاشكالية بسيط وحلّها متوفر في البنية التنظيمية لحزب القوات اللبنانية، إذ يتبين من العودة الى هيكليتها ان المراكز والمناصب التي يتم فيها تسمية المسؤولين بالتعيين هي مواقع ادارية تنحصر صلاحياتها بانفاذ القرار الحزبي دون اتخاذه او المشاركة في اتخاذه، في حين ان آلية صنع القرار منوطة بهيئات حزبية اما ينتخب اعضاؤها بشكل كامل وإما تكون غالبية اعضائها – القادرة على اتخاذ القرار نصاباً وأكثرية – منتخبة من القاعدة الحزبية الواسعة.

  • وعلى سبيل المثال، نشير الى ان ابرز المواقع التي يتخذ القرار بشأنها بالتعيين، هي منسقية المنطقة الحزبية ومنسقية القطاع وذلك لأن دور المنسّق في كل من هاتين الوحدتين الحزبيتين هو دور اداري تنظيمي بحت أكثر مما هو دور تمثيلي وسياسي بالنسبة للقواعد التي تدخل ضمن نطاق صلاحيته التنسيقية، وتلك القواعد تشارك مباشرة ومن دون المرور بالمنسق في اتخاذ القرارات الحزبية عبر ايلائها عدة حقوق أهمها الانتخاب المباشر لرئيس الحزب ونائبه واحد عشر عضواً في الهيئة التنفيذية التي يعود لها سلطة تنفيذ القرارات وتشارك تلك القواعد عبر رؤساء المراكز ونوابهم ورؤساء الدوائر ونوابهم (وهم أكثرية عددية مرجحة) في المؤتمر الحزبي العام – وهو بمثابة برلمان الحزب – وهو صاحب السلطة التقريرية الوحيدة في الحزب ؛ ومن جهة أخرى فان تلك القواعد الحزبية تنتخب ايضاً هيئة الشورى مباشرة وهو المرجع القضائي الأعلى في الحزب لمحاسبة اي مخالفة حزبية أو خروج عن مبدأ المشروعية والقوانين والأنظمة أو نظام الحزب الداخلي، ويعود لتلك القواعد الحزبية محاسبة أعضاء هيئة الشورى دورياً عبر اعادة انتخابهم أو عدمها كل خمس سنوات.
  • من هنا فان اعتبار تمثيل القواعد الحزبية ديمقراطياً مكرس ومحمي ومصان عبر مجموعة من التوازنات بين السلطات وبآليات رقابية منظمة في النظام الداخلي، وفي المقابل فان اعتبار الفعالية في الإدارة متروك للقيادة الحزبية عبر منحها حق تعيين اشخاص في مناصب ادارية حساسة لتأمين حسن سير المرفق الحزبي العام وادارته بافضل الظروف، وبالتالي فان التوازن قد تم تأمينه بين هذين الاعتبارين الجوهريين.
  • واستطراداً نذكر بأن آلية تعيين منسقي المناطق والقطاعات قد نظمها النظام الداخلي عبر اقتراح عن الهيئة التنفيذية (غالبية أعضائها منتخبين من القاعدة) بعد مشاورات يجريها الأمين المساعد المختص واقتراح رئيس الحزب على الهيئة التنفيذية التي تصوت على القرار.

لطفاً مراجعة المادة 57 بالنسبة لمنسق المنطقة والمادة 65 من النظام الداخلي بالنسبة لمنسق القطاع.

