.jpg)
كتبت أوغيت سلامة في “المسيرة” – العدد 1430:
كان في مدرسة الرسل في جونية تلميذًا في جمعية المرسلين اللبنانيين او كما نعرفها”الرهبنة الكريمية” عندما شاهد ويلات الحرب للمرة الأولى مع وصول الناجين من مجزرة الدامور الى مرفأ جونية. حمل مع رفاقه في الدير الحرامات والأكل والثياب وراح لملاقاتهم. وصلوا بزوارق الصيد لا في بواخر كما قيل. المشهد الأول، إمرأة تحمل في حضنها طفلها الميت. المشهد الثاني شاب بترت يده. المشهد الثالث أب أضاع عائلته وعقله يبكي ويلطم رأسه… إبن الحادية عشرة بهذه المشاهد بدأت سنوات مراهقته. اقفلت مدرسته التي إمتلأت بالمهجرين من المسيحيين فعاد الى بشري بلدته.
بدأت معركة الكورة، وتشكلت “ألوية” مسلحة من عائلات بشري ومن حزب “الكتائب”. حاول أن ينضوي في الحزب فلم يقبلوه لصغر سنه، فغافل الجميع واختبأ في “بوسطة” لواء المقدمين الخاص بعائلة طوق المتوجهة الى الكورة حيث كانت المواجهة العسكرية ضد المنظمات الفلسطينية… 15 يومًا لم يعرف أهله عنه شيئًا وبقي على الجبهة في أميون على الرغم من رفض المقاتلين لبقائه. إلا أنه بقي مع نعيم البدوية فخري الذي تركه معه وعلمه كيف يستعمل الرشاش للمرة الأولى.
في سنّ الخامسة عشرة قرّر ميلاد طوق الالتحاق في صفوف الجيش اللبناني المدافع عن كرامة الوطن وأهله فأعطى أحد مخاتير منطقته 250 ليرة من مدخراته مقابل تعديل سنه على إخراج قيده وتكبيره 3 سنوات.
من وقتها من سن الحادية عشرة وهو يحارب ويركض خلف الموت والموت يهرب منه. ومحطات الـ11 عامًا من المقاومة السلمية التي خاضها في السجن الكبير لم تكن أقل قسوة من معاناة الدكتور سمير جعجع في سجنه الصغير. عن نضال يحمل عنوان “الكرامة بالخط العريض” يروي ميلاد هذه المحطات.
مع الجيش اللبناني شارك ميلاد في دورات تدريبية عدة، الأولى في ثكنة المغاوير في حمانا، وكان الجيش السوري قد دخلها أيضًا العام 1979. الدورة الثانية في ثكنة شكري غانم في الفياضية، والثالثة دورة تدخل سريع في اليرزة. الى أن اندلعت المعارك في العام 1981 في زحلة، يقول ميلاد “كنا في ثكنة شكري غانم، أبلغونا أننا سنتوجه الى زحلة وطلبوا منا أن نكون في جهوزية كاملة. قلت في نفسي حينها، أخيرًا سنقف دفاعًا عن أهلنا في زحلة لكن بعد 6 ساعات من الإنتظار عادوا وقالوا إنتهى الاستنفار. تلقيت بعدها الأوامر بالتوجه الى ميدان سباق الخيل لتنظيفه، كان الجنرال فيكتور خوري قائدًا للجيش يومذاك، فانتفضت بطريقة جنونية، أمسكت بارودتي ورميتها أمام الرقيب أول شفيق لطيف وقلت له: “هذا هو الجيش الذي انتميت اليه؟ أنا هنا لأنظف خيل قائد الجيش أم لأدافع عن أرضي وشعبي وأهلي”؟
خرج من الثكنة بلا نقود ومشى من بيروت ليصل في اليوم التالي الى ثكنة القطارة. ومن يومها وهو مع الدكتور سمير جعجع مقاومًا في “القوات اللبنانية” مدافعًا عن المجتمع المسيحي. من زحلة الى الجبل الى كفرنبرخ ودير القمر و”حرب الإلغاء”… شارك في كل المعارك التي خاضتها “القوات اللبنانية” ليبقى لبنان ويبقى مسيحيوه فيه بكرامة. الى أن دقّت ساعة الفداء الكبير، وحلّ الموعد مع الاعتقال والمقاومة من داخل السجن السياسي. عن تلك الحقبة يروي ميلاد طوق محطات التقى خلالها الموت مرات وفي كل مرة كان يعود من النفق الى الحياة أكثر عنادًا وقوة.
20 نيسان 1994 كان في الخدمة، مرافقًا للدكتور سمير جعجع، أرسل بطلبه وكلّفه مرافقة مجموعة من الشباب الى بشري، كان يخاف على ميلاد لأنه يعرفه لا يهاب الموت، وحتى اليوم لم يعرف الأخير ما إذا كانت تلك المهمة نتيجة الثقة به أم هي مقصودة لإبعاده عن غدراس في ما لو حصلت أي مواجهة مع الجيش الذي كان يطوّق مقرّ الحكيم وكان الكلام عن توقيفه بات جديًّا وداهمًا.
مشى هو والمجموعة من تنورين التحتا الى بشري بأمر من الحكيم حتى لا يتم اعتقالهم، فوق إتصل به (النائب) إيلي كيروز وأبلغه أن شخصًا سيصل الى بشري ويجب أن يلاقيه الى الكنيسة. الشخص كان يحمل رسالة إعتقال الحكيم. يتذكر ميلاد تلك اللحظة، يصمت قليلًا، ويعاود “كان الخبر ضربة صاعقة على الرأس، ماذا نفعل؟ من سيقول لنا ماذا نفعل؟ من بيت الى بيت رحنا ندور في بشري تائهين الى أن وصل إيلي وإجتمعنا في أحد الأماكن السرية لنتشاور في الخطوات اللاحقة.
بعدها قرّرنا أن نتوجه الى غبطة البطريرك مار نصرالله بطرس صفير، ما عاد إلنا غيرو.
الكل يتذكر يومها أنك رميت بنفسك أمام ملالة الجيش اللبناني، كنت مقتنعًا أن الموت دهسًا قد يغير شيئًا في قضية اعتقال الحكيم؟
يومها كانت القوى الأمنية تحاول منعنا من الدخول الى بكركي للقاء سيدنا البطريرك صفير وكانت ملالة الجيش تتقدم لإقفال البوابة المؤدية الى الباحة فرميت نفسي أمامها فصرخ الضابط لوقف تقدم الملالة. أسرعت زوجتي ميرنا ورمت نفسها الى جانبي ومن ثم تمدّد كل الشباب أمام الملالة على الأرض وتولى الباقون فتح البوابة. فكرت في تلك اللحظة أنه إذا تم دهسي بالملالة سأموت ولكن سيكون لموتي وقع كبير وضجّة إعلامية ستصل الى العالم والرأي العام وسيقال إن الجيش اللبناني قتل متظاهرين فقط لأنهم يريدون اللجوء الى بكركي رأس كنيستهم. كنت أفكر كما الإستشهادي الذي يرمي نفسه في الموت من أجل إيصال رسالة تصبّ في القضية المقدسة التي يؤمن بها. أدركنا يومها أهمية أن نقوم بكل تحرّك يصل الى الخارج ويؤثر في الرأي العام لمصلحة قضية الحكيم واستهداف “القوات” لاغتيالها من خلال اعتقاله، واعتبرنا ذلك بمثابة إضاءة شمعة في تلك العتمة.
بقيت في بشري الى موعد جلسة المحاكمة الأولى، وفي ساحة ساعة العبد قبل مقرّ العدلية كانت المواجهة الكبرى مع القوى الأمنية. أخي بشارة أتى بأطفاله الخمسة الى التظاهرة، قلت له يومها” حرام أطفال لشو جبتن ظلم هالقد، نحنا كبار مندفع التمن بس هني ليش؟ فرد علي “أنا بدي دفّعن التمن قبلنا”.
بعد المواجهة في ساحة ساعة العبد دخل ميلاد في مرحلة جديدة عنوانها الملاحقة اليومية من قبل الأجهزة الأمنية. كان من سكان مشروع بريج السكني الذي بنته “القوات اللبنانية”، وكان مقصد الدوريات الأمنية يوميًا لتبليغ ميلاد بضرورة الحضور الى مركز الفيدار أو صربا أو وزارة الدفاع او الأوبرلي… لتوقيفه والتحقيق معه.
.jpg)
“كل مرة كان يصير شي بالجنوب او بالدورة كانوا يجرّونا ويبهدلونا. ضرب وجلد وتعذيب وبالآخر بدك تمضي”. كل ذلك كان يتم أمام طفلته ربيكا التي كانت في سن الخامسة وزوجته ميرنا الحامل بابنتهما جيسيكا. هربوا الى منطقة الفنار وبقي ميلاد متخفيًا طوال سنة ونصف السنة لكن أحدًا لم يكن يجرؤ على تشغيله معه. كل مرة كان يجد وظيفة كانت المخابرات تفرض على صاحب العمل طرده.