سادساً:التوازن بين المركزية واللامركزية

  • غالباً ما تنزع الاحزاب السياسية عموماً الى مركزية صارمة وجاذبة لكافة السلطات والصلاحيات وربطها بأجهزة الحزب المركزية السياسية والإدارية، ومبررات هذه النزعة بالنسبة لمن يدافع عنها هي ضرورة تأمين الانسجام والتماسك والانضباط الحزبي في قيادة مجموعة بشرية منضوية تحت لواء الحزب، باتجاه تحقيق أهداف الحزب التي ترسمهاقيادته. ولا يخفي ما لتلك النزعة من طابع مغاير للديمقراطية وبأفضل الأحوال مضحّي بحقوق القواعد الحزبية في التعبير عن نفسها والمشاركة في التأثير على الحياة السياسية العامة داخل الحزب.
  • أما النزعة المقابلة نحو اللامركزية، فهي ولئن كانت تؤمن هذا التمثيل الديمقراطي للقواعد داخل الحزب، لكنها قد تؤدي في حال تجاوز الحد المطلوب من اللامركزية الى تفكيك الحزب الى عدة أحزاب صغيرة اي الى فدرالية احزاب محلية ومناطقية لا يجمع بينها رابط قوي فيسقط الانسجام والتماسك وينفرط العقد وتبدأ حركات الانفصال والشرذمة في الحركة السياسية وينتهي دور الحزب وقدرته التمثيلية وحضوره على الساحة السياسية الوطنية.
  • من هنا كانت ضرورة التوازن بين النزعتين المركزية واللامركزية وقد خصص النظام الداخلي حيّزاً كبيراً لاحترام ذلك التوازن عبر ما يأتي:
  • وجود أربعة أمناء مساعدين، اثنان منهما مسؤولان عن المناطق والقطاعات المهنية (هيئات حزبية لامركزية، مناطقية وقطاعية) واثنان مسؤولان عن الأجهزة والمصالح (هيئات حزبية مركزية لإدارة الحزب).
  • مشاركة رؤساء ونواب رؤساء المراكز والدوائر والقطاعات والمناطق والأجهزة والمصالح في عضوية المؤتمر العام الحزبي.
  • خضوع كافة الهيئات الحزبية – مركزية ولامركزية على حد سواء لسلطة القرار في الهيئة التنفيذية ولسلطة الرقابة من قبل اجهزتها (التفتيش – مجلس الشرف-هيئة الشورى).

سابعاً:التوازن في الحقوق والواجبات، وبين الحق واساءة استعمال الحق، والثواب والعقاب

  • ان هذا التوازن ولا سيما لجهة الحقوق والواجبات وحدود الحق واساءة استعماله والثواب والعقاب، ضروري ولازم للاجتماع البشري مهما يكن نمط ونوع ومدى هذا الاجتماع البشري، فكيف بالأحرى بالنسبة الى حزب سياسي مناضل يدعو منتسبيه الى العطاء وبذل الجهود والتضحية بكل غالٍ ونفيس دفاعاً عن الوطن والمصلحة الوطنية العليا، من هنا فانه بديهي بمكان الحرص على تأمين حقوق المنتسب وحرياته وتحديدها في النظام (المادة 12 و13 منه) وكذلك موجباته ووضع الضوابط الموضوعية لمفهوم السلطة وطرق استعمالها المشروعة وعواقب تجاوز حد السلطة وابطال القرارات المخالفة ومحاسبة متخذيها من قبل هيئة الشورى، ومعاقبة مرتكبي المخالفات الحزبية وتطبيق التدابير التأديبية والعقوبات المنصوص عنها قانوناً وفي النظام الداخلي، تحت رقابة هيئة الشورى ومن بعدها القضاء العدلي المختص بالنسبة للقرارات الصادرة عن الجمعيات في لبنان (وهو محكمة الدرجة الأولى المدنية في مركز كل محافظة) وفقاً للأصول والقوانين المرعية الاجراء.

ولا مناص من التأكيد أن الحياة الجماعية داخل الحزب تنتظم بتفاعل ايجابي لدى شعور اي منتسب يقيناً أنه مضمونة حقوقه ومصانة حرياته وملاحقة تجاوزاته ومعاقبة أخطاؤه دون تحيّز أو مسايرة أو محاباة بل بعدل وانصاف ووفقاً للأصول من قبل هيئات متخصصة محايدة ونزيهة وخاضعة لسلطة القضاء اللبناني العدلي في آخر المطاف ؛ من هنا فلا تحيّز ولا استبداد ولا تعسّف ولا اقتصاص ولا تأديب في غير موقعه الصحيح بل تطبيق للقوانين والأنظمة بموضوعية وتجرّد وهذا هو الدور الرائد وربما الفريد الذي خصصه نظام حزب القوات اللبنانية لأجهزة الرقابة الداخلية، ويميزه عن سائر أنظمة الأحزاب اللبنانية الأخرى من حيث دقة تنظيم الرقابة الحزبية، واصول التقاضي امام هذه المراجع التحكيمية الخاصة.

ثامناً:في التوازن بين التأثر بكل من النظام الرئاسي والنظام البرلماني:

  • ان الأنظمة الديمقراطية الليبرالية تنقسم الى نوعين اساسيين، النوع الأول هو النظام الدستوري البرلماني الذي نشأ في انكلترا والنوع الثاني هو النظام الرئاسي الذي ابتكرته الولايات المتحدة الأميركية.
  • وتجدر الاشارة الى ان هذه الأنظمة هي أنظمة دول وحكم ديمقراطية وليست أنظمة أحزاب وشتّان بين تنظيم الدولة ومؤسساتها الدستورية من جهة وبين تنظيم حزب سياسي يرمي الى تنظيم الدينامية السياسية لمجموعة من الناس يلتقون على تحقيق أهداف وصولاً الى السلطة.
  • ولكن يبقى مفيداً ان نستوحي من الأنظمة الدستورية المختلفة بعضاً من مميزاتها من أجل اعطاء التنظيم الحزبي أنماطاً من الديمقراطية أثبتت الممارسة السياسية مع الزمن فوائدها.
  • يرى الدكتور ادمون رباط في مؤلفه: الوسيط في القانون الدستوري العام – النظرية القانونية في الدولة وحكمها – طبعة 1971 – دار العلم للملايين -ص 629 الى 661 بأن النظام البرلماني يؤلف شكلاً خاصاً ودقيقاً من النظام التمثيلي الديمقراطي ويتميز بخاصية لا تتصف بها سائر الأنظمة الدستورية، وهي ان الحكم في النظام البرلماني يكون منبثقاً عن تعاون وثيق، بين برلمان منتخب وبين رئيس دولة غير مسؤول وحكومة مسؤولة هي بمثابة لولب الحركة البرلمانية.

فرئيس الدولة لا يحكم في النظام البرلماني بل الوزارة هي التي تحكم، والسلطة التنفيذية تكون سلطة مزدوجة برأسين (الرئيس والحكومة) والحكومة هي المسؤولة وهي جسم متضامن من الوزراء الذين يتم اختيارهم من قبل الأكثرية البرلمانية وهي الكتلة النيابية الأكبر الفائزة في الانتخابات التشريعية. فيستمر الحكم مستقراً طالما الانسجام موجود بين الأكثرية النيابية والحكومة المنبثقة عنها في حين ان الرئيس غير مسؤول سياسياً امام البرلمان.

  • اما النظام الرئاسي، وعنوانه الأكبر التوفيق بين الديمقراطية وبين الحكم الشخصي، فيختلف عن النظام البرلماني اختلافاً جوهرياً، اذ ان ميزته الاساسية هي فيما توصل اليه من التوفيق بين المبدأ الديمقراطي وبين واقع الحكم الشخصي الذي يتطلب قوة واستقراراً، باعتبار ان الرئيس المنتخب مباشرة من الشعب يتمتع بصلاحيات عظيمة تجعل من حكمه حكماً شخصياً نافذاً طيلة مدة ولايته، ولكن هذا الانتخاب المباشر يضفي عليه صفة الحاكم الديمقراطي وتجدر الملاحظة ان سلطة الرئيس في النظام الرئاسي مقيّدة بأحكام الدستور تقييداً شديداً.