يروي: “عملت مع شركة “ألكاتيل” للاتصالات عندما جاءت الى بيروت، وبعد دورة تدريبية لمدة شهر بدأوا العمل في منطقة بدارو على أساس أنها المنطقة التي تضمّ معظم الوزارات والدوائر الرسمية. وزعونا فرقًا وصدف أنني كنت في فريق مع شاب من بلدة رشميا نعمل على توصيل كابل تلفون تحت الأرض، فوصلت دورية من المكافحة وأوقفتنا. سألوني شو إسمك؟ قلت لهم ميلاد طوق، نزلت السماء على رأسي وما عدت أعرف “الكفوف” من أين تأتيني. تاري يومها كانوا جايبين الحكيم على جلسة بالعدلية، أخذوني الى نظارة العدلية وهناك راحوا يلطموني من حيط الى حيط ويسألوني ماذا كنت تفعل هناك وأنا أستنجد وأقول إنني كنت في عملي…
بعد التحقيق أطلقوا زميلي ابن رشميا وتركوني موقوفًا لأنني من بشري. شركة “الكاتيل” حاولت إطلاقي باللجوء الى الادارات الرسمية المعنية ووزرائها ولم تفلح، فاتصلت بالسفير الفرنسي بما ان الشركة فرنسية. تدخّل السفير وهدّد باقفال كل الشركات الفرنسية في لبنان إذا لم يطلق سراحي. تركوني غير مقتنعين أنني موظف في شركة الاتصالات وراحوا يفتشون المنطقة مع الكلاب البوليسية كالمجانين. قبل إطلاقي أمرني الضابط بأن أنسى كل شيء، وعندما رفضت لأنني بريء من أي تهمة، عاد الضابط المسؤول الى التهديد فقلت له: “بدك تقتلني قتلني بس بدي أعرف لأني من بشري ومن بيت طوق بدك تشقفني؟”
بقيت في الشركة الى أن تغير المدير الفرنسي في بيروت وحلّ مكانه مدير لبناني، وفورًا أبلغني أنهم استغنوا عن خدماتي وصرفوني. ومن جديد عدت بلا عمل الى أن أمّن لي الرفيق سلمان سماحة فرصة عمل في معمله، كنت أعرف أن سلمان لم يكن بحاجة الى موظف ومع ذلك اخترع وظيفة لمساعدتي على إعالة عائلتي.
يتابع ميلاد: “بعد 7 آب 2001 وتوقيف سلمان وايلي كيروز وتوفيق الهندي بقي مخايل عواد من الرباعي الذي تشكل للمتابعات على الأرض. كنت الوسيط بين الشباب في السجن وبين مخايل وكنت أنقل إليهم الرسائل للتنسيق فيما بينهم بعدما كلفني سلمان بنقل المواد الأولية التي كان يحتاجها لبناء المكتبة داخل السجن والتي تطوّع لبنائها لتكون في خدمة المساجين. مرة التقيت بالمحامي سليمان لبّس في أحد مقاهي بيروت وأخذت منه رسالة لأنقلها إليهم الى السجن. وأنا في طريق العودة “طبّت” عليّ دورية من أمن الدولة أمام كنيسة مار جريس في بيروت. كانوا يراقبونني. أنزلوني من السيارة، طمشوني بكنزنتي وأخذوني بسيارتهم رأسي بأرض السيارة تحت أقدامهم الى مركزهم في الطبية، أدخلوني الى غرفة وبدأ التحقيق معي عن الأرقام على هاتفي الخليوي، فبدأت بتأليف الأسماء والقصص وهم بدأوا بضربي وركلي حتى وقعت أرضًا فانغرز صليب المسبحة المعلقة حول عنقي في صدري، تلك المسبحة كان أعطاني إياها مخايل عواد، فصرخت ” يا يسوع بقدملك كل الضربات لجروحاتك”. وحياة الصليب ما عدت حسيت بشي، رغم إشتداد الضرب ما عدت فتحت تمّي. هنا جنّ جنونهم فأوقفوني على الحيط وبدأوا بلطمي ثم بدأوا بتدعيسي على الأرض ومع ذلك لم أتكلّم. بعد يومين ونصف اليوم أفرجوا عني بعدما قال لي أحد الضباط “ليك يا طوق أنا بعرفكن أنتو البشرانية جماعة ما بينكسر راسكن”. فأجبته “نحنا ما منحقد لأن عنا قضية مقدسة وإذا التقيت فيك ببشري بكرّمك، بس بدي قلك أشرف شي يموت الإنسان بكرامتو، وأبشع شي إنو ينطر معاشو ويذلّ الناس كرمال المعاش، كيف بدو يواجه ربو؟ وحياتك أنا من عمر 11 سنة وأنا بحارب وأركض ورا الموت والموت يهرب مني، أنا مسيحي مؤمن وما بخاف من الموت، الدنيي مرقة طريق… ياحضرة المقدم صدّقني رح تتعبوا وما رح توصلوا لنتيجة”.