والرئيس لا يكون خاضعاً ولا مقيّداً بآراء وزرائه السياسية، وهم يكونون مجرد مساعدين وأمناء سر للدولة، لا يتحملون مسؤولية سياسية تجاه البرلمان بل امام الرئيس شخصياً. وقوة الرئيس في هذا المجال مستمدة من انتخاب الشعب مباشرةً للرئيس فتكون له شرعية شعبية موازية لشرعية البرلمان المنتخب.

أما السلطة القضائية فتكون ممثلة بمحكمة عليا اتحادية تتولى الرقابة على دستورية القوانين وتضفي على النظام الرئاسي استقراره، لأنها قائمة على رأس تسلسل المحاكم وتجعل من نفسها سلطة دستورية مستقلة وموازية للسلطتين التنفيذية والتشريعية.

  • وبالعودة الى النظام الداخلي للحزب لنقرأ كيف تم التأثر ببعض من مميزات كل من النظامين الرئاسي والبرلماني واستيحاء بعض الصلاحيات من اجل اضفاء أكبر قدر ممكن من الاستقرار عبر تقوية شرعية رئيس الحزب ومنحه آلة ادارية طيّعة تسهل عليه القيام بمهامه ومسؤولياته الحزبية الواسعة لكي يتمتع بذلك بهامش من الحركة ومن الشرعية تعفيه من أن يكون مقيّداً بوجه ارادة الهيئة التي تلعب دور البرلمان في الحزب، اي المؤتمر العام.
  • ومن جهة أخرى، تم الاستيحاء من النظام الرئاسي عبر منح الرئيس حق تعيين بعض أعضاء في الهيئة التنفيذية تجاه ثلاثة عشر عضواً فيها منتخباً مباشرة من القاعدة الحزبية، وفي ذلك توازن بين المميزات الرئاسية والمميزات البرلمانية داخل النظام الداخلي.
  • ومن جهة ثالثة فان الدور الأرجحي المعطى لهيئة الشورى ولغرفها الاربعة ولا سيما لغرفة الطعون الانتخابية ولغرفة التظلّم من القرارات الحزبية، التي كرّسها النظام الداخلي للحزب، يذكر بالدور الأرجحي الذي تلعبه المحكمة الاتحادية العليا في النظام الرئاسي ولا سيما لجهة وضع الضوابط والتوازنات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
  • اما مظاهر التأثر والاستفادة من مميزات النظام البرلماني فتتجلى في النظام الداخلي للحزب عبر ما يأتي:
  • مبدأ انتخاب (او اختيار) غالبية اعضاء الهيئة التنفيذية من قبل القواعد الحزبية الواسعة اسوةً بانتخاب الرئيس ونائب الرئيس، ومن ثم عبر الدور الرقابي الذي تمارسه القاعدة الحزبية عبر ممثليها في المؤتمر العام الحزبي (برلمان الحزب) الذي يضم بغالبيته الساحقة اعضاء منتخبين من القاعدة وهم رؤساء المراكز رؤساء الدوائر ونوابهم.
  • مبدأ مساءلة أعضاء الهيئة التنفيذية المنتخبين، امام الهيئة العامة الناخبة في الحزب دورياً وكل خمس سنوات، مما يشابه مبدأ مسؤولية الوزراء في الحكومة امام البرلمان في النظام البرلماني.
  • مبدأ مساءلة اعضاء هيئة الشورى المنتخبين مباشرة من قبل الهيئة العامة الناخبة في الحزب، دورياً كل خمس سنوات مما يتيح لهؤلاء الاعضاء بالمقابل شرعية واستقلالية تجاه سلطات الحزب واجهزته وقادته وادارييه الذين لن يلعبوا اي دور في تعيين هؤلاء الاعضاء ولا صلاحية لهم في اقالتهم، الأمر الذي يعطي اعضاء هيئات الرقابة الحزبية مجالاً واسعاً ومساحةً من الاستقلالية والحيدة اللازمة لاجراء رقابتهم بصورة فعالة وللعب دور الحَكَم بين المؤسسات والهيئات الحزبية ودور ضامن لحقوق وحريات الافراد في مواجهة تعسف السلطات.

تاسعاً:في التوازن بين السلطات داخل الحزب:

  • من المسلّم به تقليدياً في الفقه الدستوري والمؤسسات السياسية، ان أبرز قواعد الديمقراطية يكمن في مبدأ الفصل بين السلطات مع الحرص على التعاون الايجابي والتفاعل فيما بينها، وانه كلما تجمّعت السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية في يد شخص واحد أو مجموعة واحدة، كانت الديمقراطية غائبة وبأفضل الاحوال صورية وشكلية ليس إلا.
  • من هنا فان الفصل الواضح والتحديد الدقيق للصلاحيات والسلطات الممنوحة لكل من السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية، هو الضمانة الحقيقية لنظام ديمقراطي يعيش الديمقراطية فعلياً ويسوده الاستقرار والانسجام.
  • وبالعودة الى نص النظام الداخلي للحزب، يتبين لنا كيف تم تكريس الفصل الواضح بين السلطات في الحزب ولا سيما بالنسبة للسلطة التنفيذية التي تمارسها الهيئة التنفيذية بالاشتراك مع رئيس الحزب عبر توزيع دقيق ومنسجم بين صلاحيات كل من الهيئة التنفيذية والرئيس، وكذلك الأمر بالنسبة للسلطة التشريعية أو التقريرية للحزب وهي المؤتمر العام الذي حرص النظام على تحديد مهامه وصلاحياته وآلية اتخاذ القرارات والسياسة العامة الحزبية داخله، بصورة تضمن فصلاً واضحاً ودقيقاً لمجال صلاحية واختصاص كل من الهيئة التنفيذية والمؤتمر العام، ويحول دون تعدي سلطة حزبية على صلاحيات سلطة أخرى فيكون التوازن بينهما مؤمناً والاحتكام الى النظام الداخلي سبيلاً لحل اي اشكالية أو خلاف على الصلاحيات يكون البت بأمره بصورة نهائية منوطاً بغرفة المشورة في هيئة الشورى الحزبية. ويسند غرفة المشورة من جهة أخرى اختصاص غرفة التظلم من القرارات الحزبية وذلك لابطال اي قرار اداري تعسفي يلحق ضرراً بأحد الأعضاء ويكون مشوباً بعيب تجاوز حد السلطة أو عدم المشروعية.

عاشراً:التوازن بين الصلاحيات داخل كل سلطة حزبية على حدة:

  • تجدر الاشارة الى ان مفهوم التوازن بين السلطات لا يقتضي ان يكون مفهوماً علائقياً ووظائفياً فحسب، اي ان تكون كل سلطة محددة صلاحياتها ضمن أطر مرسومة لا يجوز لها تجاوزها او تخطيها فحسب، بل وتفترض كذلك توازناً دقيقاً بين عناصر ومقوّمات كل سلطة على حدة، عنينا توازناً بين الوحدات المختلفة التي تتألف منها كل هيئة حزبية، ولا يخفى ما لهذا التوازن الدقيق من تأثير ايجابي على منع تشكّل ما سمّي في تجارب حزبية أخرى بمراكز النفوذ والقوى داخل الحزب، ويحول دون تجميع عدد كبير من الصلاحيات، واقعياً وليس نظامياً (De facto et nonde jure) بيد مركز قوى محدد يصبح معها من يتولاه بمثابة الرجل القوي في الحزب فيختزل المؤسسات ودورها وصولاً الى تفريغها من مضمون صلاحياتها وجعلها أشكالاً شبه صورية تغلّف مطلقية سلطته الشخصية وتسلطه الشخصاني.