كنت أعرف أنهم كانوا سينقلونني الى البوريفاج. واحد من بينهم قال لي “خليك متل ما إنت ما تحكي ولا كلمة لأنو يمكن الليلة ينزلوك ع البوريفاج”.علمًا أنهم لو وجدوا الرسالة معي لكنت معتقلا حتى اليوم، لكني خبأتها في فرش السيارة ولم يعثروا عليها”.
.jpg)
في 2001 بدأت قصة نضال أخرى لكن من بشري هذه المرة عندما قرّر الشباب نقل مجسّم الزنزانة الذي كان في كلية الحقوق في جل الديب الى بشري ليرى البشرانيون كيف واين يعيش الدكتور جعجع تحت الأرض في وزارة الدفاع. يتابع ميلاد،”في 22 نيسان 2001 قبل الإضراب العام الذي شهدته بشري في الذكرى السابعة لاعتقال الحكيم، كان يوم أحد، حمّلت مجسّم الزنزانة في بيك أب الى بشري وركّزته أمام كنيسة السيدة، وبأجواء التراتيل وفي ظلّ العلم اللبناني بدأ الشباب يتوافدون، وكان في اليوم نفسه جناز في كنيسة مار سابا على نفس نجل النائب السابق قبلان عيسى الخوري وكانت كل القيادات الموالية لسوريا مدعوة بالاضافة الى المسؤولين السوريين من غازي كنعان الى رستم غزالي. يومها لم ينزل أحد من أبناء بشري الى الجناز بل قدّسوا معنا على نية الحكيم ما أزعج قبلان لا بل جن جنون الجميع عندما رأوا أعلام القوات على سيارات بعض الشبان يجوبون بها في بشري.
بعدما انتهى الاحتفال نزلت الى بيروت لأعيد الزنزانة وعدت الى بشري مجدّدًا ونمت. عند الثانية عشرة إستيقظت على أصوات أطفال في البناية. فتحت باب البيت فرأيت عناصر من الجيش يجرّون أخي بشارة على الدرج وأولاده الخمسة ممسكين به، قلت لهم أنني مستعد أن أخذ أخي إليهم بكل احترام من دون أن يرى أولاده هذا المشهد. لم أكمل كلمتي إلا وكانت اللكمات تنهال عليي من كعب البواريد، فركعت أمي صاحبة الـ 85 عامًا على قدمي الضابط المسؤول عن المهمة، تتوسله ألا يضربني على يدي المصابة، فلطمها برنجره ووقعت على الدرج، ولشدة الضرب على رأسي وصدري أغمي عليّ، فراحوا يجرونني من رجلي على الدرج ورأسي يرتطم بكل درجة.
وصلت الى الطريق أمام البناية جثة، أحد شيوخ الحي اسمه يوسف طوق ركض على الضجة وقال لهم “شو بدكن منا ياعمي، الزلمي قتلتوه ما بتعطونا ياه ندفنو”؟ وكانوا هنا قد اختلفوا فيما بينهم لأن ضابط آخر من حصرون لم يكن يعرف أنهم سيصلون الى هذا الحدّ من العنف، بينما كان الضابط الأول ينفذ أوامر السوريين في الأميركان في طرابلس. الجيران كانوا استدعوا الصليب الأحمر لكن الدورية التي كانت تطوّق حينا لم تسمح لهم بالدخول فنزل الشباب مع الحمّالة ووصلوا إلي مشيًا على الأقدام ونقلوني جثة. أمي وأخوتي وزوجتي يبكونني، ركض البشرانيون على خبر مقتلي فيما كنت وصلت في سيارة الاسعاف الى مستشفى بشري الحكومي، لحق بي الأهل وهرّبوني مجدّدًا من الجيش الذي طوّق المستشفى الى مستشفى مار يوسف في الدورة. لكن بعد ساعتين كان الجيش قد وصل وطوّق المستشفى أيضًا. بعد العلاج حكمت علي المحكمة العسكرية بجرم “معاملة عناصر الجيش بالشدة أثناء الوظيفة”.
.jpg)
هكذا كانت العدالة زمن الوصاية والاضطهاد: تحاكَم الضحية ويحكم المعتدي! ويبقى ميلاد طوق وغيره من شباب “القوات” شهودًا على تلك المرحلة الصعبة.
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الإلكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.