والأمثلة عن ذلك حاضرة في الذاكرة من أمين عام الحزب الشيوعي السوفياتي إلىالفوهرر في الحزب النازي، او الدوتشي في الحزب الفاشستي، أو مراكز القوى في الاتحاد الاشتراكي العربي ايام العهد الناصري في مصر وسواها في دول العالم الثالث، وحتى بعض التجارب القديمة على الساحة العربية من الاحزاب الثورية والاشتراكية والقومية الخ…

  • لذا، وتفادياً لأية أطياف مشابهة واستبعاداً لأية احلام قد تدغدغ مخيلة زيد أو عمر من الناس، كان لا بد من وضع توازنات دقيقة من الصلاحيات والواجبات وتوزيعها بشكل مدروس بين كل عنصر من عناصر الهيئات الحزبية الاساسية لصون الديمقراطية الداخلية وتفادي تكتل القوى في يد أي موقع حزبي على حساب التوازنات الداخلية والديمقراطية الحزبية الصحيحة.
  • وسوف نعرض بعض الامثال على تلك التوازنات الداخلية، على الوجه الآتي:
  • التوازن بين رئاسة الحزب والهيئة التنفيذية.
  • التوازن بين الهيئة التنفيذية والمؤتمر العام.
  • التوازن بين الهيئة التنفيذية والمؤتمر العام وهيئات الرقابة الحزبية.
  • التوازن بين مكونات هيئات الرقابة الحزبية (التفتيش – مجلس الشرف – هيئة الشورى)
  • التوازن بين غرف هيئة الشورى الاربعة (غرفة المشورة-غرفة الطعون الانتخابية – غرفة التظلم من القرارات الحزبية – غرفة النظر بالمخالفات).
  • التوازن بين الأمين العام والامناء المساعدون الاربعة.
  • التوازن بين الامناء المساعدين الأربعة (الأمين المساعد لشؤون الادارة – الامين المساعد لشؤون المناطق – الامين المساعد لشؤون القطاعات – الامين المساعد لشؤون المصالح).
  • التوازن بين دور البرلمانيين الحزبيين والادارة الحزبية الداخلية.
  • التوازن بين اعضاء المؤتمر العام المنتخبين وبين الاعضاء المعينين مع ارجحية واضحة للمنتخبين.
  • التوازن بين دور المؤتمر العام في صناعة القرار الحزبي والسياسة العامة للحزب، ودور الهيئة العامة الناخبة التي تؤمن دورية المحاسبة السياسية عبر الانتخابات التي تطال المواقع المفصلية في هيكلية الحزب، كل اربع سنوات لرئيس الحزب واعضاء الهيئة التنفيذية وكل خمس سنوات لأعضاء هيئة الشورى وكل سنتين لرؤساء المراكز ورؤساء القطاعات.

 

 

خاتمـــة

وفي ختام بحثنا هذا، لا بدّ من التذكير بمجموعة من الثوابت لا مناص منها من اجل فهم أعمق للنظام الداخلي ولما رافقه من نقاش ديمقراطي بغية بلورة معالمه الأساسية وذلك عبر تسجيل بعض الملاحظات الختامية، على الوجه الآتي أدناه:

  • لا بدّ، ختاماً ان نذكّر، أنه لا يوجد نظام واحد في العالم صالحٌ بالمطلق في كل مكان وزمان وبمعزل عن الواقع الاجتماعي-السياسي، والتاريخي والفكري والحضاري للمجتمع البشري الذي يتوخى تطبيقه، بل هنالك دائماً حاجة تفرضها الواقعية السياسية، هي مطابقة هذا النظام مع ذلك الواقع الاجتماعي السياسي، وتوفير آليات لتعديل اي نظام على ضوء مقتضيات ذلك الواقع وتطويره، مع التشديد ان النظام وضع لخدمة الانسان وليس الانسان مسخّراً او مكرّساً لخدمة النظام، أياً كان محتواه.
  • ولا بدّ من جهة أخرى ان نذكّر ان العبرة ليست ولم تكن يوماً في النصوص بل في النفوس، أي ان التنظيم الحزبي مهما يكن ضرورياً ومهماً لبناء المؤسسات، الا انه يبقى مجرد حبر على ورق ونظريات تفتقر الى الحياة تدب في عروقه كجسم متماسك، من دون التطبيق ومن دون الارادة الصادقة والجامعة للأعضاء – في غالبيتهم على الأقل – وبث الروح الجماعية كدم جديد يسري في تلك العروق ويجعلها تتدفق حياةً وحيويةً ودينامية.

وهذه الروح هي بالضبط مجموعة الثوابت التاريخية التي استعرضناها في الفصل الأول المعنون: حزب القوات اللبنانية لمن؟ ولتحديدنا الشامل لمن نؤسس حزب القوات اللبنانية.

من هنا فانه لا بد ان تتجلى هذه الروح وتلك الثوابت بمثابة الزيت الذي يجب ضخّه مقوّمات الآلة المؤسساتية الديمقراطية التي شكّلها النظام الداخلي، لكي تتمكن تلك الآلة بفضل الزيت الداخل في مكناتها من ان تتحرك بفعالية وانسجام وتؤدي الى دينامية داخلية وخارجية، بنيوية ووظائفية تحقق الغايات المرجوة من انشائها وتخدم المصلحة الوطنية العليا.

  • ومن جهة ثالثة، وفي موازنة هذه الروح، لا بدّ من التشديد على أهمية دور التنشئة السياسية والتثقيف الديمقراطي والسياسي والمؤسساتي والقانوني للكوادر الفاعلة في حزب القوات اللبنانية لإنشاء جيل مثقف سياسياً ومتمتع بوعي سياسي مميّز يتيح للمواطن مجالاً من الثقافة والقدرة على التقييم والتقدير والحكم والمحاسبة عبر المشاركة في الانتخابات الديمقراطية الدورية، وعلى الوزن الدقيق لآداء المسؤولين، من اسفل الهرم حتى رأسه، لتصويب الاخطاء وافساح المجال للأفضل في تقديم ما عنده خدمة للإنسان والوطن والدولة والديمقراطية.

فمن دون تنشئة وكودرة لا حزبي واعٍ ولا مواطن متمتع بروح المسؤولية والموضوعية والنضوج السياسي وبالتالي لا مؤسسات سياسية ديمقراطية عصرية ولا خروج ولا تحرر من الامراض المجتمعية المزمنة ولا حلول لأزماتنا الممتدة في الزمن.

  • وبكل حال يبقى مهماً أن نذكر ان اي تنظيم حزبي او سياسي هو مجرد آلة وآليات وانه ليس بممتاز أو بسيء بحد ذاته، بل بقدر ما تتوافر في تطبيقه وإعمال احكامه وإنفاذ قواعده والعمل بمقتضاها، الارادات الطيبة والنواياا الصادقة في التزام المبادئ والاهداف والعمل في سبيل جعلها واقعاً وحقيقةً معيوشة، انسجاماً مع الروحية المطلوبة؛

والمطلوب من حزب القوات اللبنانية كحزب ديمقراطي، كثيرٌ كثيرْ ويتطلب جهوداً جبّارة في السير قُدُماً باتجاه الديمقراطية الصحيحة، وذلك تحدٍّ كبير امام التاريخ والوطن، مطلوب رفعه بكل روح المسؤولية، من قبل كافة المنتسبين ولا يستطيع اشخاص – افراداً او جماعات – بان يحملوا عبئه لوحدهم انما هي مسيرة جيل كامل من المناضلين وتضافر جهود جماعية في التزام ببناء مفهوم جديد للمواطنين والمواطنية حقوقاً وواجبات وصورة جديدة مشرقة للوطن واعدةٍ للأجيال الآتية، تماماً كما الصورة الشعرية لاحدى اغنيات الفنّان اللبناني الشهير مرسيل خليفة وعنوانها “الجسر” حيث جاء:

“يعبرون الجسرَ خفافا

أضلعي إمتدَّتْ لهم جسراً وطيد

من كهوف الشرق، من مستنقع الشرق

الى شرق جديد”.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل